رئيس التحرير: عادل صبري 04:16 مساءً | الأحد 19 نوفمبر 2017 م | 29 صفر 1439 هـ | الـقـاهـره 28° غائم جزئياً غائم جزئياً

حورية عبيدة: الأدب ضالتي.. وغلق المكتبات سجن لروح الإبداع

حورية عبيدة: الأدب ضالتي.. وغلق المكتبات سجن لروح الإبداع

فن وثقافة

الكاتبة حورية عبيدة

في حوارها لـ«مصر العربية»...

حورية عبيدة: الأدب ضالتي.. وغلق المكتبات سجن لروح الإبداع

كرمة أيمن 12 نوفمبر 2017 19:46

كاتبة من طراز خاص، تكتب بحبر روحها، من المجتمع ولدت موهبتها لتعبر بقلمها عن كل ما تشعر به، وكل ما يستفز كيانها وكينونتها، انشغلت بقضايا وطنها العربي بقدر انشغالها بالمشكلات الاجتماعية التي تعج بها البلاد، فسلطت الضوء على الحياة الإنسانية، وسطرت قصصًا للمشاعر والجمال والأثونة، أنها الكاتبة المبدعة حورية عبيدة…

في كِتابتها تغوص بنا حورية عبيدة، في مشاكل الوطن وهمومه وتسبح نحو حلها، وتحلق في الحياة بهدف أن نحيا بما يليق، وتبحث عن كنوز القدرات والإبداعات داخل حقائبنا الداخلية…
 

وترى الكاتبة حورية عبيدو أن المثقفين والأدباء والمبدعين الحقيقيين "ذاكرة الأمة"، وظلوا أصحاب المَهام الجسيمة، لكن اﻷوضاع تغيرت مع مرور الزمن وشوهت أفكارهم في ظل تبدل قيم المجتمعات، وتقول أن اللغة العربية لن تتدهور لأنها لغة القرآن ومحفوظة حتى قيام الساعة، وكشفت أن حرق الكتب ومصادرتها لم تعد حلًا جذريًا لأن الفكر لا يواجه إلا بالفكر..

 

في السطور التالية حاورت "مصر العربية" الكاتبة حورية عبيدة لتخبرنا عن مجموعتها القصصية الجديدة "ويبقى عطرها"، ورأيها في المشهد الثقافي حاليًا.

 

إلى "الجزء اﻷول" من الحوار..


"ويبقَى عِطرُها" مجموعتُكِ القصصية الجديدة؛ ما الذي دفعك لكاتبتها؟

"ويبقَى عِطرُها"؛ سبعون قصة قصيرة؛ كتبتها بحبر الرُّوح، لذا فلن يَعيها إلا مَن يقرأها بعَين رُوحه، أُهديها لمَن يُصرِّون على الحياة بإنسانيةٍ وبهاءٍ مهما ينوشهم الحزن والفناء، قصص مستلهَمة مِن واقعٍ يفوق الخيال حَبكةً وإتقاناً، فالواقع وكما أقول دوماً: أرْوَعُ حَكَّاءٍ وأمْهَرُ رَاوٍ، في قصصي آخُذُ بناصية المُريد والمُرتد؛ المُريد فيمن يساعده كي يصبح إنساناً، والمرتد عن الجهل والتوحش والغباء، أستدعي فراشات السعادة كي تتنزلُ على أكتافنا، أفتحُ حقائب النفس الداخلية وأنقيها من الأوجاع، لأُربِتَ على الروح، وأشرعُ نوافذ الأمل والتفاؤل.

 

وما أبرز الرسائل التي تَودين إيصالها للقارئ مِن خلالها؟

في "ويبقى عطرها" أكتب للعشق والجمال والرومانسية والأنوثة وسِحر الحُب، وأقول دومًا: "لمَ نستحي مِن إظهار مشاعر الحب ونُجيد التعبير عن الكراهية بمهارة عالية؟! أكتب عن المرأة؛ خلجاتها ومشاعرها -فهي الأجدر في التعبير عن احتياجاتها- ونظرتها لنفسِها ونظرة المجتمع لها، عن بعض العلل المجتمعية التي نئنُّ منها، عن مجتمع يمارس الظلم على المستضعفين ويقيدهم بأغلاله؛ وأصفاده؛ وأفكاره الظلامية؛ ليُسطر سطوراً مِن القهر والجهل، عن البسطاء الذين لا يكادون يجدون قوت يومهم، ومع ذلك يمتلكون أحلاماً بحجم الجبال مِلؤها الرضا والأمل.
 

كما أحكي عن زهور ربيعٍ مُلقاة تحت الكباري وبين الشقوق والجحور، في الخرابات وداخل مكبات النفايات؛ عن أحلامٍ صغيرة تقتات فضلات أطعمة تأباها الحيوانات والقوارض، عن وُجوهٍ هزيلة، وعيون مًطفأة يصرخ فيها صمت الكلام، عن أيدي مرتعشة، وقلوب وَجِلة ظمأى تتوق لمَن يحنو عليها، عمَّن ضاقت عليهم الدنيا بما رَحبتْ فتجلَّلت الأرض بأقدامهم العارية.
 

وللـ"غربة" وطن في حكاياتي؛ وتدفعني للتساؤل هل اعتادناها أم يظل الوطن هاجسنا الذي يقضُّ مضاجعنا؟ عن الوطن الذي يسكُنّا ونسكنه؛ وكيف نَوده، عن نفوس خَرِبَة ألْقَتْ على ذواتها الحقيرة أقنعة الوطنية والإنسانية بُهتاناً وزُوراً وكانت سبباً في هجرة شبابنا –وهم أحلام الوطن- مُرغمين.. عاد الكثيرون منهم بعد أن باتوا عِظاماً نَخِرَة؛ تركوا بٍضْع مئاتٍ من الدولارات ـحَصاد غربتهم وثمناً لقيمتهم المُهانة في وطنهم وخارجه- لتذروها الرياحُ، وصورةَ زوجة وطفل ينتظران مَنْ لن يعودَ إليهما أبداً.
 

وأُحلّق مع من يبحثون عن السعادة فلا يجدونها حولهم؛ فيفتشون في أنفسهم ليطلقوا طاقاتٍ وقدراتٍ كامنةٍ كانت سبباً في إسعاد أرواحهم، عمّن يلتقون بلحظتهم الفارقة أو كما أُسميها: "لحظتهم السحرية"، حين يُقبِلون بكل همّة ليكتبوا أسطورتهم الشخصية، فقد تتوتر النَّفْس؛ ويعتريها اليأس لمُضِي قطار العمر؛ ويُهَيأ أنه يتوجّب علينا استقبال نهايات العمر؛ فإذ بنا تأتينا لحظة فارقة، فنهزم خوفنا، ونَمتطي شجاعتنا، ونبدأ من جديد.
 

وأتناول العلاقات الزوجية وكيف تنهار بسبب انفصام قنوات التفاهم بين الطرفين، والتربية الخاطئة في مجتمعاتنا -خاصة للرجل- التي تزيد الهوة اتساعاً حتى يتسع الفَتق على الراتِق، ومع ذلك ساعة نفشل في اقتسام رغيف الألفة فلا مَناص مِن التخلص مِن بعض العلاقات الفاشلة، وخلْع ثوب اليأس الذي ترتديه أرواحنا مُرغمة، ونقرر بحزمٍ وعزم الرحيل إلى أرض أخرى خصبة يُثمر فيها العطاء، مُدركين أنَّ العجز الحقيقي في المشاعر لا الأبدان.
 

وأحكي عن عيون أطفال صارت تختصر الحكايا، بعد أن أضحت الدماء قصتهم اليومية، عن جيلٍ عانى مِن ويلات الحروب والتشرد واليُتم والحرمان؛ وهل هم قادرون على أن يستعيدوا توازنهم أم هم مشاريع إرهابية مؤجلة؟ أتساءل كيف يحمل الإنسان بين جنباته كل فيوضات مشاعر الحب والعشق والأحاسيس السامية؛ والتي تؤهله ليعيش إنسانيته بنبلٍ؛ ومع ذلك نجد من البشر من يُهين تلك المشاعر الراقية، ويحل محلها الكراهية والعنف والذبح! تُراه هو الإنسان نفسه أم أننا نعيش بين نوعين مختلفين من البشر.
 

بمن تأثرتي في شخصيتك الأدبية؟
أقرأ باهتمام كل مايقع تحت يدي من روايات وقصص ودواوين شِعر ونثر، سواء أكان أديباً مخضرماً أو شابا مُبتدئاً، فالأدب ضالتي أينما وجدته لا أفلته، ولكل الكتابات قديمها وحديثها فضلٌ على قلمي.

 

ما أكثر قضايا الأدب التي تشغلك؟

لا تختلف كثيرًا عن القضايا التي تشغل بال الأدباء والمثقفين، وكل مايهمهم ويحزنهم ينعكس على كتاباتهم وعلى المشهد الثقافي كليةً، خاصة حين تتعرض إبداعاتهم للمنع أو التشويه، فيبتعد المبدع بدَوْره عن مجاله، فأنا أَنظر للشجرة من جذورها قبل قِطافها، فدائماً وأبداً يظل المثقفون والأدباء والمبدعون "الحقيقيون" ذاكرة الأمة، أصحاب الهِمم العوالي والغوالي والمَهام الجسيمة، أصحاب الرؤى المعتبرة في قضايا الوطن كافة، بُغْيتهم أن تنعم الأوطان بسعادة سَرمدية، يقدمون رؤاهم إخلاصاً وتكرُّماً لا تخلصاً وتقرُّباً، لايضُرنَّهم القادحون ولا يغُرنَّهم المادحون، مقاومون مثابرون، يحاربون تغييب العقول وتسطيحها.

 

وهل مازال للأدباء دورًا في توجيه الرأي العام؟

بالنظر لحالهم الآن؛ فلا نجد رؤاهم مُثمّنة؛ ولا تُؤخذ بعين الاعتبار في مجتمعاتنا التي تبدلت قِيمها، وطغا غَثها ورَثُّها على ثمينها وقَشيبها، وجُرِّموا، وشُوهت بضاعتهم وأفكارهم، فتناسلتْ الغربة بين ضلوعهم وهم بأوطانهم! وكما قيل للنبي سليمان عليه السلام: ماأشدُّ العذاب؟ قال: أنْ تضع الرَّجل في قومٍ لايعرفون له قَدراً، كثيرون تكاد أقلامهم تجف، والبعض ترك الوطن حزناً وقهراً، فكيف لاينعكس كل ذلك على الناتج الإبداعي والأدبي والذي بدوره يؤثر في المشهد الثقافي الحالي.

 

وما رأيك في المشهد الثقافي؟

 

بالرغم من كل هذه الأسباب، مازالت قِلة مُرابطة تجاهد وتبدع؛ مُوقنة بقُدسية رسالتها مهما ألقى عليهم الوطن بظلالِه الحزينة.

 

وماذا عن ظاهرة حرق الكتب وغلق المكتبات في الآونة الأخيرة؟

التضييق على حرية التعبير بأي شكل من الأشكال هو سَجن لروح الإبداع في كافة المجالات، وظاهرة حرق الكتب وجدناها في كل الحُقب التاريخية؛ مارستها الثقافات كافَّة، ففي الكتاب الضخم للباحث الفرنسي "لوسيان بولاسترون" المعنون بـ "كتبٌ تحترق- تاريخ تدمير المكتبات" سرد حكايات الحرق في اليونان والرومان والصين والهند ومصر القديمة والعالم الإسلامي وأوروبا، وأحد المؤرخين الصينيين كتب كيف تم حرق ملايين الكتب في "شنغهاي" وهدْم ستمائة معبد في "التبت" وحدها، وكذا كان التخلص بدفنها أو إغراقها، فعلتْها الأنظمة الشمولية قديمها وحديثها، وفي ألمانيا الهتلرية والاتحاد السوفيتي، وفي حضاراتٍ وجدنا كثيراً ما يمحو الحاكِم أثرَ مَن كان قَبله وتاريخه! ومع ذلك فلم تعرف الحضارة الإسلامية هذا الفعل المستَهجَن إلا بشكلٍ محدودٍ وفي فترات مُتقطِّعة لأسبابٍ سياسية.

 

وهل هذا يرجع لتوتر العلاقة بين السلطة والمثقف عبر العصور؟

 

بالفعل، هذا النَّهج تعبير عن اضطراب العلاقة بين المثقف والسُّلطة، حين تحتكر السُّلطة السيطرة؛ فتمضي قُدُماً لتكبيل العقل، في حين يسعى المثقف للتأثير على عقلية الجماهير؛ فيتعارض الطموحان، والمُدهش قيام العامَّة والغوغاء -كثيراً مايكون بتحريض المتعصبين- بحرق الكتب؛ يقودهم في ذلك الجهل، وهم لايدركون خطورة الرسالة التي تصل لأبنائهم مفادها: ازدراء قيمة الكِتاب والعِلم والثقافة والتنوير، ولا شك أنَّ ذلك يرتبط برباطٍ وثيقٍ بفترات انحطاط الدول وسقوطها مِن عليين إلى قاع الجهل.

 

في رأيك.. هل تؤثر تلك الأساليب في الأوساط الثقافية؟

 

لاريب أنَّ الفِكر يواجَه بالفِكر، والحرق والمصادرة لم تعدْ حلاً، خاصةً مع وسائل الاتصال العنكبوتية التي سهلت إعادة نشر ما يتم منعه، بل وكثيرأً ما يكتسب الكِتابُ المصادَر وصاحبُه شهرةً أكبر، ويتهافت الناس على قراءته، فكل ممنوعٍ مرغوب، وحتى مع الاختلافات الفكرية والسياسية بين الدول بعضها بعضاً؛ فقد نجد الممنوع في دولة ما يُعاد طبعه ونشره في دولة أخرى، والذي حدَث لـ "سلمان رشدي" وشهرته التي طفِقت الآفاق وذيوع أفكاره الخاطئة ليس ببعيد، تحصين المجتمعات فِكرياً هو الحل، والحرق كالرصاص لا يقتل حرفاً، بينما الفِكر يقتل الفِكر، والعقيدة تمحو العقيدة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان