رئيس التحرير: عادل صبري 05:37 صباحاً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

أحمد خالد توفيق.. روائي «المدينة الفاضلة»

أحمد خالد توفيق.. روائي «المدينة الفاضلة»

فن وثقافة

احمد خالد توفيق

أحمد خالد توفيق.. روائي «المدينة الفاضلة»

كرمة أيمن 03 أبريل 2018 12:52

"وداعًا أيها الغريب، كانت إقامتك قصيرة لكنها كانت رائعة، عسى أن تجد جنتك التي فتشت عنها كثيرًا، وداعًا أيها الغريب، كانت رقصتك رقصة من رقصات الظل، قطرة من قطرات الندى قبل شروق الشمس، لحنًا سمعناه لثوان من الدغل، ثم هززنا رؤوسنا وقلنا إننا توهمناه، وداعًا أيها الغريب، لكن كل شيء ينتهي"….

 

غابت شمس الكتابة للمبدع أحمد خالد توفيق، بعد أن غصنا معه طوال 3 عقود في عالمه الخاص الممزوج ما بين السخرية والرعب غير المألوف، لنعيش معه في مدينته "يوتوبيا" لنبحث عن الكمال في "ما وراء الطبيعة"، وإن استطاع أن يخطفه الموت من بيننا فإنّه لن يستطع أن ينل من إبداعه، الذي يجعله حيًا وباقيًا بيننا.

 

أحمد خالد توفيق "العراب" الذي جذب جيل الثمانينيات والتسعينيات، لعالم القراءة ليتابعوا بشغف قصصه في سلاسل "ما وراء الطبيعة"، "فانتازيا"، و"سافاري"..



 

البطل في أعمال أحمد خالد توفيق، لم يمتلك مواصفات البطل كما اعتادنا عليه "الوسيم الغني الذكي"، بل هو شخص عادي، وهذا هو الخيط الخفي الذي ظلّ رابطًا القراء بعالم أحمد خالد توفيق.


مرآة جيل


اتخذ أحمد خالد توفيق، من سلسلة "ما وراء الطبيعة" التي بدأت في 1992 واستمرّت حتى 2014 لتنتهي بموت البطل د. رفعت إسماعيل طبيب أمراض الدم، بعد معايشة لحياته الإنسانية بكل ما فيها من فرحة وانطواء ومغامرات وحزن بطابع الرعب المغلف بنبرة ساخرة، مدخلًا لأعماله الروائية ذلك العالم الفانتازي الغرائبي.

كان قلم أحمد خالد توفيق، مرآة لجيل بأكمله، عبر عنهم وعن حالهم وآمالهم والظلم الواقع عليهم لتسرق أحلامهم أمام عينهم، ووضع يده على الجرح الذي ينزف خلال شخوص وأحداث رواياته.



 

دخل احمد خالد توفيق، إلى هذا العالم من خلال رواية "يوتوبيا" التي صدرت عام 2008، ليكون المكان "مصر" والزمان عام 2023، لكن الصورة "سوداوية" قاتمة ليبشر باختفاء الطبقة المتوسطة، يتحول المجتمع إلى جزئيين "الثري" و"الشديد الفقر".

وفي مسرح الأحداث، استطاع أن ينقل أحمد خالد توفيق، القارئ عبر آلة الزمن لتتجسد كلماته في صور، تجعلنا نكره هذا الواقع المرير، وتدور حول تحول مصر إلي طبقتين، الأولى بالغة الثراء والرفاهية وهي "يوتوبيا" المدينة المحاطة بسور ويحرسها جنود "المارينز" التي تقع في الساحل الشمالي والثانية فقر مدقع وتعيش في عشوائيات ويتقاتلون من أجل الطعام.

وتحكي الرواية قصة شاب غني من "يوتوبيا" يريد أن يتسلى ويقوم بمغامرة لكسر ملل الحياة ورتابتها وهى صيد إنسان فقير من سكان شبرا واللعب به مع أصحابه للحصول على متعة ثم قتله والاحتفاظ بجزء من جسده على سبيل الفخر وهى من الهوايات الجديدة للأغنياء الذين يعيشون في الساحل الشمالي تحديدًا في يوتوبيا التي تشكل عالم الأغنياء.

الواقع الأليم

ولم تقل جرعة التشاؤم روايته التالية "السنجة" التي صدرت عام 2012 وتدور أحداثها حول مؤلف يعيش في دحديرة الشناوي، وكعادة "العراب" فهي خليط من الفانتازيا والواقعية.

وفي "السنجة" نعيش نفس الأجواء الكابوسية، رواية تكشف ذلك الجزء الذي يخشاه الجميع و يتجنبه، عالم العشوائيات البعيد القريب، حيث الفطرة الإنسانية في أحط أحوالها "السلطة للأقوى.. الشهوة هى القائد.. الرغبة هى العقيدة.. بشر يحيون كالحيوانات أو أقل كثيرًا”، هكذا عبر الكاتب أحمد مدحت عن الرواية التي اعتبرها جزء ثاني من "يوتوبيا" مع اختلاف المعالجة الدرامية.



هذه الرواية التي صدرت بعد اندلاع ثورة 25 يناير بعام، تماست مع الثورة لتعبر عنها وترمز لها في كل شخوص "السنجة" ليشير إلى الثورات التي لا تنجح أبدًا، وعن الفقر في أقبح صوره، وعن الجرافيتي المتغير دائمًا على جدران مصر، وعن الدحديرة عندما تتحول لأسلوب حياة.

 

ويبدو أن هذا الخط وهذا العالم البعيد مل البعد عن المدينة الفاضلة، استهوى "العراب" ليكمل مسيرته برواية "مثل إيكاروس" عام 2015 التي فازت بجائزة أفضل رواية بمعرض الشارقة للكتاب 2016، و أتبعها في 2016 بروايته "ممر الفئران"، وكانت "شآبيب"آخر أعماله التي صدرت في معرض القاهرة للكتاب 2018.



ويقول أحمد خالد توفيق عن نفسه: "لا أعتقد أن هناك كثيرين يريدون معرفة شيء عن المؤلف.. فأنا أعتبر نفسي ـ بلا أي تواضع ـ شخصاً مملاً إلى حد يثير الغيظ.. بالتأكيد لم أشارك في اغتيال (لنكولن) ولم أضع خطة هزيمة المغول في (عين جالوت).. لا أحتفظ بجثة في القبو أحاول تحريكها بالقوى الذهنية ولم ألتهم طفلاً منذ زمن بعيد..

ولطالما تساءلت عن تلك المعجزة التي تجعل إنساناً ما يشعر بالفخر أو الغرور.. ما الذي يعرفه هذا العبقري عن قوانين الميراث الشرعية؟.. هل يمكنه أن يعيد دون خطأ واحد تجربة قطرة الزيت لميليكان؟.. هل يمكنه أن يركب دائرة كهربية على التوازي؟.. كم جزءاً يحفظ من القرآن؟.. ما معلوماته عن قيادة الغواصات؟.. هل يستطيع إعراب (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)؟.. هل يمكنه أن يكسر ثمرة جوز هند بين ساعده وعضده؟.. كم من الوقت يمكنه أن يظل تحت الماء؟..

والخلاصة أننا محظوظون لأننا لم نمت خجلاً من زمن من فرط جهلنا وضعفنا...".

وأحمد خالد توفيق، الذي ولد في طنطا 10 يونيو 1962، ويعد أول كاتب عربي في مجال أدب الرعب والأشهر في مجال أدب الشباب والفانتازيا والخيال العلمي ويلقب بـ"العراب"، كان يخشى الموت ويقول فيه: "أنا أخشى الموت كثيرًا ولست من هؤلاء المدّعين الذين يرددون في فخر طفولي نحن لا نهاب الموت، كيف لا أهاب الموت وأنا غير مستعد لمواجهة خالقي".

وفاجأ "العراب" جمهوره، في آخر لقاء تليفزيوني له، بهذه الكلمات بعد تعليقاتهم ووقوفهم إلى جانبه طوال مشواره الإبداعي، قائلًا: "حاجات زي كده بتديني رضاء رهيب وشنيع، وبقولهم لو مت دلوقتى هبقى مبسوط جدًا".

ولا يسعنى إلا أن ننعيه بكلماته: "حتى تحترق النجوم وحتى تفنى العوالم، حتى تتصادم الكواكب، وتذبل الشموس، وحتى ينطفئ القمر، وتجف البِحار والأنهار، حتى أشيخ فتتآكل ذكرياتي، حتى يعجز لساني عن لفظ اسمك، حتى ينبض قلبي للمرة الأخيرة، فقط عند ذلك ربما أتوقف.. ربما".

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان