رئيس التحرير: عادل صبري 07:08 مساءً | السبت 21 يوليو 2018 م | 08 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

"باسم يوسف" يفتح ملف السخرية من جديد

باسم يوسف يفتح ملف السخرية من جديد

فن وثقافة

باسم يوسف

بين الرفض والتأييد..

"باسم يوسف" يفتح ملف السخرية من جديد

أ ش أ 30 أكتوبر 2013 11:45

للسخرية في مصر تاريخها العريق بقدر ما هى حافلة بالظواهر المتغيرة بتغير السياقات الثقافية والتاريخية والمجتمعية، فلا يمكن القول إن ساخرا مثل "أحمد فؤاد" الذي كان معروفا باسم "فؤاد الصاعقة"، الذي استرعى انتباه الكاتب الكبير عباس محمود العقاد "كظاهرة في صحافة العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين" يتشابه كثيرا مع باسم يوسف الذي يثير الآن جدلا واسعا في المجتمع المصري .


وأثارت ظاهرة "باسم يوسف" جدلا كبيرا وانقسامات بين مؤيد ومعارض، فيما تقتضي دواعي الإنصاف والموضوعية القول إنه لولا مساحة الحرية لما استمرت هذه الظاهرة ولكانت قد وئدت توا.


و"ظاهرة باسم يوسف" تنتمي بامتياز لثقافة العصر الرقمي، فقد عرف طريقه مبكرا لشبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، واستخدم موقع يوتيوب لطرح أرائه الساخرة قبل أن يتجه لشاشة التلفزيون، وفيما يصفه البعض بأنه "الوجه الساخر للربيع العربي" فإن هناك من يعتبره "ابن عصر الثقافة الرقمية ".


والعصر الرقمي ذاته موضع سخرية من جانب أدباء في الغرب كما يتجلى في الرواية الجديدة "الدائرة" لديف إيجرز، فيما خط القاص والكاتب الأمريكي الشهير جوناثان فرانزن مؤخرا سلسلة من المقالات كانت بمثابة هجاء حادا لثقافة العصر الرقمي، وهذا الفريق في الغرب يأخذ على ثقافة العصر الرقمي "السطحية" والميل "للاستظراف واستسهال تجريح الأخرين"، فيما تتحالف الشبكة العنكبوتية مع الفضائيات التلفزيونية الهادفة للربح التجاري في دائرة جهنمية لا يعنيها سوى كسب المال، ولايهمها سوى منطق الإعلانات الممولة.


ومن ثم فهذه الثقافة الرقمية بجوانبها الساخرة في الغرب موضع نقد عميق، وهنا يكون السؤال "هل تتحول ثقافة العصر الرقمي إلى مقصلة للقيم الإيجابية أم أنها ضحية تحامل من فريق من المثقفين غير راض لسبب أو لآخر عن هذه الثقافة الجديدة؟".


لكن تاريخ السخرية دوما يثير الجدل والأمر أبعد بكثير من ظاهرة باسم يوسف وثقافة العصر الرقمي، وإلا لما تصدى كاتب ومفكر في حجم وقامة عباس محمود العقاد لتناول ظاهرة "فؤاد الصاعقة"! ماذا قال العقاد عن هذا الصحفي الساخر؟


يقول عملاق الثقافة المصرية والعربية عباس محمود العقاد "كان أحمد فؤاد صاحب صحيفة الصاعقة الأسبوعية أشهر الصحفيين من أبناء جيله في تمثيل ذلك الدور الذي عرفناه في صحافتنا بعد ظهور الصحف السيارة عندنا وانتشارها في أواسط القرن ال(19)، وإذا وجب أن نختصر أسماء الصحف التي يصح أن نطلق عليها صحافة الهجاء الاجتماعي في اسم واحد، فاسم فؤاد الصاعقة هو ذلك الاسم الذي لا يزاحمه شريك مثله في هذه الصناعة".


وأضاف "العقاد" أن "فؤاد الصاعقة" أبرع هؤلاء الجباه في استغلال وجاهة الوجيه وهيبة المهيب شفويا وتحريريا بغير عناء، وهوعالم بحدود العرف والقانون مع كل طبقة من تلك الطبقات، وكانت صحيفة الصاعقة أسبوعية كما تقول رخصتها أو يقول عنوانها، ولكنها في الواقع لم تكن أسبوعية ولا يومية ولا شهرية ولا سنوية، وإنما تصدر "كلما وجدت الضحية التي تؤدي ضريبة الجاه والهيبة سواء من هذه الضريبة ثمن الثناء أو ثمن الهجاء أو ثمن النجاة من التهديد والوعيد" .


وكان "فؤاد الصاعقة" كلما لقى العقاد يقول له "أنا أعلم أنك لا تخافني كما يخافني فلان وفلان.. وكل ما أرجوه منك ألا تجهر بذلك أمام هؤلاء، ودعنا نأكل عيشنا معهم يرزقنا الله وإياك".


كان "فؤاد الصاعقة" ظاهرة في الحياة الثقافية المصرية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وبعيدا عن هذه الظاهرة وزمنها وسياقها التاريخي، تحول مقدم البرامج التلفزيونية الساخرة "باسم يوسف" إلى ظاهرة مثيرة للجدل وحتى للدعاوى القضائية .


وتأتي "ظاهرة باسم يوسف" في سياق عالمي مأزوم، ويبحث بسبل جديدة عن إجابات جديدة لأسئلة الديمقراطية، فيما تظهر حركات جديدة تجسد هذا القلق المعولم مثل حركة "احتلوا وول ستريت" في قلب الرأسمالية الأمريكية التي تقود العولمة.


وأثارت الحلقة الأخيرة من "البرنامج" لباسم يوسف العديد من الانتقادات في الصحف ووسائل الإعلام، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فيما قال عبد الناصر سلامة رئيس تحرير جريدة "الأهرام" "لن يقبل المجتمع أبدا استمرار استخدام ألفاظ وإيماءات خادشة للحياء في وسائل الإعلام".
وأضاف "إذا كان الهدف تحطيم الرمز والنيل من القامة لأهداف تبدو واضحة، فإننا أمام كارثة يجب تداركها فورا ويجب عدم التمادي فيها تحت أي مسميات أو مبررات"، معتبرا أن مجتمعنا لم يعد يتحمل أخطاء أكثر من التي فرضت وتفرض علينا طوال الوقت.. ولسنا في حاجة إلى المزيد.
ووفقا لبيان نشرته صحف ووسائل إعلام فإن "إدارة قنوات سي بي سي أكدت عدم رضاها عن الحلقة التي قدمها الإعلامي الساخر باسم يوسف يوم الجمعة الماضي، مضيفة أنها "تابعت ردود الفعل الشعبية بعد الحلقة الأخيرة من البرنامج، التي جاءت في معظمها رافضة لبعض ما جاء في هذه الحلقة".


ونوهت بمواصلة ممارستها لحرية الإعلام كاملة ودعمها لثورتي 25 يناير و30 يونيو- وشددت إدارة هذه الشبكة التلفزيونية على أنها "ستظل داعمة لثوابت الشعور الوطني العام، ولإرادة الشعب المصري وحريصة على عدم استخدام ألفاظ وإيحاءات أو مشاهد في برامجها تؤدي إلى الاستهزاء بمشاعر الشعب المصري أو رموز الدولة المصرية".


والطبيب المصري باسم يوسف الذي ولد عام 1974 يعبر عن أرائه بلغة الجسد أفضل بكثير من التعبير بالكلمة، سواء كتبها أو قالها، وإذا كانت "ظاهرة باسم يوسف" تكشف عن سطوة ثقافة الفرجة التلفزيونية، فإنها بحاجة لنقاد يحددون على وجه الدقة موقعها وموضعها مما عرف في سياقات ثقافية - تاريخية أوروبية بظاهرة "الكباريه السياسي".


فقد بلغت "الكباريهات السياسية" ذروة عالية في عهد الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني عندما خفت الرقابة، وعندما هزمت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى زادت السخرية، وتصاعدت ظاهرة "الكباريهات السياسية"، حتى أصبحت "كباريهات برلين السياسية" ذات شهرة عالمية، وكان الزوار الأجانب يحرصون على مشاهدة عروضها الساخرة.


فالكباريهات السياسية كظاهرة ثقافية وليدة الحاجة للضحك والرغبة في السخرية من السلطة أو التهكم عليها، وكلما زادت ضغوط السلطة وممثليها في الأجهزة البيروقراطية، كلما ازدادت حدة التهكم بصور خفية وأشكال غير مباشرة وعبر المعاني المزدوجة وأساليب التورية.


ولكن "ظاهرة باسم يوسف" وإن حملت بعض سمات "ظاهرة الكباريه السياسي المعولم"، فإنها تأتي في سياق ثقافي - تاريخي مصري يختلف كثيرا عن السياق الثقافي - التاريخي الذي أفرز ما عرف بثقافة الكباريه السياسي، ولعلها بما تثيره الآن من جدل مصري - عربي تختلف أيضا عن المسرح الكوميدي - السياسي، وإن جمعتهما لافتة معالجة الشأن السياسي بأساليب انتقادية، فهو يختلف بالتأكيد عن أداء نجم كوميدي مثل عادل إمام أو نجوم سطعت في سماء المسرح الكوميدي، مثل فؤاد المهندس وسمير غانم وعبدالمنعم مدبولي، كما أن برنامجه التلفزيوني يختلف عن المسرح الانتقادي السياسي للفنان المصري الراحل فايز حلاوة والرحابنة في لبنان، ومع ذلك فإن هناك من يعتبر أن ما يقدمه باسم يوسف أقرب لمسرحية مختصرة ومتقنة تعالج اليومي وتتحرك معه دون انفصام عن تفاعلاته وتفاصيله .  


وفيما يتحدث بعض المتحمسين لظاهرة باسم يوسف عن إبداع جديد يسد ثغرة في المعالجة الانتقادية التي كان الإعلام العربي بحاجة لها، مع إشادة بالقدرة الاستثنائية على توظيف لغة الجسد، فإن هناك في المقابل وسواء على مستوى الشارع أو وسائل الإعلام، من يتحدث عن الظاهرة في إطار "المراذلة" التي طفت على سطح الحياة الثقافية والسياسية المصرية في العصر الرقمي.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان