رئيس التحرير: عادل صبري 05:00 مساءً | الأربعاء 18 يوليو 2018 م | 05 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

يوسف إدريس.. عالج المصريين بالحكايات ووقع في فخ السياسة

يوسف إدريس.. عالج المصريين بالحكايات ووقع في فخ السياسة

فن وثقافة

يوسف إدريس

يوسف إدريس.. عالج المصريين بالحكايات ووقع في فخ السياسة

كرمة أيمن 01 أغسطس 2017 15:47

"أنا على استعداد على أن أفعل أي شيء إلا أن أمسك القلم مرة أخرى وأتحمل مسؤولية تغيير عالم لا يتغير.. وإنسان يزداد بالتغيير سوءًا.. وثورات ليت بعضها ما قام".. كلمات قالها الكاتب الراحل يوسف إدريس عام 1954، ولم يعلم أنه لو كان بيننا الآن سيرددها ثانية. 


الأديب والقاص يوسف إدريس، الذي نحتفل اليوم بذكرى وفاته الـ 26، عرف الثقافة بأنها "المعرفة الممزوجة بالكرامة"، وخصص إبداعه لرصد حياة المهمشين في المجتمع، والدفاع عن المرأة.


يوسف إدريس "الثائر" الذي تمرد على الطب لينسج بخياله قصورًا في عالم الإبداع، ولد في 19 مايو 1927، في قرية البيروم التابعة لمركز فاقوس بمحافظة الشرقية، كان والده ثريًّا نسبيًا وينتمي إلى الطبقة الوسطى الريفية وضمّت أسرته عددا من المتعلمين الأزهريين، وكان طالبا مجتهدا التحق بعد دراسته الثانوية بكلية الطب جامعة القاهرة وحصل على بكالوريوس الطب والجراحة عام 1951، ليعمل طبيبًا بالقصر العيني 1955-1960 ثم جذبه حبه للكتابة أن يعمل صحفيًّا بالجمهورية، ثم كاتب بجريدة الأهرام.


"الحب" كان الدافع والمحرك الاساسي في حياة يوسف إدريس، الذي استحق لقب "أمير القصة القصيرة" عن جدارة، فعشقه الكيمياء والفيزياء هو ما جعله يدخل كلية الطب، وحبه للأدب جعله يتخلى عن سماعته، كما دفعه حبه للوطن للمشاركة في مظاهرات ضد المستعمرين البريطانيين ونظام الملك فاروق. 




وعلى الرغم من هجره للطب، إلا أنه تعلم منه كيف يعالج المريض بالكيمياء، ليترجم ذلك في الأدب، فيعالج عقول قرائه بالكتابة، حيث أهلته هذه الممارسة من إطلاع على أحوال المرضى في أشد لحظات ضعفهم الإنساني، ومعايشته لأجواء هذه المهنة الإنسانية ما أثر في وعيه الإنساني والوجداني بشكل كبير، وجعل منه إنسانًا شديد الحساسية شديد القرب من الناس شديد القدرة على التعبير عنهم، حتى لتكاد تقول إنّه يكتب من داخلهم وليس من داخل نفسه. 


كان أول عمل نشر له في عالم القصة القصيرة "أرخص ليالي" عام1954، لينفجر بعد ذلك بركان الإبداع ويخرج بثاني عمل له وهو "جمهورية فرحات" عام1956، مرورًا بـ"البطل"، "العسكري الأسود"، "قاع المدينة"، "النداهة"، "حادثة شرف"، "بيت من لحم"، و"ليلة صيف".
 

وأهم ما يميز أعمال يوسف إدريس أنها كانت انعكاسا للواقع المصري، فأبرز تركيب الشخصية المصرية في أعماله بلغة بسيطة عامية.

ظل يوسف إدريس مهتما بالأدب والسياسة، وكانت له مواقفه السياسية الجريئة فسجن واعتقل أربع مرات قبل الثورة بسبب اشتراكه في الحركات الوطنية. 


 

"يوسف إدريس والرؤساء"

لم تشغله نجاحاته وشهرته في الوسط الأدبي عن انشغاله بالقضايا السياسية، وظل مثابراً على التعبير عن رأيه بصراحة، فكما رحب يوسف إدريس، بثورة 52 في بدايتها، إلا أنه بدأ يصبّ غضبه في كتاباته على رجال الثورة وسياسة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، فانتهى به الأمر للسجن عام 1954. 
 

وكان الصدام الثاني مع "عبد الناصر" عندما نشر يوسف إدريس مسرحية "المخططين" 1969 وانتقد فيها النظام الناصري، لتمنع المسرحية. 
 

واختاره الرئيس محمد السادات، ليكون لسان حاله أثناء في فترة عمله بجريدة الجمهورية، فكان يكتب إدريس للسادات الكتب التي كانت تحمل اسم الأخير، لينقلب بعد ذلك الوضع بعد كتابات مقالات "البحث عن السادات"، تلك التي كانت تهاجم اتفاقية كامب ديفيد، وهو ما جعل السادات يرفع راية الغضب عليه.

ورد يوسف إدريس على السادات، معلنًا الهجوم عليه بمسرحية "البلهوان"، التي كانت تحكي عن صحفي يعمل كرئيس تحرير نهارًا وليلا بهلوان، وهو ما كان يحمل إسقاط على أن الصحفي ما هو إلا بهلوان.
 

وفي بدايات حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، التقى بيوسف إدريس ضمن مجموعة لقاءات أجراها مع بعض المثقفين، عقب الإفراج عن نخبة من الكتاب والمفكرين كان السادات اعتقلهم قبل اغتياله.

وبعد لقائهما خرج إدريس مادحًا في مبارك ويقول بحماس: "سأقف إلى جوار هذا الرجل إلى آخر لحظة في عمري"، وبعد 3 سنوات سخر مبارك من إدريس وأهانه في خطاب رسمي متهمه بأن الرئيس الليبي معمر القذافي هو مموله بهدف تشويه السادات، ويرجع ذلك بسبب إصدار يوسف كتابا بعنوان "البحث عن السادات" كشف فيه عن اتفاقيات كامب ديفيد بتفاصيلها مع إسرائيل.

 "هموم الوطن العربي" 
لم يقتصر اهتمام يوسف إدريس بالقضايا السياسية المصرية فقط، بل مد يد العون للأشقاء العرب ففي 1961 انضم إلى المناضلين الجزائريين في الجبال وحارب معارك استقلالهم ستة أشهر وأصيب بجرح وأهداه الجزائريون وساماً إعراباً عن تقديرهم لجهوده في سبيلهم وعاد إلى مصر. 
 


 

"الجوائز" 

القضايا السياسية وموافقة وآراؤه لم تمنعه من ممارسة هوايته الإبداية التي تمرّس فيها ليتربع على عرش القصة، كما حجز جناحا خاصا به في عالم الروايات والمسرحيات، لتكون محصلته 5 روايات أبرزها روايتي "الحرام" و"العيب"، و20 مجموعة قصصية و10 مسرحيات منها "البهلوان"، الفرافير"، "ملك القطن"، "المهزلة الأرضية"، و" اللحظة الحرجة".

 

واستطاع أن يحصد العديد من الجوائز ويعترف أنه من أهم كتاب عصره، وحصل عام 1963 على وسام الجمهورية، وفي عام 1961 حصل على كل من وسام الجزائر، وفي 1980 حصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.


 

"قالو عنه"
كان يوسف إدريس غزير الثقافة واسع الاطلاع على الأدب العالمي وخاصة الروسي وقرأ لبعض الكتاب الفرنسيين والإنجليز، كما كان له قراءاته في الأدب الآسيوي وقرأ لبعض الكتاب الصينيين والكوريين واليابانيين. 
 

وقال عنه عميد الأدب العربي "طه حسين": "أجد فيه من المتعة والقوة ودقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء مثل ما وجدت في كتابه الأول "أرخص ليالي" على تعمق للحياة وفقه لدقائقها وتسجيل صارم لما يحدث فيها".
 

وهي ذات المجموعة التي وصفها أحد النقاد حينها بقوله: "إنها تجمع بين سمات ديستوفسكي وسمات كافكا معًا".

أما الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، فقال عنه: إنه من علم مصر كتابة القصة القصيرة فهو أديب رائد ومصري مخلص، كلما قرأت له تكتشف أنك لم تعرف الراجل جيدًا.
 

وعبر يوسف إدريس، عن التقلبات السياسية والاجتماعية التي عاشها، فكان من المعاصرين انتقال الحكم من الملكية وقيام الجمهورية، والنكسة وما خلفته من هزائم نفسية وآلام، والنصر في 73 ، ليرحل عن عالمنا في 1 أغسطس 1991، عن عمر ناهز 64 عامًا، تاركًا لنا أدبا يعبر  عن كل مرحلة من هذه المراحل.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان