رئيس التحرير: عادل صبري 08:44 صباحاً | الأحد 21 أكتوبر 2018 م | 10 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

بهاء عبد المجيد يوقع "طقوس الصعود" .. 20 يونيو

بهاء عبد المجيد يوقع طقوس الصعود .. 20 يونيو

فن وثقافة

غلاف "طقوس الصعود"

بهاء عبد المجيد يوقع "طقوس الصعود" .. 20 يونيو

آية فتحي 08 يونيو 2016 11:22

تنظم مكتبة  الكتب خان فرع اللاسلكي  حفل توقيع المجموعة القصصية "طقوس الصعود" للكاتب بهاء عبد المجيد، وذلك يوم الأثنين الموافق 20 يونيو 2016.

 

"طقوس الصعود" مجموعة قصصية صدرت عن دار أكتب للنشر و التوزيع  تحتوي على ثلاث عشرة قصة كتبت خلال أربع سنوات ماعدا قصة "حبال و مشانق" فقد كتبت فى فترة مبكرة و هى الأطول في المجموعة،  تتسم بموضوع مسيطر على كل قصص المجموعة  وهو الروح وعلاقتها بالزمن، و ذلك من خلال حكي الرواي عن مواقف حياتية وفارقة فى حياته، القصص تحكي معظمها بضمير الآنا حيث يقترب الرواي من منطقة الذات الداخلية ويعكسها بطريقة إنسانية.
 

 


صدر لبهاء عبد المجيد أربع روايات هم "سانت تريزا، جبل الزينة، النوم مع الغرباء، خمارة المعبد"، و"طقوس الصعود" هي  ثالث مجموعة لبهاء المجموعة الأولى  صدر له عام 1996 بعنوان "البيانو الأسود" ثم صدر عام 2012 مجموعة "ورق الجنة".


ومن  نصوص المجموعة نقرأ:-  
 

"مات الأستاذ علي، مات بهدوء ودون ضجة، وكأن الدواء الذي يتناوله مثل الماء مهما فقط لإطالة الحياة، و لا يرجو منه برءًا من السقم. مات على صدر أمي، وكان حوله القليل من أفراد العائلة. طلب أن نرفعه من سريره ونجلسه على الكرسي المتحرك الذي اشتراه له أخي كي يتجول به أثناء مرضه الاخير، ويأمل أن يعيش، ولكن السخرية أن أبي لم يتحرك منذ عشر سنوات ودائمًا ما يردد أن نصفه الأسفل مشلول، ويطلب مني أن يذهب معي إلى بريطانيا لكي يُعالَجَ؛ لأنهم ماهرون في الطب مثل السيد المسيح الذي يُحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، كنت أضحك وأقول: لا أحب الطب ولا المستشفيات ولا زيارة الطبيب، أظن أنني تركته يموت بخوفي المرضي من الأطباء واعتقادي أنه سيعيش عمر سيدنا نوح مثلما عاشت جدته زبيدة من قبل، وربما سيرى المسيح الدجال و سيشهد القيامة.


في الليلة السابقة لموت أبي طلب مني أن أقرأ له القرآن الذي يحفظه كله، وينسخه من حين إلى آخر، وترك لي نسخة غير مكتملة منه، قررتُ بعد وفاته أن أزخرفها بماء الذهب، وأن أضع لها رسومات، وأن أهدي أفراد العائلة نسخًا منها ،أو أن أودعها في أحد المتاحف العالمية، أو أهديها إلى مكتبة شهيرة مثل مكتبة بودلين بمدينة أوكسفورد. 


كان يستيقظ في الصباح الباكر يزحف حتى يصل إلى الحمام يغتسل ويتوضأ ثم يصلي ويقرأ القرآن، و ينتظر الخادمة حتى تأتي من منزلها لتعدَّ له الفطور؛ لأن أمي تذهب إلى متجر الزهورالذي توقف عن الذهاب إليه، فكانت تقوم بإدارته، واستأجرنا خادمة لتتولى رعايته .كانت "منى" تجلس تحت قدميه وتدهنهما بزيت الزيتون، كان يرتاح لها كثيرًا ويدعو لها، هي الوحيدة من الخادمات التي تعبت، واستمرت معه بعدما ادَّعت إحدهن أنه احتضنها بشدة، وهي تحاول وضعه على الفراش. فثارت أمي وغضبت وطردتها، ولكن حذرها بامتعاض وغضب قائلا إن بعض الظن إثم، ومد لها يده العاجزة والمتورمة وقال كيف أحضناها بتلك ، وتأثر كثيرًا لدرجة المرض والاكتئاب. أما منى فقالت لنا بعدما مات: إنها كانت تواتيها الطاقة بخدمتها له، وأنه منذ أن غاب عن الدنيا وهي ضعيفة ،وليس لها رغبة في العمل.


تنظر أمي إلى شجرة الجهنمية الثابتة في الحديقة الصغيرة أمام مسكننا، وقد تشاجرت مع البستاني عندما قصها ؛لأن أبي هو الذي غرسها، وظنت أنه يريد التخلص منها. كانت جهنمية أرجوانية، لونها فاقع وجميل وبرغم صغرها وقلة فروعها فإن أزهارها باسقة وكثيفة، كان يحب الزهور و خاصة الفل ، ويزرع من شجره الكثير أمام البيت الذى دائما ما يزهر في الصيف وتفوح منها رائحة عطرة تمتزج مع رائحة مسك الليل فتمزج الهواء بالخمر ، و كان من عادته أن يهدي من زهورها إلى الجيران ويحتفظ ببعضها ويقدمها لي بابتسامته الجميلة، قائلًا: صباح الفل، ولكن شجرة الفل ماتت منذ أن دخل الأستاذ علي المستشفى.


الآن هم يغسلونه، يرقد على طاولة عالية، وجسده باهت كالشمع، ولدن كالعجين، عاد صبيًّا مرة أخرى، وصدره تمدد، وذراعاه بدوا كأنهما جناحان- ذكراني بصورتي معه على شاطئ الإسكندرية وهو يحملني –و هو مسجى كان وجهه يملؤه النور والطمأنينة، نائم كأنه مستبشر وسعيد و مطيع كعادته دائمًا ،والُمغسِّل يعده ويصب عليه الماء والعطر ويزفُّه إلى منزله قبل الأخير.


من عاداته أن يجلس بجوار باب شقتنا التي تقع في الدور الأرضي مواجهًا للحديقة، يطلب من "منى" أو والدتي أن تعد له كوبًا من الشاي، وأعد له أحيانًا القهوة المحوجة بالحَبَّهان والقرنفل وأحيانًا جوزة الطيب الذي يدمنه ويعشقه مثل كل المصريين كان يجمع حوله بعض الجيران أو أحد البوابين أو نسائهم بجواره الشاي والأقداح وبعض الفاكهة من أعناب وتمر، يحكي لهم، يسألهم عن بلادهم وقُراهم، ودائمًا ما يكون له أقارب له في بلدتهم، فهو له أقارب في الفيوم، وأحيانًا في تلا في المنوفية، أو في ديرب نجم في الشرقية، أو في أبي حمص في البحيرة، أو دشطوط في بني سويف، أو بني مزار أو تونة الجبل في المنيا.كان يبدو وكأنه ابن القطر المصري كله، حتى السجون له فيها معارف، فقد كان يقيم مع عمي حفلات مديح للرسول ودروس وعظ لأشقياء سجن طرة أو أبي زعبل أو سجن العقرب.

 

و كلما رآني يطلب مني أن نجلس ونتحدث عن ذكريات الماضي: كيف تربى؟ ومتى حفظ القرآن؟ وكيف جاء من بلدته هو وأبوه وحاربا من أجل أن يعيشا في القاهرة في الثلاثينيات؟ وكيف كانت مدينة جميلة وملكية وراقية بحق. وكيف كافح من أجل إخوته، وأن أباه مات راضيًا عنه ؛لأنه لم يتخل عن الرسالة، و أثبت أنه رجل عندما ضحى بتعليمه ليعمل في المصنع ليساعده على مطالب الحياة، وأن كل الخير الذي نستمتع به الآن بسبب رضا والده عليه، وبسبب حفظه للقرآن الذي هو نور السماوات والأرض، والنعمة الدائمة للبشر، و جنة القبور وضياء السماوات والأرض.


كنت دائمًا في عجلة من أمري أصارع من أجل لقمة العيش والنجاح في الحياة، ولم أكن أدرك أنه الحياة والنجاح.


قبل الذهاب لعملي كان يُرقيني متمتمًا: "سبحان الذي مد الظل ولو شاء لجعله ساكنًا"، وعندما أتوه وأركض في البرية غير راضٍ عن حياتى كان يمسح بيديه على رأسي وصدري، كانت يداه مثل الماء والثلج البارد ، وتمسكان بروحي التائهة بين المروج والجبال والحارات والبيوت و تهبطان بها بسلام على الأرض فأعود إنسانًا راضيا مرة أخرى، تملؤه الروح والثبات والكلمات المقدسة. أعتقد أنني أناني يما يكفي لأن أتركه يموت وحيدًا، وهو ينتظرني أن أعود من البلاد البعيدة، كنت أعلم تمامًا أنني مصدر النور والطاقة والحياة بالنسبة له، ومع ذلك هربت تجاه طموحي وسقوطي لأحقق أسطورة ذاتية مع الغرب الذي قهرني ولم يعترف بغير ما هو مادى وشهوانى. تركته وحيدا فى القاهرة وصدقت مقولته: "أنا من ضيع في الأوهام عمره"، شطر من أغنية عبد الوهاب التي هي المجاز الذي أعيشه وأحاول أن أفسره وأفككه، أصبحت وهمًا بدونه، وسرابًا وظلًّا ممدودًا يمشي على الأرض ليس له كتلة ولا وزن.


ذهب ولم تزل قلوبنا تبلغ الحناجر، ذهب وترك الثورة والعنف والحياة بصخبها وطواحينها الماجنة التي لا تفرق بين ريح الخير وريح الشؤم. وما زلنا نصارع من أجل قتل الرياء والنفاق والظلم . هو لم يعرف غير الحب وغيرالله .. زاد إيماني بوجود الله بموت أبي. 


عاش الأستاذ علي فقيرًا، ومات غنيًّا بروحه التي تحوم وتجيء لي كل ليلة عند الفجر تردد مع الأذان أنغام السماء وتتحد روحانيًّا في لحن سماوي بديع. هو الآن في مكان آخر بعيد جدًّا ،ولكنه قريب من الحور والأعناب المتدلية، ويطير فوق أنهار من لبن وعسل مصفَّى، ويتنفس عطور الجنة، ويخدمه الولدان المخلدون، ويعيش على لحم الطير، ويرى ما لا عين رأت، ولا خطر على قلب بشر".


اقرأ أيضًا:-

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان