رئيس التحرير: عادل صبري 12:09 صباحاً | الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م | 05 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

محمود درويش.. المقاتل بقصائده

محمود درويش.. المقاتل بقصائده

فن وثقافة

الشاعر الفلسطيني محمود درويش

محمود درويش.. المقاتل بقصائده

كرمة أيمن 09 أغسطس 2017 17:09

"عيونك شوكة في القلب.. توجعني .. وأعبدها.. وأحميها من الريح.. وأغمدها وراء الليل والأوجاع.. أغمدها.. فيشعل جرحها ضوء المصابيح.. و يجعل حاضري غدها.. أعزّ عليّ من روحي.. وأنسى، بعد حين، في لقاء العين بالعين.. بأنّا مرة كنّا وراء، الباب، إثنين!.. كلامك كان أغنية.. وكنت أحاول الإنشاد.. ولكن الشقاء أحاط بالشفقة الربيعيّة"….


بهذه الأبيات من قصيدة "عاشق من فلسطين" نُحيي الذكرى التاسعة لرحيل الشاعر محمود درويش؛ الذي حمل على عاتقه القضية الفلسطينية، وبأبياته الشعرية حمل هموم وطنه تحت وطأة الاحتلال إلى كل بيت في العالم، لتعلم منه حب الوطن، والتضحية والأمل وحب الحياة.

 

كانت أشعاره مصدر إزعاج لقوات الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة قصيدة "العابرون" التي وصفت بالقصيدة المقاتلة، بأبياتها هاجم بضراوة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وأفرد الكنيست لها عدة جلسات لمناقشتها.


ولأن الكلمات أقوى من الرصاص، لم يستطع الكنيست الإسرائيلي إصدار قرار بمنع تلك القصيدة، وتغنت بها أصالة في مقدمة المسلسل السوري "صلاح الدين الأيوبي" والذي قام ببطولته النجم جمال سليمان وقام بتلحين الكلمات طاهر مامللي.
 

أيها المارون بين الكلمات العابرة..
احملوا أسماءكم، وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا، وانصرفوا
واسرقوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة..
وخذوا ما شئتم من صورٍ، كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجرٌ من أرضنا سقف السماء...


أيها المارون بين الكلمات العابرة..
منكم السيف.. ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار.. ومنا لحمنا
منكم دبابةٌ أخرى.. ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز.. ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماءٍ وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا، وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص.. وانصرفوا
وعلينا، نحن، أن نحرس ورد الشهداء..
وعلينا، نحن، أن نحيا كما نشاء!!

 

ومثل كمثل أي مناضل كان يقزفهم بالكلمات لا الحجارة، تعرض محمود درويش للاعتقال من قبل السلطات الإسرائيلية عدة مرات، بدءًا من العام 1961 بتهم تتعلق بتصريحاته ونشاطه السياسي وذلك حتى عام 1972 حيث توجه إلى للاتحاد السوفيتي للدراسة.

وانتقل بعدها لاجئا إلى القاهرة في ذات العام حيث التحق بمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم لبنان حيث عمل في مؤسسات النشر والدراسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، علماً بأنه استقال من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجاً على اتفاقية أوسلو، كما أسس مجلة الكرمل الثقافية.

 


"أنا حيٌ ما دمتُ أحلم؛ لأن الموتى لا يحلمون"

كانت البداية في الجليل بالقرب من ساحة عكا، بالتحديد في قرية البروة الفلسطينية في 13 مارس 1941، ليعلن بصراخه قدوم مناضل من نوع الجديد ليولد محمود درويش، لتمر سبع سنوات لتخرج أسرته برفقة اللاجئين الفلسطينيين في العام 1948 إلى لبنان، ثم عادت متسللة عام 1949 بعد توقيع اتفاقيات الهدنة، لتجد القرية مهدمة وقد أقيم على أراضيها موشاف (قرية زراعية إسرائيلية) "أحيهود".

 

ولد درويش فى 13 مارس 1941 في قرية البروة وهي قرية فلسطينية تقع في الجليل قرب ساحل عكا.حيث كانت أسرته تملك أرضا هناك. خرجت الأسرة برفقة اللاجئين الفلسطينيين في العام 1948 إلى لبنان، ثم عادت متسللة عام 1949 بعد توقيع اتفاقيات الهدنة، لتجد القرية مهدمة وقد أقيم على أراضيها موشاف (قرية زراعية إسرائيلية)"أحيهود".

 

وعاش محمود درويش، مع أسرته في قرية جديدة، وبعد انهائه تعليمه الثانوي انتسب إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وعمل في صحافة الحزب، كما اشترك في تحرير جريدة الفجر.


بدأت موهبة درويش في الظهور يوم الاستقلال العاشر ﻹسرائيل حينما ألقى في احتفالية مدرستة قصيدة "أخي العبري"، والتي استدعاه الحاكم العسكري على أثرها وهدده بفصل أبيه من العمل في المحجر إذا استمر بتأليف أشعار شبيهة.

 

وكان مولد محمود درويش الشعري الأول ديوانه "عصافير بلا أجنحة" عام 1960 وكان عمره حينها، إلا أن "درويش" اعتبره محاولة غير متبلورة، وكان يرى أن بدايته الحقيقية في ديوانه الثاني "أوراق الزيتون" عام 1964 وانتقل خلاله من مرحلة الحزن والشكوى إلى مرحلة الغضب والتحدي، والتحام القضية الذاتية بالقضية العامة، متنقلًا من سمة "الثوري الحالم" إلى الثوري الأكثر وعيًا.

ويُشيع في جو الديوان رائحة الريف، وآلام الناس، والتغني بالارض والوطن والكفاح، والإصرار علي رفض الامر الواقع، وحنين المشردين الى بلادهم، ومحاولة العثور علي مبرر لصمود الانسان أمام العذاب.

وضعوا على فمه السلاسل

ربطوا يديه بصخرة الموتي وقالوا: انت قاتل!

اخذوا طعامه، والملابس، والبيارق

ورموه في زنزانة الموتي

وقالوا: انت سارق!

ردوه عن كل المرافئ

اخذوا حبيبته الصغيرة

ثم قالوا: أنت لاجئ!

يادامي القدمين والعينين

ان الليل زائل

لاغرفة التوقيف باقية

ولازرد السلاسل

فحبوب سنبلة تجف

ستملأ الوادي.. سنابل!
 

وارتبط محمود بعلاقات صداقة بالعديد من الشعراء منهم محمد الفيتوري من السودان، ونزار قباني من سوريا، وفالح الحجية، ورعد بندر من العراق، وكان له نشاط أدبي ملموس على الساحة الأردنية فقد كان من أعضاء الشرف لنادي أسرة القلم الثقافي مع عدد من المثقفين منهم مقبل مومني وسميح الشريف.


"افعلوا ﻣَـا تشاؤون واجمعو ﻇﻨَﻮﻧﻜﻢ ﺛﻢ ﺑَﻠﻠﻮﻫٓﺎ ﻓِﻲّ ماء واشربوها فأنا لآ أبرر ﻟِﻤﻦْ ﻳُﺴِﻲﺀ الظن ﺑِﻲ"
 

ونشر درويش 28 ديوان شعري هم :”عاشق من فلسطين، آخر الليل، أحبك أو ﻻ أحبك، حضرة الغياب، حبيبتي تنهض من نومها، يوميات الحزن العادي، محاولة رقم 7، وداعاً أيتها الحرب, وداعاً أيها السلام ، تلك صورتها وهذا انتحار العاشق، أعراس، مديح الظل العالي، حصار لمدائح البحر، هي أغنية، ورد أقل، في وصف حالتنا، ذاكرة للنسيان، أرى ما أريد، عابرون في كلام عابر، أحد عشر كوكباً، لماذا تركت الحصان وحيدا، سرير الغريبة، جدارية، حالة حصار، لا تعتذر عما فعلت، كزهر اللوز أو أبعد، أثر الفراشة، العصافير تموت في الجليل، أوراق الزيتون".

وساهم محمود درويش في تطوير الشعر العربي الحديث، و أدخل فيه الرمزية، كما امتزج الحب في شعره بالوطن بالحبيبة الأنثى.



"مازال في الصحن بقية من عسل، سأصير يومًا ما أريد، الحب مثل الموت وعدٌ لا يرد ولا يزول"
 

وشغل محمود درويش منصب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وحرر مجلة الكرمل، كانت إقامته في باريس قبل عودته إلى وطنه حيث إنه دخل إلى فلسطين بتصريح لزيارة أمه، وفي فترة وجوده هناك قدم بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي العرب واليهود اقتراحًا بالسماح له بالبقاء وقد سمح له بذلك.

وفي الفترة الممتدة من سنة 1973 إلى سنة 1982 عاش في بيروت وعمل رئيساً لتحرير مجلة "شئون فلسطينية"، وأصبح مديراً لمركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية قبل أن يؤسس مجلة "الكرمل" سنة 1981.

وبحلول سنة 1977تمكن بيع من دواوينه العربية أكثر من مليون نسخة لكن الحرب الأهلية اللبنانية كانت مندلعة بين سنة 1975 وسنة 1991، فترك بيروت سنة 1982 بعد أن غزا الجيش الإسرائيلي بقيادة ارئيل شارون لبنان وحاصر العاصمة بيروت لشهرين وطرد منظمة التحرير الفلسطينية منها، و أصبح درويش "منفيا تائها"، منتقلا من سوريا وقبرص والقاهرة وتونس إلى باريس.

 

وتوفي محمود درويش في الولايات المتحدة الأمريكية يوم السبت 9 أغسطس 2008  بعد إجراءه لعملية القلب المفتوح في مركز تكساس الطبي في هيوستن، تكساس، التي دخل بعدها في غيبوبة أدت إلى وفاته بعد أن قرر الأطباء في مستشفى "ميموريـال هيرمان"، ونزعت أجهزة الإنعاش بناء على توصيته.
 

و أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الحداد 3 أيام في كافة الأراضي الفلسطينية حزنا على وفاة الشاعر الفلسطيني، واصفًا درويش "عاشق فلسطين" و"رائد المشروع الثقافي الحديث، والقائد الوطني اللامع والمعطاء".

ووري جثمانه الثرى في 13 أغسطس في مدينة رام الله حيث خصصت له هناك قطعة أرض في قصر رام الله الثقافي، وسمى على اسمه "قصر محمود درويش للثقافة".
 

وشارك في جنازته آلاف من أبناء الشعب الفلسطيني وحضر أيضا أهله من أراضي 48 وشخصيات أخرى على رأسهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

ورغم وفاة الشاعر محمود درويش، إلا أن كلماته وقصائده ستظل دليل على بقاء روحه لمساندة ونصرة الشعب الفلسطيني، فغاب الشاعر ولكن إبداعه ظل باقيًا.
 

قصيدة وما زال في الدرب درب:

وما زال في الدرب دربٌ.. وما زال في الدرب متّسعٌ للرحيلْ

سنرمي كثيراً من الورد في النهر كي نقطع النهر. لا أرملهْ

تحبُّ الرجوع إلينا. لنذهب هناك.. هناك شمال الصهيل

ألم تنس شيئاً بسيطاً يليق بميلاد فكرتنا المقبلهْ؟

تكلم عن الأمس، يا صاحبي، كي أرى صورتي في الهديلْ

وأُمسكَ طوقَ اليمامةِ، أو أجد النايَ في تينةٍ مهمله..

حنيني يئنُّ إلى أي شيء ، حنيني يصوّبني قاتلاً أو قتيلْ

وما زال في الدرب دربٌ لنمشي ونمشي. إلى أين تأخذني الأسئله؟

سأرمي كثيراً من الورد قبل الوصولِ إلى وردةٍ في الجليلْ.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان