رئيس التحرير: عادل صبري 05:33 صباحاً | الأربعاء 24 أكتوبر 2018 م | 13 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

طه حسين.. مرآة الأدب

طه حسين.. مرآة الأدب

فن وثقافة

الأديب طه حسين

طه حسين.. مرآة الأدب

آية فتحي 15 نوفمبر 2017 16:05

أجبرتنا المقررات الدراسية على دراسة حياته، حاملين سخط عليه لأنه أضاف على كاهلنا في المرحلة التي تسمى بالثانوية العامة، مادة دسمة من الثقافة، لم نكن ندرك وقتها أهميتها والتي تكمن في كونها حديث عن واحد من أبرز الشخصيات في الحركة العربية الأدبية الحديثة، حيث درسنا واحدة من أشهر وأمتع السير الذاتية "الأيام" التي أحاطتنا بدنيا طه حسين والروافد الفكرية والثقافية التى شكلت مذهبه ومنهجه.

 

"عَرِفَت لنفسه إرادةٌ قوي ، ومن ذلك الوقت حرم على نفسه ألواناً من الطعام لم تبح له إلا أن جاوز الخامسة والعشرين ، حرم على نفسه الحساء والأرز وكل الألوان التي تؤكل بالملاعق لأنه كان يعرف أنه لا يحسن اصطناع الملعقة، وكان يكره أن يضحك عليه إخوته ، أو تبكي أمه ، أو يعلمه أبوه في هدوء حزين".. هكذا وصف جزء من مأساة طفولته، في كتابه الأيام.

 

في كتابه الأيام الذي قدمه عميد الأدب العربي ليتخلص بإملائه من بعض الهموم الثِّقال والخواطر المحزنة التي كثيرا ما تعتري الناس بين حين وحين، سرد أنه ولد يوم الجمعة 15 نوفمبر 1889، سابع ثلاثة عشر من أبناء أبيه حسين، وخامس أحد عشر من أشقته، في قرية الكيلو قريبة من مغاغة إحدى مدن محافظة المنيا في الصعيد الأوسط المصري.

تبدأ مأساته مع رحلة العمى بعد أن مر على عيني الطفل أربعة من الأعوام حتى أصيبتا بالرمد، ويعود ذلك إلى الجهل، وعدم جلب أسرته إلى الطبيب بل استدعوا الحلاق الذي وصف له علاجا ذهب ببصره إلى الأبد.

 

بدأ العلم في فتح أبوابه لأديبنا بعد أن أدار البصر ظهره له، أدخله أبوه كتاب القرية للشيخ محمد جاد الرب، لتعلم العربية والحساب وتلاوة القرآن الكريم، وحفظه في مدة قصيرة أذهلت أستاذه وأقرابه ووالده.

 

كان الأزهر مكافأة طه حسين بعد حفظه للقرآن الكريم، ففي سنة 1902 دخل الأزهر للدراسة الدينية، والاستزادة من العلوم العربية، فحصل فيه ما تيسر من الثقافة، ونال شهادته، لكنه ضاق ذرعاً فيها، فكانت الأعوام الأربعة التي قضاها فيها، وهذا ما ذكره هو نفسه، وكأنها أربعون عاماً بسبب رتابة الدراسة، وعقم المنهج، وعدم تطور الأساتذة والشيوخ وطرق وأساليب التدريس.

 

 

كان طه حسين في أول صفوف الجامعة المصرية عندما فتحت أبوابها سنة 1908، فدرس العلوم العصرية، والحضارة الإسلامية، والتاريخ والجغرافيا، وعدداً من اللغات الشرقية كالحبشية والعبرية والسريانية، وظل يتردد خلال تلك الحقبة على حضور دروس الأزهر والمشاركة في ندواته اللغوية والدينية والإسلامية.

 

بدأت الاتهامات بالزندق تحاوط أديبنا حيث نال سنة 1914، شهادة الدكتوراة وموضوع الأطروحة هو: "ذكرى أبي العلاء" ما أثار ضجة في الأوساط الدينية ، وفي ندوة البرلمان المصري إذ اتهمه أحد أعضاء البرلمان بالمروق والزندقة.

فتح العلم أبوابه على مصرعيه لطه حسين فأوفدته الجامعة المصرية إلى مونبلييه بفرنسا، لمتابعة التخصص، فدرس في جامعتها الفرنسية وآدابها، وعلم النفس والتاريخ الحديث.

 

استمر في فرنسا حتى سنة 1915، سنة عودته إلى مصر، فأقام فيها حوالي ثلاثة أشهر أثار خلالها معارك وخصومات متعددة، محورها الكبير بين تدريس الأزهر وتدريس الجامعات الغربية ما حدا بالمسؤولين إلى اتخاذ قرار بحرمانه من المنحة المعطاة له لتغطية نفقات دراسته في الخارج، لكن تدخل السلطان حسين كامل وحال دون تطبيق هذا القرار.

 

ليعود أدينا بعد ذلك إلى فرنسا من جديد لمتابعة التحصيل العلمي، ولكن في العاصمة باريس فدرس في جامعتها مختلف الاتجاهات العلمية في علم الاجتماع والتاريخ اليوناني والروماني والتاريخ الحديث وأعد خلالها أطروحة الدكتوراة الثانية وعنوانها:"الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون"، وذلك في عام 1918.

 

تسلل نور جديد إلى طه حسين في تلك الأوقات حيث تزوج من سوزان بريسو الفرنسية السويسرية التي ساعدته على الإطلاع أكثر فأكثر بالفرنسية واللاتينية، فتمكن من الثقافة الغربية إلى حد بعيد، وأنجب منها أمينة ومؤنس.

 

وصفها عميد الأدب العربي بأنها منذ أن سمع صوتها لم يعرف قلبه الألم قائلًا :"بدونك أشعر أني أعمى حقًا، أما وأنا معك، فإني أتوصل إلى الشعور بكل شيء، وإني أمتزج بكل الأشياء التي تحيط بي".

 

وخطت هي كلمات بعد رحيله توضح مدى قوة علاقتهم، حيث قالت "ذراعي لن تمسك بذراعك أبدًا، ويداي تبدوان لي بلا فائدة بشكل محزن، فأغرق في اليأس، أريد عبر عيني المخضبتين بالدموع، حيث يقاس مدى الحب، وأمام الهاوية المظلمة، حيث يتأرجح كل شيء، أريد أن أرى تحت جفنيك اللذين بقيا محلقين، إبتسامتك المتحفظة، إبتسامتك المبهمة، الباسلة، أريد أن أرى من جديد ابتسامتك الرائعة".

بعد أن عاد إلى مصر سنة 1919 عين طه حسين أستاذا للتاريخ اليوناني والروماني في الجامعة المصرية، وكانت جامعة أهلية، فلما ألحقت بالدولة سنة 1925 عينته وزارة المعارف أستاذاً فيها للأدب العربي، فعميداً لكلية الآداب في الجامعة نفسها، وذلك سنة 1928، لكنه لم يلبث في العمادة سوى يوم واحد؛ إذ قدم استقالته من هذا المنصب تحت تأثير الضغط المعنوي والأدبي الذي مارسه عليه الوفديون، خصوم الأحرار الدستوريين الذي كان منهم طه حسين.

 

عمل طه حسين فترة في المجال الصحفي، بعد أن ترك عمادة كلية الآداب،، ولكن سرعان ما تركه، وأعيد إلى الجامعة المصرية بصفة أستاذا للأدب، ثم بصفة عميد لكلية الآداب ابتداء من سنة 1936، وبسبب خلافه مع حكومة محمد محمود استقال من العمادة لينصرف إلى التدريس في الكلية نفسها حتى سنة 1942، سنة تعيينه مديراً لجامعة الإسكندرية، إضافة إلى عمله الآخر كمستشار فني لوزارة المعارف، ومراقب للثقافة في الوزارة عينها. وفي عام 1944 ترك الجامعة بعد أن أُحيل إلى التقاعد.

 

أعتلى أديبنا منصب هام، ففي سنة 1950، كان الحكم بيد حزب الوفد فصدر مرسوم تعيينه وزيراً للمعارف، وبقي في هذا المنصب حتى سنة 1952، تاريخ إقامة الحكومة الوفدية، بعد أن منح لقب الباشوية سنة 1951، وبعد أن وجه كل عنايته لجامعة الإسكندرية، وعمل رئيساً لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعضواً في العديد من المجامع الدولي، وعضواً في المجلس العالى للفنون والآداب.

 

أمد عميد الأدب العربي المكتبة العربية بالعديد من الكتب الفكرية والنقدية منها "المعذبون في الأرض، الأيام، دعاء الكروان، في الشعر الجاهلي، على هامش السيرة، غرابيل، الشيخان، حديث الأربعاء، مرآة الإسلام، مع المتنبي، من الشاطيء الآخر".


كان أكثرهم جدلًا كتابه "الشعر الجاهلي" فقد أثار هذا الكتاب ضجة كبيرة، والكثير من الآراء المعارضة، وهو الأمر الذي توقعه طه حسين، وكان يعلم جيداً ما سوف يحدثه وهو ما قاله في بداية الكتاب: هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد لم يألفة الناس عندنا من قبل، وأكاد أثق بأن فريقا منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقا آخر سيزورون عنه ازورار ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث أو بعبارة أصح أريد أن أقيده فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة.

 

حصل حسين على العديد من الجوائز التي توجت مشروعه الأدبي منها ما منحته إياه جامعة الجزائر الدكتوراة الفخرية، ومثلها فعلت جامعة بالرمو بصقلية الإيطالية، سنة 1965، وفي السنة نفسها حصل على قلادة النيل، إضافة إلى رئاسة مجمع اللغة العربية، وفي عام 1968 منحته جامعة مدريد شهادة الدكتوراة الفخرية، وفي سنة 1971 رأس مجلس اتحاد المجامع اللغوية في العالم العربي.

 

وفي يوم الأحد 28 أكتوبر 1973، رحل عميد الأدب العربي عن عالمنا بجسده، مخلفًا أعمال وأفكار خلدت اسمه عبر الأزمان.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان