رئيس التحرير: عادل صبري 09:19 مساءً | الأحد 21 أكتوبر 2018 م | 10 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

في يوم ميلاده.. نزار قباني «اشتقنا إليك فعلمنا ألا نشتاق»

في يوم ميلاده.. نزار قباني «اشتقنا إليك فعلمنا ألا نشتاق»

فن وثقافة

الشاعر الراحل نزار قباني

الدمشقي الذي كتب الشعر بالياسمين.. وأيضًا بالسكين

في يوم ميلاده.. نزار قباني «اشتقنا إليك فعلمنا ألا نشتاق»

سارة القصاص 21 مارس 2018 22:36

رسم بالكلمات تاريخ العرب، دائمًا ما اتهمت أشعاره بأنها خارجة عن القانون والمجتمع، صنع بمفرداته قاموس العاشقين، ليترك تنويعات نزارية على مقام الشعر، ويقول: "حملت شعري على ظهري فأتعبني ماذا من الشعرِ يبقى حينَ يرتاحُ؟"، إنه الراحل نزار قباني الذي تحل اليوم ذكرى ميلاده الـ95. 

 

دمشق هي الرحم الذي تشكلت فيه أبجدية نزار قباني، ويحكي: "بيتنا هو البطل في قصائدي، فهو أساس شاعريتي كأنه أعطاني علبة ألوان لأرسم بالكلمات، فدمشق هي أمي، جسدي تشكل فيها".
 



"والدي كان مزيجًا من الماء والنار، وأنا ورث عنه هذه الصفة"، هكذا تحدث نزار قباني عن أبيه، لافتًا أن هذه الصفة "المتطرفة" جعلته يرى الأمور إما أبيض أو أوسود، ولا يعرف الوقوف في الوسط. 
 

نشأ نزار ووجد أبيه يصنع الحلوى والسكاكر  في المصنع الذي يملكه وفي نفس الوقت كان بيته مركزًا للتجمعات الشعبية ومقاومة الانتداب الفرنسي، قائلًا في أحدى حوارته: "والدي كان يصنع الحلوى والثورة في نفس الوقت". 

  

ويرى القباني أنه سار على درب والده، وشبه الشعر بصنع الحلوى، وأنه صنع الثورة في أبياته.

 

كان أول بيت كتبه عام 1939 أثناء رحلة مدرسية بحريّة إلى روما، ومنذ ذلك الوقت أصبح نزار يبحر في أمواج الشعر يبحث عن ميناء يرسو عليه.


فضل نزار جنون البحر والإبحار في عواصفه بعيدًا عن الاستقرار والثبات، ويصف نفسه في إحدى قصائده: "مِنْ سُلالاتِ العَصَافِيرِ .. أنا..لا سُلالاتِ .الشَجَرْ.. وشَرَاييني.. ماتدادٌ لشَرَايينِ القَمَرْ.. إنَّني أخزِنُ كالأسماكِ في عَيْنَيَّ..أنا لا أُشْبِهُ إلا صُورَتي.. فلماذا شَبَّهُوني بعُمَرْ؟".
 


درس نزار  الحقوق، وبالرغم من أنه لم يكمل عمله في هذا المجال إلا أنه ظل يرافقه، فدافع بشعره عن "الإنسان، المرأة، العروبة، والقدس".


"مكان الشاعر الأساسي على خط المواجهة"، بهذا المبدأ عاش نزار يواجه المجتمع والحكام بقصائده.


ومنذ أول ديوان "قالت لي السمراء"، كانت مواجهته مع المجتمع؛ ليحصل على  لقب "شاعر إباحي".

 

وعن الهجوم الذي تعرض له  وقتها، قال نزار: "حين صدوره أحدث وجعًا عميقًا في جسد المدينة التي ترفض أن تعترف بجسدها أو بأحلامها.. لقد هاجموني بشراسة وحش مطعون، وكان لحمي يومئذ طريًا".

 

ومع مرور السنوات، أصر الكثيرون على حصر  نزار قباني في صورة من يروّج للإباحية والمجون، فغطى ذلك على قصائدة السياسية التي كتبها مبكرًا.


"خبز وحشيش وقمر"، القصيدة التي صدرت عام 1954، أثارت ضجة كبيرة لأنه تعمد فيها تعرية الشخصية العربية المصابة بالانفصام وتعدد الأحوال، وناله هجوم شديد إثر نشرها، ووصل الأمر لقبة البرلمان؛ ليكون بذلك أول شاعر تناقش قصائده في البرلمان.

 

ويذكر نزار في كتابه "قصتي مع الشعر" عن هذه الواقعة: "إنها العمائم التي طالبت بشنق أبي خليل القباني طالبت بشنقي، والذقون المحشوة بغبار التاريخ، التي طلبت رأسه، طلبت رأسي، فكانت خبز وحشيش وقمر، أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني وبين الخرافة والتاريخيين".



"أنعي لكم كلامَنا المثقوبَ، كالأحذيةِ القديمة.. ومفرداتِ العهرِ، والهجاءِ، والشتيمه.. أنعي لكم.. أنعي لكم  نهايةَ الفكرِ الذي قادَ إلى الهزيمة.. مالحةٌ في فمِنا القصائد مالحةٌ ضفائرُ النساء.. يا وطني الحزين حوّلتَني بلحظةٍ.. من شاعرٍ يكتبُ الحبَّ والحنين.. لشاعرٍ يكتبُ بالسكين لأنَّ ما نحسّهُ أكبرُ من أوراقنا".

 

كانت نكسة حرب 1967،  نقطة تحول مهم لنزار إلى الشعر السياسي، وأصدر عدة قصائد لاذعة ضد الحكومات والأنظمة العربية عمومًا وضد حكم البعث في سوريا،  ومنها "هوامش على دفاتر النكسة"، و"عنترة" و"يوميات سياف عربي".


تسببت  أشعار نزار قباني في حظر قصائده في مصر، ومنع إذاعة الأغاني التي تحوي كلماته، كما منع من دخول مصر، ليقرر أن يرسل إلى الزعيم عبد الناصر قائلاً: 

 

"لقد أودعت قصيدتي خلاصة ألمي وتمزقي، وكشفت فيها عن مناطق الوجع في جسد أمتي العربية لاقتناعي بأن ما انتهينا إليه لا يعالج بالتواري والهروب وإنما بالمواجهة الكاملة لعيوبنا وسيئاتنا..

إذا كانت صرختي حادة وجارحة وأنا أعترف سلفًا بأنها كذلك، فلأن الصرخة تكون في حجم الطعنة ولأن النزيف بمساحة الجرح.. ولا أريد أن أصدق أن مثلك يعاقب النازف على نزيفه والمجروح على جراحه ويسمح باضطهاد شاعر عربي يريد أن يكون شريفًا وشجاعًا.. فدفع ثمن صدقه وشجاعته".

 

لم ينسالقدس في أشعاره، وقال فيها: "بكيت حتى انتهت الدموع.. صليت حتى ذابت الشموع.. ركعت حتى ملني الركوع.. سألت عن محمد فيك وعن يسوع.. يا قدس، يا مدينةً تفوح أنبياء.. يا أقصر الدروب بين الأرض والسماء

يا قدس، يا منارة الشرائع .. يا طفلةً جميلةً محروقة الأصابع..يا قدس، يا جميلةً تلتف بالسواد".. 

 

"تمر بها أنت .. دون التفات.. تساوي لدي حياتي..جميع حياتي..حوادث .. قد لا تثير اهتمامك..أعمر منها قصور..وأحيا عليها شهور..وأغزل منها حكايا كثيرة".. هكذا عاش نزار تمده حياته والحوادث بالإبداع.

 

للأحداث الجسام التي مر بها نزار أثرها في نفسه وفي شعره، خلال طفولته انتحرت شقيقته، بعد أن أجبرها أهلها على الزواج من رجل لم تكن تحبه، ليصبح ذلك الحادث سلاحًا يقاوم به نزار مع المرأة الشرقية كي تحقق ذاتها، قائلًا عن موت أخته: "صورة أختي وهي تموت من أجل الحب محفورة في لحمي".

 

وتزوج مرتين، زوجته الأولى كانت ابنة خاله وأنجب منها هدباء وتوفيق، توفي توفيق عام 1973 وكان طالبًا بكلية الطب في جامعة القاهرة في السنة الخامسة، ونعاه والده بقصيدة "الأمير الخرافي توفيق قباني".

 

"حبيبتي قُتِلَت.. وصار بوُسْعِكُم.. أن تشربوا كأسًا على قبر الشهيدهْ.. وقصيدتي اغْتِيلتْ"، كلمات رثى بها نزار زوجته الثانية "بلقيس" التي التقى بها في أمسية شعرية ببغداد، وأصبحت عشق حياته، وأنجب منها عمر وزينب، وﻻقت حتفها أثناء الحرب الأهلية اللبنانية في حادث انفجار السفارة العراقيّة في عام 1982.
 


وعن لغة شعره، يرى نزار أنه استخدم لغة ثالثة بين لغة القاموس ولغة الناس، فهي بالنسبة له بحر يغير أمواجه مع مرور السنوات.

 

واتخذ أشهر المطربين من قصائده مصدرًا لأغانيهم، ومنهم عبدالحليم حافظ، وأم كلثوم، وفايزة أحمد، وفيروز، وماجدة الرومي، وكاظم الساهر". 

 

كان نزار يحلم بأن يجعل القصيدة العربية كرغيف الخبز عند المواطن العربي، لما يراه من قدرة الشعر على المساهمة في تحضر الشعوب.
 



أمضى سنواته الأخيرة في لندن، ومن هناك تساءل: "متى يعلنون وفاة العرب"، والتي كان يقول فيها:
"أنا منذ خمسين عامًا.. أحاول رسم بلادٍ.. تسمى مجازًا بلاد العرب.. رسمت بلون الشرايين حينًا.. وحينًا رسمت بلون الغضب.. وحين انتهى الرسم، سألت نفسي:
إذا أعلنوا ذات يومٍ وفاة العرب.. ففي أي مقبرةٍ يدفنون؟.. ومن سوف يبكي عليهم
؟". 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان