رئيس التحرير: عادل صبري 07:19 صباحاً | السبت 15 ديسمبر 2018 م | 06 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

ثابت عيد: «أرجوزة ابن سينا» دليل تقدم العرب في الطب

ثابت عيد: «أرجوزة ابن سينا» دليل تقدم العرب في الطب

فن وثقافة

غلاف كتاب "أرجوزة ابن سينا في الطب"

ثابت عيد: «أرجوزة ابن سينا» دليل تقدم العرب في الطب

كرمة أيمن 14 ديسمبر 2017 23:00

بعد مضي 1000 عام على خروج النص العلمي لعبقري الحضارة الإسلامية ابن سينا، أعاد إلينا الكاتب والباحث الدكتور ثابت عيد، بحماس شديد، "أرجوزة ابن سينا في الطب" ليعيدنا للساحة الفكرية العالمية بقوة.

وقدم للكتاب الدكتور حسن الشافعي؛ رئيس مجمع اللغة العربية، وكذلك البروفسور "تُومَاسُ سُودْهُوفَ" أحد كبارِ العلماء فِي "الطب المعاصر" وحائز على جائزة نوبل.

 

وَيقول حسن الشافعي، في مقدمة الكتاب: لا مراء في المَكانة العالية التِي يحتَلها ابن سينا، في سياق الفكر الإِسلامي العلمي والفلسفي والروحي؛ فهو "الشيخ الرئِيس"، و"أفضل المتَأخرِين"، و"الحكِيم"، وتدل "أرجوزة ابن سينا في الطب" على عبقريته الطبية، والتِي كانت أساس شهرته، وبلغت به بلاط سلطان بخارى نوحِ بن منصور، فنجح ــ دون كثِيرِين ــ في معالجة السلطان، الذي أباح له دخول مكتبته الخاصة الزاخرة بالمراجع العلمية؛ فنال منها ــ كما يقول في ترجمته لنفسه ــ فوائد كثِيرة.

وكان ابن سينا رجلا متعَدد المواهب؛ فهو طبِيب، وفلَكِي، ورِياضي، وفيلسوف، وصوفي، وسياسي في الوقت نفسه، فقد دفعه طموحه وحيوية شخصيتِه إِلَى الْمشارَكة في السياسة العملِية.

ولم يكن ابن سينا فيلسوفا فحسب؛ بل هو عالم وفنان، وَلفت نظَره هذه المعجزة الإنسانية "اللغة" فكتب رسالة عن "أصل اللغة"، فالْأُرجوزة شاهد صدق على براعة الرجل الفنية، ومقدرته اللغوية.

وركزت "الأرجوزة" على  مَوضوع "حِفْظِ الصِّحَّةِ"، وتناولت العديد من المسائل الطبية، وحفلت بِالتعريفات الدقيقة الواضحة، وَيعتبر ابْن سِينَا رَائِدًا في فن  "الْأَرَاجِيزِ الْعِلْمِيَّةِ" الذي اسْتَخْدَمَه الْعُلَمَاء الْعَرَب بَعْدَه، فِي النحو والبلاغةو التصوف وأصول الْفِقْهِ وَ علم الكلام.

وخلال السطور التالية، يأخذنا الدكتور ثابت عيد، في رحلة عبر العصور، لنتعرف معًا، على عبقرية ابن سينا في الطب واللغة العربية، وسبب خروج العرب من سباق الحضارة، وتخلفهم عن الغرب بعد أن كان لنا السبق في ذلك….

إلى نص الحوار: 
 

* ما الدافع الأساسي للخروج بـ"أرجوزة ابن سينا في الطب" للنور؟

إدراكي العميق لعظمة التراث العربي الإسلامي الطبي كان أحد دوافعي لإخراج "أرجوزة ابن سينا في الطب"، أما الدافع الآخر كان حسرتي على أحوال العرب والمسلمين الّذين خرجوا من سباق الحضارة منذ القرن الخامس عشر الميلادي تقريبًا، وأصبحوا عاجزين حتّى عن تحقيق تراث أجدادهم، ودراسته، والاهتمام به، والاستفادة منه.

* في رأيك ما سبب خروج العرب من سباق الحضارة؟

للإجابة عن هذا التساؤل، يتبادر إلى الذهن تساؤلات عديدة توجه للعرب أنفسهم فهل يعقل مثلًا أنّ تظلّ أمّهات كتب تراثنا الطّبّيّ غير محقّقة حتّى اليوم، في القرن الحادي والعشرين، برغم أنّ إبداع الأطّبّاء العرب بدأ في القرن التّاسع الميلادي، وبالرّغم من أنّ الألمانيّ جوتنبرج اخترع فنّ الطّباعة في القرن الخامس عشرَ الميلاديّ؟.. وهل يعقل أن يكتفي الباحثون العرب بطبعة غير محقّقة، وركيكة جدًّا، من كتاب ابن أبي أصيبعة «عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء»؟.. وهل يعقل أن يستمرّ هذا الإهمال من جانب العرب والمسلمين، في حين أنّ كثيرًا من كبريات الجامعات الغربيّة قد سارعت إلى تأسيس معاهد لتاريخ الطّبّ العربيّ-الإسلاميّ؟.. هل يعقل أن نترك هذا التّراث العربيّ-الإسلاميّ-الطّبّيّ لمجموعة من  الباحثين غير المتخصّصين، يعبثون به، ويشوّهونه، ويقدّمونه إلينا في أقبح صورة ممكنة (نموذج يوسف زيدان)؟. 

* لماذا سقط العرب في جوف الفجوة المعرفية؟

بسبب اللغة، هي التي أدت لوجود الفجوة المعرفيّة التي سقط بها العرب وباتت تفصلنا عن الحضارة الغربيّة، وهنا أتذكّر أنّ الجاحظ (توفي سنة ٨٦٨م) سعى إلى تعريف لفظ «العالم» في عصره، والشّروط الّتي ينبغي توفّرها فيه، حتّى يصير عالمًا، حيث عدّد المعارف الّتي ينبغي عليه إتقانها، حتّى يصير عالمًا.

وفي عصرنا هذا يشترط الغربيّون على الباحثين إتقان ثلاث لغات على الأقلّ، هي لغات العلم في عصرنا هذا: الإنجليزيّة والألمانيّة والفرنسيّة، حتّى يستطيع الاطّلاع على ما تنتجه الشّعوب النّاطقة بهذه اللّغات الحيّة من أبحاث ودراسات وإبداعات.


أمّا نحن، الّذين خرجنا من السّباق، تقهقرنا كثيرًا إلى الوراء، وصرنا عاجزين حتّى عن الإلمام باللّغة العربيّة، فما بالك باللّغات الأوروبيّة الحديثة.

«الحمد للّه الملك الوحد-ربّ السّموات العليّ الماجد

سبحانه منفردًا بالقدم- مخرج موجوداتنا من عدم

مُفيض نورِهِ عَلَى عقولنا-حتّى بدا الخفيّ من معقولنا

بفضله قد خلق الإنسانا-فضّله بالنّطق واللّسانا

يُوحي إليه العلمَ بالإحساس-كما بدا الخفيُّ بالقياس

واعتلق العقلَ بنفسٍ ناطقهْ-ذاتِ حياةٍ وشهود صادقهْ

وقسّم العقلَ على البريهْ-والحسّ والحياةَ بالسّويهْ

واعتلق الجميعُ بالطّبيعهْ-فكمُلتْ حكمتُهُ البديعهْ

فعند ذاك فاز بالفضيلهْ-من نزّه النّفسَ عنِ الرّذيلهْ..

* بماذا كنت تفكر وأن تكتب هذا العمل "أرجوزة ابن سينا في الطب"؟

كنت أريد إبراز عبقريّة اللّغة العربيّة، واجتهدت من أجل تقديمها في أجمل صورة ممكنة من خلال تشكيل نصوص الكتاب تشكيلًا كاملًا، وأتمنى أن يقتدي شباب الباحثين والأطبّاء العرب بهذا العمل، ويسعوا إلى تحقيق كتب التّراث العربيّ-الإسلاميّ، وتقديمها بصورة أفضل، وأجمل، وأدقّ، ممّا قدّمته في «أرجوزة ابن سينا في الطّبّ».

* حدثنا أكثر عن "أرجوزة ابن سينا في الطب"؟

اجتهدت لشرح أرجوزة ابن سينا من خلال نصوص طبّيّة قديمة، بعضها معروف، وبعضها شبه مجهول، من أجل إبراز روعة هذه الأعمال، وتبيين عبقريّة الأجداد، وهنا كان ينبغي أن أدع العظماء يتحدّثون، وأترك الكبار يشرحون، بدون إقحام نفسي أو التّطفّل على ما يقوله العلماء، احترامًا للعلم، وإجلالًا للعلماء، وتقديسًا للمعرفة الإنسانيّة.

 

وارتأيتُ أيضًا ضرورة تقديم نماذج من ترجمة الغربيّين لتراثنا الطّبّيّ، ليس فقط تسهيلًا على القارئ الأوروبيّ لفهم هذه الأرجوزة العجيبة، بل أيضًا تذكيرًا للقارئ العربيّ بعناية الغرب بتراثنا الطّبّيّ، وحرص الغربيّين على ترجمة هذا التّراث الغنيّ والاستفادة منه.

 

استشهدتُ بالتّرجمة الفرنسيّة لكتاب الأغذية لابن خلصون، وبالتّرجمة الألمانيّة لكتاب «تقويم الصّحّة» لابن بطلان، وبالتّرجمة الإنجليزيّة لكتاب «القانون» لابن سينا.

وقدّمتُ «أرجوزة ابن سينا في الطّبّ» كاملة التّشكيل، وشرحتها باقتباسات كاملة التّشكيل من أمّهات كتب تراثنا، تجاوزت ربع مليون كلمة.

* ولماذا قررت العمل في هذا بالتحديد؟

عندما بدأتُ دراسة أعمال المستشرقين قبل أكثر من عشرين عامًا، أثارت مواقف بعضهم في نفسي مزيجًا من الشّعور بالاشمئزاز والشّفقة جميعًا، الاشمئزاز من عنصريّة بغيضة عمياء، والشّفقة من الجهل الأصلع بتاريخ العلم.

وأتذكّر أنّني أشرت إلى عنصريّة المستشرق الألمانيّ مانفريد أولمان، وهو ليس عالمًا باحثًا، بل هو أقرب ما يكون إلى مُفَهّرس مكتبيّ، حيث قام بعمل ما يشبه الفهرس لأعمال بعض الأطبّاء العرب والمسلمين، ونشره تحت عنوان «تاريخ الطّبّ في الإسلام» باللّغة الألمانيّة.

ومن يطّلع على هذا الكتاب يستغرب حقًّا من حرص السّيّد أولمان على نفي أيّ صفة إبداعيّة عن الأطبّاء المسلمين، ويقدّمهم في كتابه هذا على أنّهم مجرّد نقلة للعلم اليونانيّ، وينفي عنهم أيّ صفة إبداعيّة، ويدّعي أنّهم لم يقدّموا أيّ شيء يذكر من أجل تطوير الطّبّ اليونانيّ.

إذ يدّعي خصوم العرب وأعداء المسلمين من الغربيّين الأوروبيّين أنّ الحضارة الإنسانيّة بدأت في اليونان، وانتهت في أوروبّا والغرب، دون أن يكون هناك شيء قبل اليونان، أو بين اليونان والحضارة الأوروبيّة الحديثة.

وهي نظرة تريد إلغاء الآخر بأي ثمن، وبأي وسيلة، ودور الحضارات القديمة في تطوير العلوم والمعارف الإنسانيّة لا يمكن مسحه أو شطبه أو تجاهله تبعًا لأهواء عنصريّة سخيفة.
 

* وماذا عن ابن سينا؟

عبقريّة ابن سينا اللّغويّة مثيرة للاهتمام والإعجاب حقًّا، ورغم أنه الإيرانيّ الأصل، وتعلّم اللّغة العربيّة كلغة أجنبيّة، إلا أنه أتقنها لدرجة شبه إعجازيّة.

وتعكس أرجوزته في الطّبّ المستوى المعرفي الرّاقي جدّا الّذي وصله ابن سينا في علوم القرآن، والحديث، والطّبّ، والكيمياء، والصّوفيّة، والفلسفة، وعلم النّجوم، وكلّ كلمة من كلماتها تُعبّر عن تبحّره في علوم عصره، وإتقانه لمادّة تخصّصه، وإلمامه بدقائق معارفه.
 

ونموذج  ابن سينا هذا يستحقّ الدّراسة والعناية والتّأمّل، إذ كيف تمكّن شخص بمفرده من إتقان هذا الكمّ الهائل من العلوم واللّغات والمصطلحات، في فترة زمنيّة محدودة جدًّا، حيث أنّه لم يعش إلّا سبعًا وخمسين سنة فقط.
 

* ما هي الدروس التي نستفيد منها عند الإطلاع على علوم ابن سينا؟

الدّرس الأوّل المستخلص من عبقريّة ابن سينا يتمثّل في الدّعوة إلى العمل، والاجتهاد، والإخلاص، والإتقان، وعدم تضييع ثانية واحدة من العمر القصير في السّخافات، والخزعبلات، والأحقاد، والمغامرات، والتّفاهات، والتّهوّرات.

 

* وما هي الرسالة ابن سينا للأجيال من بعده؟

أتخيّل أن رسالة ابن سينا لنا الّتي نستطيع استخلاصها من أعماله الّتي ينطبق عليها قول الشّاعر القديم: "هذه آثارنا تدلّ علينا، فانظروا بعدنا في الآثار".

* وبماذا تنصح الشباب المنشغل بالقراءة؟

أدعوه إلى قراءة بعض أبيات أرجوزة ابن سينا في الطّبْ، ليس فقط للاستمتاع بروعتها، لكن الأهمّ من ذلك من أجل أن يقيس معارفه، ويدرك مدى ما فاته من علوم، وما ينبغي عليه تحصيله من كتب عمالقة الفكر الإنسانيّ.
 

"أقلُّ ما يؤكلُ في النّهار-واللّيلِ مرّة من المرار

وأكثر الأكلاتِ مرّتين-والأوسطُ الثّلاثُ في يومين

أطل زمان الأكل تستتمّه-ودقّقِ الممضوغ تستهضمه

وكلُّ ما يأبى عليك خضمه-فإِنَّهُ صعبٌ عليك هضمه

وكلّ ما تختارُ من شهيّ-يكره أنْ يُغَذّى به دنيّ

فاقصد بحكمة إلى علاجه-بضدّه المصلح من مزاجه

رُبّ مزاجٍ ليس بالسّواء-يُصلحُ بالرّديّ من غذاء

وعادةُ الإنسانِ مثلُ القوّة-فلا تضيّع من مكانِ الشّهوة

وكلّ عادة تضرّ أهلها-فاقطع بتدريج الزّمان أصلها".. 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان