رئيس التحرير: عادل صبري 04:10 مساءً | الأحد 19 نوفمبر 2017 م | 29 صفر 1439 هـ | الـقـاهـره 28° غائم جزئياً غائم جزئياً

حورية عبيدة: إعلامنا عار.. وكتاباتي تغوص في هموم الوطن

حورية عبيدة: إعلامنا عار.. وكتاباتي تغوص في هموم الوطن

فن وثقافة

الكاتبة الصحفية والقاصة حورية عبيدة

في حوارها لـ"مصر العربية"

حورية عبيدة: إعلامنا عار.. وكتاباتي تغوص في هموم الوطن

كرمة أيمن 13 نوفمبر 2017 18:04

بـ «ترنيمة عشق» خطت أولى خطواتها في عالم الأدب.. فغاصت في أعماقه، وعرفت نفسها كأديبة وروائية تتوالى أعمالها بعد ذلك.. لكن الأدب الذي تصفه الكاتبة «حورية عبيدة» بـ«ذاكرة الأمة» لا يمكن أن يعيش منعزلا عن أمته وأحوالها.

وفي الجزء الثاني من حوارها مع «مصر العربية» تتحدث الكاتبة حورية عبيدة في اﻷوضاع السياسية والثقافية بالوطن العربي، كما ترصد المشهد الثقافي العربي وعلاقة المثقف بالسلطة الحاكمة.
 

الكاتبة «حورية عبيدة»، تحدثت في الجزء الأول من حوارها مع «مصر العربية» عن مجموعتها القصصية الجديدة «ويبقى عطرها» التي استلهمت قصصها من الواقع، وأنها كتبتها بحبر الرُّوح، وتهديها لمَن يُصرِّون على الحياة بإنسانيةٍ وبهاءٍ مهما ينوشهم الحزن والفناء.
 

وحورية عبيدة، كاتبة صحفية وقاصّة، عضو لجنة تحكيم القصة القصيرة بإذاعة لندن بي بي سي عربية، ومستشار لمجلة "لغة" العصر الصادرة عن مؤسسة الأهرام بالقاهرة، صدر لها كتابها اﻷول "ترنيمة عشق" يحوي 80 مقالًا صحفيًا مما نُشر لي بالصحف المصرية والعربية، والمجموعة القصصية “ويبقى عطرها”، وقيد الطبع حاليًا الجزء الثاني من "ترنيمة عشق".

 

إلى الجزء الثاني من الحوار:

"ترنيمة عِشق" باكورة أعمالك الأدبية.. حديثنا عنها؟

 

في البداية «ترنيمة عشق» تغنّت بعشق الوطن والحياة والذات الإنسانية؛ حين نُحيي إنسانيتها فتُبعث من جديد قدراتنا لأجل إعْمار الكون وزيادة صلاحه، وهنا لا أنسى أحد الشعراء الذي همس لي بأني الوحيدة التي اختارت كلمة «العِشق» عنواناً؛ رغم أن كتابي ليس بقصة أو ديوان شعر، فقلت له وكيف نحيا في وطنٍ أو حياة إن لم نعشقهما، هل مطلوب منّا أن نموت قبل موعدنا؟!.

كتاباتي كلها تغوص في مشاكل الوطن وهمومه وتسبح نحو حلها، وتحلق في الحياة بهدف أن نحيا بما يليق والروح القُدسية التي نفخها الله فينا، أبحث عن كنوز القدرات والإبداعات داخل حقائبنا الداخلية تجديدها واستثمارها مهما قابلتنا كبواتٍ وعثراتٍ؛ كي يسطر كل منا سطره الحقيقي في الحياة مِصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت السَّاعة وفي يد أحدكم فَسِيلة فليغرسها».
 

وقيل لي من بعض الأدباء أنَّ لقلمي أسلوباً أدبياً خاصاً، حتى أنهم أطلقوا على مقالاتي: "المقال القصيدة"، فكثيراً ما أكتبه على شكل قصة لجذب القارئ حتى ولوكان الموضوع اقتصادياً أوسياسياً أو اجتماعياً، مع حرصي الشديد على الكتابة بالفصحي -لغتنا الزاخرة والباذخة الجمال- مُدَّعية أنّي ممَّن يذودون عن حِياضها وينافحون عنها بقَدر اجتهادي؛ فأنا لستُ متخصصة في دراستها، لذا لم يكن غريباً حلقة الوصل والتواصل بين كتاباتي والأدب، وكثيراً ما أرصد مآسي واقعنا وأكتبها على هيئة قِصة قصيرة، أو نثر.

 

- دائماً تنشغلين في كتاباتك بالوطن والحياة والذات الإنسانية؛ فما هدفكِ مِن الكتابة؟
 

هدفي يتضمنُهُ سؤالكِ؛ فالكون: وطنٌ وحياةٌ وإنسانٌ، فالحياة -كما أراها- تصبح جائزة إن عشنا إنسانيتنا؛ وبالتالي لا يستحقها أعداء الإنسانية، والرُّوح أبغي تخليصها مِن لوثة الكراهية والتعصب، والأحزان مهما تقاذفتنا لنصل لقمة يأسنا يتوجب علينا البحث عن أمل جديد يتبرعم حوله القلب؛ مُعلناً ميلاد حلم جديد نُجدد به طلاء جدران القلوب، لأن الأقدار حتماً وإن كان ظاهرها الألم ففي باطنها اللطف والعطف، لأن الخالق مِن أسمائه الحسنى الرحيم واللطيف والودود.
 

الوطن؛ أطول وأصعب قصيدة عِشق عَصِيّة على النسيان، نَوده حانياً زاهراً لا تسكنه الأحزان، كيف نرى سِكيناً مُسدداً إلى قلبه ونقف نذرف الدمع الهَتون وكفى؟! وكيف يكون الحل هو الرحيل عنه؟ فما أبشع الرحيل عن وطنٍ لنلقي بأنفسنا في قوارب الموت، فتتلقفنا أسواق النَّخاسة، لتمارس علينا مزيداً من الإذلال -كما حدث لأهلينا من العراق وسوريا واليمن وليبيا وفلسطين- إذلال نتيجة كراهية وحقد دفين في أعماق صدور الغرب والصهيونية العالمية الضالعة في تدمير أوطاننا، يكرهون ديننا وعروبتنا مذ قرونٍ لا يبغون عنه تحويلاً.. لكل هذا وحوله دوماً تدور كتاباتي، لذا أموت كَمداً حين أقرأ للشاعر العراقي: عبد الوهاب البياتي مُقتطفاتٍ مِن قصيدته "العرب اللاجئون":

يا مَن رأي أحفاد عَدنان على خشب الصليب مشمرين

النمل يأكل لحمهم وطيور جارحة السنين

يا مَن رآهم يشحذون، يا من رآهم يزرعون

لعل المنافي في محطات القطار بلا عيون

يبكون تحت القبعات ويذبلون ويهرمون

يا مَن يدق الباب: نحن "اللاجئين" متنا

 

- حدِّثينا عن العنصر النسائي في أعمالِك.

لا فرق عندي بين المرأة والرجل، فكلاهما جناحان يرفرفان معاً ويكملان بعضهما البعض، وبهما تكون الحياة، أما في مجموعتي القصصية "ويبقَى عِطرُها" أفْردُ للمرأة مساحة كبيرة للبوح؛ أتركها تبوح بأسرارها وخلجات روحها وصِدق مشاعرها؛ فهى أكثر قدرة من الأديب "الرَّجل" في التعبير عن نفسها بصدق، رغم وجود استثناءات كنزار قباني وإحسان عبد القدوس.
 

أطرقُ أحاسيسها وأُنبه لاحتياجاتها ورفضها لنظرة المجتمع الظلامية تجاهها، خاصة وهو يلقي عليها قيوده وأصفاده، أدعوها لنبذ أفكار الجهل والتخلف وأن تتبوأ مكانتها الصحيحة، ولن نجد أفضل مِن ديننا الذي وضعها في مكانة لاتُضاهَى. 

أدعوها لتثق بقدراتها، وأنْ تسعى لتحقيق أحلامها مهما تقدم بها العُمر، ومن خلال مشاكل تأتني -عبر بريدي- أؤكد لها أن الحياة ليست مجرد رَجل، فرغم أهمية دوره في حياتها؛ إلا أنه لا يجب أن تتخيل أنه: السند "الوحيد" والملاذ والملجأ والأمان والحلم والمستقبل؛ فكل ذلك وهْم وتربية مجتمعية خاطئة، فكَم مِن زيجات تفشل، وبيوت تنهار بعد أن يكبر الأبناء، وتكتشف المرأة انتفاء الحاجة إليها، ويبحث الزوج عن أخرى، أو تكتشف أنها احتملت عيوب الزوج لأجل أن تُكمل رسالتها مع أبنائها، وبعد مرور السنوات تكتشفُ أنَّ حصاد العشرة قَبْض ريحٍ، فيبدأ الحزن يُعشعِش في قلبها، متوهمةً أنَّ الضياع والأمراض موئلها، خاصة لتلك التي لاتجد مورداً مادياً يُعينها على أعباء الحياة.. 

وهنا أدعوها دوماً لتبدأ من جديد بقدر استطاعتها، وألا تلتفتْ وراءها مهما بلغتْ مِن العُمر، كذلك أوجه كتاباتي للفتيات في بداية حياتهن، وأهمسُ في آذانهن بألا يتخلين عن أحلامهن وتطلعاتهن، وأنْ يصنعن لأنفسهن عالماً يحققن فيه آمالهن؛ فليس الزواج هو نهاية المطاف أو الحلم الوحيد.

 

- ما الرسالة التي تَودينَ إيصالها للشباب؟

الشباب اهتمامي الأكبر؛ هم أحلام الوطن، وقريباً يقودون السَّفين، يصيبني الفزع الهائل حين ألمسُ يأسهم وتشاؤمهم وقناعتهم بأن الغُربة والهجرة هي الطريق، فينشغل قلبُه وعقلُه بفراشات الحظ والحُظوة التي ستحط على كتفيه، وإن كان البعض قد نال تلك العَطية في غربتهم؛ إلا أن كثيرين شيدوا قلاعاً مِن الحزن والوَحشة، فللمسافات والغربة صَهيل حزين مهما كان المكسب المادي، أَعذرُهم والله خاصة وهم يعلمون أن الهجرة أو الغربة ليست عن فقرٍ وإقلال وشُح في الموارد. 

فكلنا موقنون أنَّ أوطاننا تحوى كنوزاً وإمكاناتٍ تخوِّلنا كي نتبوأ مكانةً متقدمةً عالمياً، لكنّا ابْتلينا بأصحاب مصالح؛ يعمدون أنْ نظل في الفقر والجوع والقهر لأنهم لايجيدون إلا الرقص على جثة الوطن لا إنْهاضه.
 

ومع ذلك أهتم كثيراً برسائل الأمل والتفاؤل لشبابنا في غدٍ أفضل مِن صُنع أيديهم وعزائمهم، أراهم قادرين على تغيير ما فشلنا نحن في تغييره رغم صِدق وإخلاص المحاولات، حتماً سيأتي يوم يحملون فيها الراية، فقط عليهم أن ينفضوا اليأس عن كاهلهم، فرَوْعات الحياة تنتظرهم ماداموا أحياءً.

 

- أما تزالين تقاطعين القنوات الفضائية المصرية، وماتقيمك لها في الآونة الأخيرة؟

أتذكر عبقرية أنيس منصور حين كتب: «الذين هبطوا من السماء»؛ فصدقناه وصوبنا الأحداق قِبلة الفضاء؛ ننتظر كائناتٍ أكثر تطوراً عن بني الإنسان، لكنّا لم نكن ندرك أن الفضاء سيستحيل لشاشاتٍ يطل منها المسوخ، كائناتٍ منفرةٍ مقززةٍ، تحترف الكذب والتضليل، ترفع عقيرتها بالسباب والنباح والصراخ والعويل؛ متناسين -عامدين- القيم والشِّيم، إعلاميون ترفض المهنة المقدسة أن إليها ينتسبوا، يثيرون الغثيان والاشمئزاز، يهرطقون لا يفقهون مصلحة الأوطان، لكنهم فقط يجيدون الرقص على بقايا عظام كبريائة حتى نخرها السُّوس.
 

الشاشات تعج بالسّب واللعن والتهديد والتطاول وكشف المستور مِن الأسرار الشخصية، والافتراء والنفاق والمُداهنة، يأخذني العجب والله؛ إذا كان هؤلاء هم ضمير الأمة وأصحاب الحق اليقين -كما يدّعون- فكيف يكون سَمت أصحاب الباطل؟!

وإعلامنا عارنا وخطيئتنا الكبرى في حق الوطن، إعلاميون لا يعرفون لرقي الحوار طريقاً، يستخفون بعقلية المتلقي، يمارسون التغييب والتغبيش كي لا نفكر في قضايانا الرئيسة مِن جوع وفقر، وانهيار المنظومة التعليمية والقيمية، وتدني الحريات، وامتهان الكرامات والفوضى، والتلوث، واحتقار الإنسانية والقيم، وإهانة العلماء والمفكرين، يخربون الوطن بأيديهم وأيدي أشياعهم، ويشعلون الفتن وقوداً لأطماعهم وعِمالتهم..
 

كل يوم تتأكد قناعتي بصواب المقاطعة؛ فمَن منَّا يملك كل هذا الوقت لإهداره؟ خاصة مع طوفان إعلانات تافهة لا ترعي القيم؛ تؤدي لإطالة أمَد البرنامج لساعات؛ وكان يمكن تكثيفه في نصف الساعة فقط، هذا لوكنَّا نحترمُ قيمة الوقت، ومَن مِنّا يملك أعصاباً تحتمل كل هاتيك البلاهة والغَث المُثير للاشمئزاز؟ عموماً الشبكة العنكبوتية ساعدتنا كثيراً، واختصرت علينا الوقت والإعلانات، وبسهولة يمكننا مشاهدة الأخبار ومايُستجد مِن أحداث وتحليلات، حتى البرامج أتابع الحلقة التي أجدها قد أحدثت دوياً في وقت زمني قصير خالٍ من الإعلانات، ودوماً يدي على المؤشر أُسرّع وتيرة الحلقة إذا كان الكلام مفهوماً ومكرراً.
 

لكن الأمر لايمنع وجود عدد لا بأس به مِن الإعلاميين مرابطين؛ يدركون الدور الحقيقي المنوط بهم او الذي يجب أن يكون، يفهمون خطورة وسائل الإعلام في تشكيل وتبصير الأوطان أوتضليل الرأي العام، هؤلاء ينطبق عليهم القول: "المجْدُ للكلمة النبيلة والحرف الهادف"، وهكذا لن نعدم النبلاء أبداً في المجالات كافة؛ وإنْ رانَ عليهم غلالة مِن ضبابٍ حزين، فحتماً سينقشع يوماً أراه قريباً.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان