رئيس التحرير: عادل صبري 02:28 صباحاً | الثلاثاء 17 يوليو 2018 م | 04 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

"مصر العربية" تحاور شقيق "بنت الشاطئ"

بمناسبة مرور 100 عام على مولدها..

"مصر العربية" تحاور شقيق "بنت الشاطئ"

دمياط - عبده عبد الحميد 11 نوفمبر 2013 13:25

في السادس من  نوفمبر عام 1913 ولدت عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطئ" في بيت جدها الشيخ إبراهيم الدمهوجي بمنطقة سوق السمك على كورنيش النيل بمواجهة محطة قطارات دمياط، ولم يكن هذا الشهر يمثل لها المولد بل كان نفس الشهر الذى كتبت فيه آخر مقالاتها بجريدة الأهرام يوم 28 نوفمبر تحت عنوان "علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه".

 

"مصر العربية" حاولت الاقتراب أكثر من شخصية بنت الشاطئ بمناسبة مرور مائة عام على مولدها حيث التقت الدكتور إسماعيل عبدالرحمن الشقيق الأصغر لبنت الشاطئ الأستاذ بجامعة الأزهر فرع المنصورة.

 

في بداية حديثه قال: لست أدري كيف أبدأ ومن أين أبدأ الكلام عن أختي وأستاذتي ووالدي بعد والدي وشيخى بعد شيخي، وأنه لشرف كبير لنا نحن أبناء العارف بالله الشيخ محمد علي عبد الرحمن أن تكون أختنا عائشة الركن الركين في عائلتنا، فلقد كانت رحمة الله عليها تتبع أحوالنا وتسعد باللقاء الذي يجمعنا فتضمنا تحت جناحها فكأننا بين يدى أب وأم كليهما يحنو ويعطف وكانت تطعم تلك اللقاءات بلمحات وومضات علميه وخلقية وأدبية تزيد اللقاء نورا وبهجة.

 

وعن ذكرياته معها أضاف الدكتور إسماعيل: "أنا أصغر إخوتي وقد ولدت في نفس العام التي حصلت فيه الدكتورة عائشة على درجة الدكتوراه، ولذا كانت حريصة كل الحرص على أن أدرس بجامعة الأزهر لأن والدي رحمة الله عليه كان من كبار رجال وعلماء الأزهر الشريف، وتابعت عائشة خطواتي العلمية في الماجستير والدكتوراه خاصة مع تخصصي أصول الفقه، وعندما كنا نناقش مسألة من مسائل الفقه أجد نفسي أمام أصولي متبحر ضليع في هذا الفن يوجه تلاميذه توجيها سديدا، فلقد كان طابع لقائي معها هو المحاور، والمناقشه العلمية ولن أنسى أننا جلسنا يوما ساعتين نطوف حول آية واحدة هي: "ألهاكم التكاثر".

 

وتابع عبد الرحمن: إذا كان على أن أذكر فضيلة من فضائلها أو صفة من صفاتها فهي أكثر من أن تحوى في مثال أو كتب ولكني أشير إلى بعضها في إشارة موجزة فهي أولا شريفة بنت شريف ينتهي نسبها إلى سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه، أما دفاعها عن الإسلام والعلم فكان أسمى غايتها وأسعد لحظاتها.

 

"لقد كانت بنت الشاطئ رحمها الله تعالى فريدة عصرها وأستاذة زمانها فلقد جمعت بين مدرستين مدرسة أبيها الذي كان من كبار علماء مشيخة دمياط، تلك المدرسة القائمة على محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وآل بيته الكرام، ومدرسة زوجها فضيلة الأستاذ الدكتور أمين الخولي رحمه الله تعالى التي ركزت على دور العقل والفكر في النهوض بالأمة، فكانت خير نموذج للمرأة المسلمة التي بلغت أرفع المناصب وصنفت العديد من الكتب في شتى الفنون والعلوم، وأصبحت قدوة لسيدات وبنات المسلمين، وهي التي فتح الله عليها فتعاملت مع كتاب الله تعالى في الإعجاز والتفسير البياني، وتعاملت مع السنة في وعلومها من خلال  مقدمة (ابن الصلاح)، وتعاملت مع النبي صلى الله عليه وسلم من خلال كتاب (المصطفى صلى الله عليه وسلم وتراجم بيت النبوة)، كما تعاملت مع القرآن الكريم من خلال مؤلفات عديده منها نحو (لغتنا.. الحياة وتراثنا بين ماض وحاضر.. قيم جديده للأدب العربي).

 

وأكد أن عائشة عبد الرحمن أو بنت الشاطئ كما يحلو للجميع تلقيبها، تبوأت مكانة عظيمة في عصر التقدم والحضارة من خلال تصديها لمن حاول أن ينال من منزله المرأة حيث شمرت عن ساعدها ونادت في أكبر المحافل وأعظمها أن الإسلام حفظ للمرأة كرامتها ورفع قدرها.

 

وأشار إلى أنها كانت من أعلام الأمة جاهدت بالعلم والقلم للدفاع عن دين الله، وتُمثِّل مسيرة بنت الشاطئ في طلب العلم والكفاح من أجل الدراسة في الجامعة في زمنٍ كان يقتصر فيه دور المرأة على المنزل، وفي البحث والكتابة في قضايا الفكر الإسلامي -نبراسًا لأجيال متتالية ولا شك أن مسيرتها وإسهاماتها ستظل علامة مضيئة للمرأة المسلمة المعاصرة ورصيدًا فكريًّا في الساحة الإسلامية.

 

 النشأه والتعليم

 ولدت في مدينة دمياط في منتصف نوفمبر عام 1913م، ابنة لعالم أزهري، وحفيدة لأجداد من علماء الأزهر وروَّاده، وتفتحت مداركها على جلسات الفقه والأدب، وتعلمت وفقًا للتقاليد الصارمة لتعليم النساء وقتئذٍ في المنزل، وفي مدارس القرآن (الكُتَّاب).

وقد تحدثت عن أبيها فقالت: "إلى من أعزني الله به أبًا تقيًّا زكيًّا، ومعلمًا مرشدًا، ورائدًا أمينًا ملهمًا، وإمامًا مهيبًا قدوة: فضيلة والدي العارف بالله العالم العامل: الشيخ محمد عليّ عبد الرحمن الحسيني؛ نذرني رضي الله عنه لعلوم الإسلام، ووجَّهني من المهد إلى المدرسة الإسلامية، وقاد خُطاي الأولى على الطريق السويِّ، يحصنني بمناعة تحمي فطرتي من ذرائع المسخ والتشويه".

ومن المنزل حصلت على شهادة الكفاءة للمعلمات عام 1929م بترتيب الأولى على القطر المصري كله، ثم الشهادة الثانوية عام 1931م، والتحقت بجامعة القاهرة لتتخرج في كلية الآداب قسم اللغة العربية عام 1939م، ثم نالت درجة الماجستير عام 1941م.

 حياتها

تزوجت بنت الشاطئ أستاذها بالجامعة الأستاذ أمين الخولي أحد قمم الفكر والثقافة في مصر حينئذٍ، وصاحب الصالون الأدبي والفكري الشهير بـ(مدرسة الأمناء)، وأنجبت منه ثلاثة أبناء وهي تواصل مسيرتها العلمية لتنال رسالة الدكتوراه عام 1950م، ويناقشها عميد الأدب العربي د. طه حسين.

 ولم تكن بنت الشاطئ كاتبة ومفكرة وأستاذة وباحثة فحسب، بل نموذجًا نادرًا وفريدًا للمرأة المسلمة التي حرَّرت نفسها بنفسها بالإسلام، فمن طفلة صغيرة تلهو على شاطئ النيل في دمياط، إلى أستاذ للتفسير والدراسات العليا في كلية الشريعة بجامعة القرويين في المغرب، وأستاذ كرسي اللغة العربية وآدابها في جامعة عين شمس بمصر، وأستاذ زائر لجامعات أم درمان عام 1967م، ولجامعة الخرطوم وجامعة الجزائر عام 1968م، ولجامعة بيروت عام 1972م، وجامعة الإمارات عام 1981م، وكلية التربية للبنات في الرياض 1975- 1983م.

 

 مؤلفات بنت الشاطئ

تركت بنت الشاطئ وراءها ما يزيد على الأربعين كتابًا في الدراسات الفقهية والإسلامية والأدبية والتاريخية؛ فلها مؤلفات في الدراسات القرآنية والإسلامية أبرزها: التفسير البياني للقرآن الكريم.. والقرآن وقضايا الإنسان.. وتراجم سيدات بيت النبوة، وكذا تحقيق الكثير من النصوص والوثائق والمخطوطات. ولها دراسات لغوية وأدبية وتاريخية أبرزها: نص رسالة الغفران للمَعَرِّي.. والخنساء الشاعرة العربية الأولى.. ومقدمة في المنهج.. وقيم جديدة للأدب العربي. ولها أعمال أدبية وروائية أشهرها: على الجسر، وسيرة ذاتية؛ وقد سجَّلت فيه طرفًا من سيرتها الذاتية، وسطَّرته بعد وفاة زوجها أمين الخولي بأسلوبها الأدبي الراقي تتذكر فيه صباها، وتسجِّل مشاعرها نحوه، وتنعيه في كلمات عذبة. كما شاركت في العديد من المؤتمرات الدولية في كل هذه المجالات، وقد جاوزت شهرتها أقطار الوطن العربي والإسلامي، وكانت كتاباتها موضوعًا لدراسات غربية ورسائل جامعية في الغرب، بل وفي أوزبكستان واليابان.

 ولم تكتفِ بالكتابة فحسب، بل خاضت معارك فكرية شهيرة، واتخذت مواقف حاسمة دفاعًا عن الإسلام، فخلَّفت وراءها سجلًّا مشرفًا من السجلات الفكرية التي خاضتها بقوة؛ وكان أبرزها معركتها ضد التفسير العصري للقرآن الكريم ذَوْدًا عن التراث، ودعمها لتعليم المرأة واحترامها بمنطق إسلامي وحجة فقهية أصولية دون طنطنة نسويَّة، ومواجهتها الشهيرة للبهائيَّة في أهم ما كُتب في الموضوع من دراسات مسلِّطةً الضوء على علاقة البهائية بالصهيونية العالمية، وكذا دراساتها الرائدة عن تراجم سيدات بيت النبوة، وأبحاثها حول الحديث النبوي: تدوينه ومناهج دراسته ومصطلحاته، وبجانب إسهاماتها البحثية والأكاديمية والتعليمية البارزة، وتخريج أجيال من العلماء والمفكرين من تسع دول عربية قامت بالتدريس بها، قد خرجت كذلك مبكرًا بفكرها وقلمها إلى المجال العام؛ وبدأت النشر منذ كان سنُّها 18 سنة في مجلة النهضة النسائية، ثم بعدها بعامين في جريدة الأهرام؛ ونظرًا لشدة محافظة أسرتها -آنذاك- التي لم تعتد انخراط النساء في الثقافة اختارت التوقيع باسم (بنت الشاطئ)، إشارةً لطفولتها ولهوها صغيرة على شاطئ النيل في بلدتها دمياط، وبعدها بعامين بدأت الكتابة في جريدة الأهرام فكانت ثاني امرأة تكتب بها بعد الأديبة ميّ زيادة، وظلت تكتب للأهرام حتى وفاتها، فكان لها مقال طويل أسبوعي، وكان آخر مقالاتها ما نُشر بالأهرام يوم 26 من نوفمبر 1998م بعنوان (علي بن أبى طالب كرَّم الله وجهه)، وهو استكمال لسلسلة طويلة من المقالات بدأت منذ الصيف تناولت فيها سير آل البيت ومقاتل الطالبيين، وشرعت في كتابة سلسلة مقالاتها اليومية الرمضانية كعادتها لكن القدر لم يمهلها لإتمامها.

 

وقد حظيت  الدكتوره عائشة عبد الرحمن بمكانة رفيعة في أنحاء العالم العربي والإسلامي، وكرَّمتها الدول والمؤسسات الإسلامية؛ فكرّمتها مصر في عهد السادات وعهد مبارك، ونالت جائزة الملك فيصل، ونالت نياشين من دول عديدة، كما كرّمتها المؤسسات الإسلامية المختلفة بعضوية ضنَّت بها على غيرها من النساء مثل: مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، والمجالس القومية المتخصصة، وكرَّمها ملك المغرب.

وفاتها

 توفيت بنت الشاطئ في  ديسمبر 1998م، وودعتها مصر في جنازة مهيبة حضرها العلماء والأدباء والمثقفون الذين جاءوا من شتى الدول، ونعاها  الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر وأمَّ صلاة الجنازة عليها بنفسه.

ولقد قامت محافظة دمياط بتخليد اسم الكاتبة الراحلة بنحت تمثال لها  بعد وفاتها ووضعه في حديقة على كورنيش النيل سميت بحديقة "بنت الشاطئ"، كما سبق أن أطلق اسمها على إحدى المدارس الإعدادية للبنات وذلك في حياتها.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان