رئيس التحرير: عادل صبري 11:28 صباحاً | الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م | 02 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

«صيدلية النفس».. أدوية روحانية للراحة الذاتية

«صيدلية النفس».. أدوية روحانية للراحة الذاتية

فن وثقافة

الراحة النفسية.. كيف نحصل عليها؟

«صيدلية النفس».. أدوية روحانية للراحة الذاتية

آية فتحي 01 مارس 2018 18:13

انطلاقًا من أن أجسامنا أصبحت ميتة الإحساس، وأفكارنا باتت بركان يوشك على الانفجار، وأرواحنا في غرفة الإنعاش، وأن التأمل هو شفاء للجسد والنفس والروح، حيث ننتقل به من لَغو العقول إلى لغة القلوب، قدم المعلم الروحي "أوشو" كتاب "صيدلية النفس".


يصطحب الكتاب، القارئ عبر العديد من التأملات وتمارين الاسترخاء واليقظة إلى هدوء النفس والراحه الذاتية، فهو كما تصفه مقدمته بأن هذه التمارين هي وسيلة للمتعة واللهو، اختر منها أيها القارئ ما يعجبك واختبره، العب معه، واستمتع به بصدق وإخلاص لمدة خمسة أيام وسيكون ذلك كافياً وافياً لتشعر إن كان يناسبك أم لا.




يطلب المؤلف من القارئ الذي يبحث عن دواء له في "صيدلية النفس" أن يتوقف عن البحث عن الوعي مستجدياً من باب إلى باب، بل يفتح باب قلبه ويصغى إلى صمت الأعماق، وأن يجني من موسيقاه أعذب الألحان.


يعقد أوشو للمطلع على كتابه جلسه خلوة مع ذاته في أكثر من موضع داخل الكتاب، فيطلب منه مثلًا قائلًا: عندما تذهب للنوم ليلًا،  انزع ملابسك، وانزع أيضاً هذا الدرع النفسي المحيط بك، ارمِ هذا العبء.. وارمِ كل ما يقيدك ويكبلك.. إخرج من سجن العبودية ومعتقلاتها،  ودع هذا الصندوق المختوم بالشمع الأحمر، خذ نفساً عميقاً ثم اخلد للنوم وأنت حر طليق كالأطفال، كالأشجار كالأزهار، دون أية قيود على الإطلاق.




ويجيب الكتاب عن سؤال "لماذا نغرق في بعض الأحيان في حالة من الحوار الذاتي الداخلي؟"، لتكون الإجابة: لأن هنالك شيء ما في أعماقنا يريد أن يظهر، يريد أن يعبر عن نفسه، لكننا لا نصغي إليه، ولا نُبدي له اهتماماً ولا انتباهاً بل نتنازع ونتصارع معه باستمرار، معتقدين أنه ضرب من  الجنون فنحاول إيقافه أو تغييره لأمر آخر بشتى الوسائل... ولكن التغيير بكافة أشكاله هو نوع من أنواع الكبت والقمع، وبذلك تقطع خيوط الاتصال الأولى بينك وبين نفسك. 


 

ينتقد "صيدلية النفس" سيادة العقل على القلوب والأرواح، حيث يؤكد المؤلف على فكرة أن العقل ديكتاتور ظالم، يحاول السيطرة على كل العوالم، ولم يعد خادماً أميناً بل مخادعاً كبيراً، محشو بالأفكار والدمار وما هي إلا أوهام وأحلام وزحام، ليضع بعد ذلك الكتاب الحل والذي يكمن "التأمل" عملًا بمبدأ أن الحقيقة تنجلي وتتجلّى بالتأمل والتفكر، لا بالتفكير والتركيز.


يدعو الكتاب إلى العيش بطريقة أكثر حيوية وقوة ونشاطًا، فإذا كنت تقوم بالحب مثلاً، قم به بإحساس وحماس لا بجمود وخمول،  وإذا كنت تركض فاركض بكل جموح دون قيود، وإلا فإنك في الحقيقة لستَ حياً بل تتظاهر بالحياة فحسب، ميتٌ في انتظار يوم الدفن من كثرة الازدحام والتزاحم على المقابر.



 

يجسد "صيدلية النفس" عظمة الضحك وأهميته للإنسان، تنفيذًا لمقولة "اضحك... تضحك لك الدنيا"، فيشير الكتاب إلى أن الضحك هو انعكاس للحياة، وهو طاقة تأمل وشفاء، لأنه يغير تركيبك الكيميائي كله، فعندما تضحك بكل جوارحك ومن أعماق فؤادك تصبح في حالة تأملية عميقة، يختفي معها، التفكير والتحليل، إذ لا يمكن لك أن تضحك وتفكر معاً، وإلا سيصبح ضحكك مشوهاً مشلولاً.


يشدد الكتاب على ضرورة احترام "الفكر" وعدم تعطيله أو التنكر منه، وأن نستمتع بالأفكار، ونرحب بها، نلعب، ونرقص، ونقفز معها موجة إثر موجة من هنا لهناك، وسنصبح  بذلك أكثر وعياً وانتباهاً لها.



 

ولأنه بداخل كلًا منا عوالم كثيرة تستحق الانتباه لها، يحس "صيدلية النفس" على أن لا تهتم ولا تنهم بالعالم الخارجي، بل عش العوالم التي فيك وهذا يكفيك، وأن تصغِ إلى نداءات الوجود التي تتعالى في أعماقك، ففي داخل كل منا أصوات سعيدة باستمرار وما علينا سوى أن نصمت وننصت إليها.

 

ويدعو الكتاب إلى سماع صوت القلب، لأن القلب مركز منسي ,مهمل،  لكن حالما تعود إليه وتهتم به سيباشر عمله... فتنساب الطاقة من العقل إلى القلب تلقائياً، كما يدعو إلى إقامة علاقة حب مع الزهور والأشجار مع الصخور مع الأنهار لنعد نجلس في الليل نخاطب القمر والنجوم، لأنه عندما تفتح قلبك للأكوان والحياة مثلما تتفتح الزهور للضياء حينها يسطع النور وتختفي العتمة، وتعثر على درب الحقيقة دون تعثّر أو عثرات.



 

ومن بين تمارين الكتاب نقرأ تمرين "السقوط الحر":


"اجلس كل ليلة على كرسي مريح ورأسك مائل للخلف... استرخي، ويمكنك أن تضع وسادة تحت عنقك لترتاح أكثر، افتح فمك قليلاً ليسترخي الفك السفلي، وتنفّس من الفم بشكل طبيعي... سيهدأ التنفّس شيئاً فشيئاً.. سيدخل الهواء ويخرج بكل هدوء وسكون، أغمض عينيك واسترح.....

اشعر بساقيك وقد أصبحتا مرتخيتين خامدتين بلا حياة، وكأن مفاصلهما قد اختلّت وانحلّت... الآن لم يعد لديك أرجل.. أنت تمثل القسم العلوي من الجسم فقط .

 

ثم تخيل ذراعيك قد أصبحتا أيضاً محطمتين مفككتين.. اسمع صوت تكسرهما بعيداً عنك.... وأخيراً سيأتي دور الرأس تخيله هو الآخر قد مضى بعيداً.. اتركه يسافر ويغادر.. الآن لم تعد قادراً على الاستدارة لا لليمين ولا لليسار.. لم تعد قادراً على القيام بأي شيء...

لم يبقَ لديك إلا القسم الأساسي الجوهري ألا وهو الجذع، الصدر والبطن هذا كل شيء، وعندها ستندفع الطاقة عبر مركز جسمك لتتدفق من جديد إلى الرجلين والذراعين والرأس ولكن بشكل منسجم.. متناغم أكثر... جرب هذا التمرين يومياً لمدة عشرين دقيقة على الأقل ثم اخلد للنوم، وستلاحظ اختفاء القلق والتوتر والتشنج خلال ثلاثة أسابيع لتحظى بالاسترخاء والاستسلام والسلام.




ويذكر أن "أوشو" هو تشاندرا موهان جاين من مواليد 11 ديسمبر 1931 وتوفي في 19 يناير 1990، كان متصوفا هنديا، ومعلما روحيا لديه أتباع من كل أنحاء العالم، كان أستاذا في الفلسفة، كانت انتقاداته الصريحة للاشتراكية، والمهاتما غاندي والأديان المنظمة أثارت الجدل حوله، ودعا إلى موقف أكثر انفتاحا تجاه العلاقات الجنسية، مما أكسبه لقب "معلم الجنس" في الصحافة الهندية ولاحقا العالمية.


لديه آلاف الكتب والمقالات، أكثر من 13 ألف ساعة مسجلة، وقد أجاب على أكثر من 100 ألف سؤال. يقول في إحدى مقالاته: "أنا لا أدعوك إلى أن تصبح هندوسياً أو يهودياً أو أن تصبح مسلماً أو أن تصبح مسيحياً، أنا هنا لأساعدك لتصبح متديناً تقياً"، وعُرف عنه إصراره بعدم رغبته أن يوضع له اسم أو توصيف فكري معين، انطلاقاً من إيمانه أنه لا توجد فلسفة تصف الحقيقة بشكل مطلق.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان