رئيس التحرير: عادل صبري 04:24 صباحاً | الأحد 21 أكتوبر 2018 م | 10 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

بعد تحول "الرجل الحديدي" إلى أثر.. هل تنجو "الإخوان"؟

بعد تحول الرجل الحديدي إلى أثر.. هل تنجو الإخوان؟

صحافة أجنبية

القيادي الإخواني محمود عزت

فورين أفيرز

بعد تحول "الرجل الحديدي" إلى أثر.. هل تنجو "الإخوان"؟

وائل عبد الحميد 20 يناير 2016 02:03

"رؤية الإخوان بشأن دولة إسلامية داخل مصر لن تتبخر، لكن النظام الداخلي الصارم للجماعة الذي يحدد صنع القرار والتعبئة بات الآن شيئا ينتمي للماضي. وبناء عليه، فقد أصبح "الرجل الحديدي" الآن مجرد أثر قديم".

جاء ذلك في مقال مطول بمجلة فورين أفيرز للباحثين إريك تراجر ومارينا شلبي تحت عنوان "الإخوان المسلمين تنهار..هل تنجو الجماعة من الضربة الأحدث".


وإلى النص الكامل للمقال

يطلق الإخوان على محمود عزت  "الرجل الحديدي". لقد اكتسب نائب المرشد الرواقي المذهب، البالغ من العمر 71 عاما هذا اللقب جراء صراعه طويل المدى من أجل الإخوان في مصر.

وتضمن ذلك أكثر من 10 سنوات قضاها في السجون، صقل خلالها سمعته في الصرامة، ليأتي في طليعة فارضي للنظام داخل التسلسل الهرمي الصارم للمنظمة.

وفي أعقاب عزل القائد الإخواني محمد مرسي،  أول رئيس مصري منتخب، في يوليو 2013، تنامت أسطورة عزت داخل الجماعة حيث نجح في تفادي الحملة القمعية التي زجت بمعظم قيادات الإخوان داخل السجون، واختبأ داخل مصر، بالرغم من أن عناصر إخوانية أخرى هربت إلى المنفى.

من جانبه، قال الناشط الإخواني الشاب عمرو  فراج خلال مقابلة في إسطنبول في أكتوبر 2014: “لدى محمود عزت القدرة على الاختباء، لسبب مفاده أنه تعرض للحبس سابقا 10 سنوات.  بإمكانه أن  يمكث فترة تناهز 5 سنوات جالسا في غرفة مغلقة دون التحدث لشخص، إنه قادر على فعل ذلك".

وأضاف فراج أن عزت طلب من رفاقه بجماعة الإخوان عدم الاتصال به لتفادي تعقبه داخل مصر.

إستراتيجية عزت في الحفاظ على الذات أثبتت فاعليتها في النهاية حيث لم تتمكن القوات الأمنية من إلقاء القبض عليه.

ولكن في غياب عزت، انهار النظام الداخلي للإخوان، وانفجرت تصدعات داخلية شديدة على الملأ في ربيع 2015.

وبعد محاولته المبدئية لحلحلة تلك الانقسامات من داخل مصر، ظهر عزت فجأة في تركيا منتصف نوفمبر، معلنا نفسه قائما بأعمال المرشد.

وبالرغم من ذلك، فقد الرجل الحديدي لمسته، حيث رفض العديد من عناصر الإخوان لعبته في السلطة، وتعمقت التصدعات بدرجة كبيرة خلال الشهور القليلة الماضية.

فشل عزت في بسط سيطرته يعكس تغيرا ملحوظا داخل الثقافة الداخلية للجماعة. 

في معظم العقدين الماضيين، هيمن على الإخوان فصيل متشدد يحمل اسم "القطبيون" وهم أتباع المنظر الإخواني الراديكالي سيد قطب، الذي ألهمت دعوته للجهاد العالمي لاحقا القاعدة وحركات "إرهابية" أخرى.

شأنه شأن باقي قيادات الإخوان في جيله، زج بعزت في السجن مع قطب قبل إعدام الأخير بتهمة التخطيط لقلب نظام عبد الناصر عام 1966.

وبالرغم من محاولة عزت التخفيف من أكثر العناصر تطرفا في كتابات قطب، لكنه مع رفاقه القطبيين يتبنون دعوته لخلق "طليعة" تبقى "بمعزل" عن المجتمع الأوسع نطاقا إلى أن تؤسس الحكم الإسلامي.

وحتى انتفاضة الربيع العربي في يناير 2011 التي أنهت ثلاثة عقود من حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، كان القطبيون ينظرون إلى سعي الإخوان وراء السلطة كهدف بعيد المدى، وعملوا في هذه الأثناء لبناء منظمة متماسكة فكريا عبر تجنيد الأتباع الأكثر إخلاصا وإعدادهم للسلطة عندما يحين الوقت.

ووقف القطبيون عادة ضد التعاون السياسي مع غير الإسلاميين خوفا من أن يتسبب ذلك في إجبار الإخوان على التنازل عن مبادئهم الإسلاموية.

مثل هذا النهج الانعزالي وضع القطبيين في خلاف مع فصيل أخواني آخر يسمى "الإصلاحيون".

وبالرغم من مشاركة الإصلاحيين  هدف القطبيين طويل المدى في تأسيس دولة إسلامية، لكنهم يعتقدون أن الجماعة تستطيع الترويج لأجندتها بشكل أفضل عبر قدرة على التواصل أوسع نطاقا، بينها التنسيق مع جماعات ليست إسلامية حول  أهداف سياسية مشتركة.

وهكذا، قاد الإصلاحيون جهود الإخوان الخاصة بتنظيم وكسب السلطة داخل النقابات المهنية أثناء تسعينيات القرن المنصرم.

وشارك الشباب الإصلاحيون داخل الجماعة في ائتلافات معارضة تضمنت قوى غير إسلامية.

الإصلاحيون الإخوان كذلك كانوا في مقدمة عناصر تواصل الجماعة مع المجتمع الدولي، وتغذية ذلك السرد حول "إخوان معتدلين" ونقلوا هذا إلى دوائر أكاديمية وسياسية غربية.

بيد أن الإصلاحيين دائما مثلوا أقلية صغيرة داخل هيكل القيادة الإخواني، حيث دأب القطبيون، بقيادة عزت غالبا، على تهميشهم عند حدوث خلاف معتبر.

وعلى سبيل المثال، عندما حاول إصلاحيون شباب تأسيس حزب سياسي إخواني التوجه عام 1996 ضد رغبة مكتب الإرشاد التنفيذي، جرى إبعادهم عن الجماعة.

وبالمثل، عندما انتقد قائدان إصلاحيان عام 2007 برنامجا إخوانيا يدعو لحظر غير المسلمين من الترشح لرئاسة مصر، جرى التصويت لإقصائهما من المكتب التنفيذي في انتخابات داخلية لاحقة.

وأبعدتهما الجماعة  لاحقا لاستمرار عصيانهما في أعقاب انتفاضة 2011.

وعندما رفضت مجموعة من كوادر الإخوان الشابة مرسوما من مكتب الإرشاد يأمر أعضاء الجماعة بدعم حزب الحرية والعدالة الناشئ آنذاك في مارس 2011، تعرضوا أيضا للإقصاء.

وفي كافة هذه الأمثلة، تمكن القطبيون من خلال فرضهم الناعم للنظام من منع تحول الخلافات الداخلية إلى تصدعات كبيرة.

وبالفعل، فإن من تبقى من إصلاحيين داخل الجماعة ساروا على الخط، بالرغم من تلك الإستراتيجية العدوانية المتزايدة التي رسمها القطبيون في السنوات التي تلت الإطاحة بمبارك.

وهكذا، ظل الإخوان متحدين على نحو محكم خلال الانتخابات المتعددة والاستفتاء عامي 2011 و2012، والتي تمكن فيها العدالة والتنمية من الفوز بمجلسي البرلمان، كما ظفر محمد مرسي مرشح الإخوان بمقعد الرئاسة.

وفي منتصف المسافة تقريبا من فترة رئاسة مرسي التي امتدت لعام، ظهرت تصدعات جديدة داخل الإخوان.

في نوفمبر 2012، أصدر مرسي إعلانا دستوريا منحه سلطة تنفيذية ليست قابلة للمراجعة.

واستغل مرسي بعد ذلك الأزمة التالية للتعجل بوضع مشروع دستور إسلامي أمام استفتاء.

وبينما تجمعت حشود هائلة أمام القصر الرئاسي مطالبين بالإطاحة بمرسي، هددت كواد شبابية إخوانية برد فعل عدواني.

وكتب جهاد الحداد نجل مستشار مرسي للسياسة الخارجية آنذاك عبر حسابه على تويتر: “عندما يكون مستقبل مصر في الميزان، نضحى على أتم استعداد لدفع الثمن بأرواحنا لا أصواتنا".

ودعا آخرون إلى "تطهير" البلد من منتقدي مرسي.

قيادات الإخوان حاولوا في البداية تهدئة العناصر الشبابية عبر توجيههم للتظاهر دعما لمرسي في مكان منفصل عن التظاهرات المناهضة له.

ولكن، بينما تصاعدت الضغوط من أسفل من أجل فعل أكثر مباشرة، وجد القطبيون معاناة في احتوائه.

وبعد كل ذلك، فإن دعوة الشباب لمواجهة معارضي مرسي تمثل نموا مباشرا  لرفض القطبيين الأيديولوجي الوصول إلى نسوية وسطية مع غير الإسلاميين.

ولذلك، رضخ مكتب الإرشاد التنفيذي في النهاية وحشد أعضاء الجماعة من أجل" حماية شرعية مرسي" أمام القصر الرئاسي في الخامس من ديسمبر 2012.

وكان ذلك أحد أكثر القرارات الإخوانية ضررا، حيث ساعدت على تصادمات متعددة بين الإخوان ومحتجين مناهضين لمرسي قُتل فيها 10 أشخاص.

هجوم الإخوان على المتظاهرين أصبح صرخة حشد بالنسبة لمعارضي مرسي.

واستجاب الجيش المصري في نهاية الأمر إلى الاحتجاجات المتصاعدة والعنيفة من خلال عزل مرسي عن السلطة في الثالث من يوليو 2013.

الحكومة الجديدة المدعومة عسكريا شنت بعد ذلك حملة قمعية شديدة ضد الإخوان قطعت رأس الجماعة بشكل مؤثر.

ومع وجود قيادات الإخوان في السجون أو المنفى أو وجودهم رهن الاختباء،  اكتسبت الكوادر الشبابية فجأة تأثيرا ملحوظا.

وعندما عقدت الإخوان انتخابات قيادة جديدة في فبراير 2014، أسفر ذلك عن استبدال 65 % من القيادات القديمة، علاوة على أن  90 % من الوافدين الجدد ينتمون لجيل الشباب.

وبخلاف القطبيين، الذين عادوا لرؤية صراع  الإخوان باعتباره "طويل المدى"  فإن شباب الجماعة روجوا لحالة ثورية من أجل زعزعة نظام السيسي بأسرع ما يمكن.

وتحت قيادة الشباب، تبنت الإخوان "الجهاد" والشهادة" في بيان صدر في يناير 2015، وروجوا في صفحات السوشيال ميديا لهجمات على القوات الأمنية والبنية التحتية.

وفي ذات الأثناء، همش الشباب القيادات القطبية، مثل الأمين العام محمود حسين، الذي أدار الجماعة من الخارج أثناء العام الذي أعقب عزل مرسي.

القطبيون حذروا بشكل متكرر قيادات الإخوان من أن هذا النمط من العنف الثوري قد يشرعن قمع النظام ضد الجماعة.
 

وعندما جرى تجاهل تلك النصيحة، تولى القطبيون الأمور بأيديهم. ففي بيان صدر في مايو 2015، حاول حسين إعادة تنصيب نفسه أمينا عاما، لكن القيادة الشبابية رفضوا تلك المحاولة، وبدأت أنباء الشقاق تتدفق في العلن.

ودشن شباب الإخوان هاشتاج " مش هنرجع لورا"  على مواقع التواصل الاجتماعي ضد ما يسمى "الانقلاب الناعم" للقطبيين.


ولحل تلك الأزمة، أعلنت  "اللجنة الإدارية العليا"، التي أُسست لإدارة شؤون الإخوان داخل مصر أنها ستحقق في الشقاق وتعاقب المسؤولين عنه.


ولكن في أواخر مايو وأوائل يونيو، ألقت السلطات المصرية القبض على ثلاثة من كبار القيادات الإخوانية الباقية في ضاحية بالقاهرة، وهو ما أوقف التحقيق المذكور.

وفي ذات الأثناء، ظهر شقاق جديد بين مكتبي الإخوان في لندن وإسطنبول.


مكتب إسطنبول مُنح السيطرة على نشطاء الإخوان في المنفى بعد عزل مرسي.


لكن دعوات الأعضاء الشباب لمكتب إسطنبول لثورة عنيفة في مصر وضعت ضغوطا على مكتب لندن، التي كانت الحكومة البريطانية تحقق في شأنه.


وحاول مكتب لندن لذلك النأي بنفسه عن مكتب إسطنبول عبر إصدار أوامر لأعضائه بالتوقف عن الاتصال به.

وحاولت اللجنة الإدارية العليا في القاهرة تهدئة الأزمة الجديدة عبر تشجيع المكتبين على التعاون، لكن مكتب لندن رفض، وحول أمر نظيره في إسطنبول  إلى محمود عزت، الرجل الحديدي، من أجل تحقيق آخر.

واندلعت التوترات مجددا في العلن منتصف ديسمبر، عندما دعا محمد منتصر المتحدث الشاب باسم  الإخوان( يرجح أن يكون اسما مستعارا) إلى احتجاجات داخل مصر لإسقاط الجيش في 25 يناير، التي تمثل الذكرى الخامسة لانتفاضة 2011.

وكان رد فعل القطبيين غاضبا، حيث اتهموا منتصر ورفاقه من شباب الإخوان بانتهاك إجراءات اتخاذ القرار بالجماعة، وأعلن عزت استبعاد منتصر من منصب المتحدث الرسمي.

لكن تلك الخطوة عمقت فحسب من الشقاق داخل الجماعة.

وبالرغم من أن محمد عبد الرحمن المرسي، أكثر قيادات الإخوان بروزا داخل مصر أيد خطوة القطبيين واتهم الشباب بمحاولة احتكار السلطة داخل الجماعة، لكن 16 مكتبا إقليميا على الأقل رفضت موقف القطبيين.

وأحال مكتب الإسكندرية قرار عزت بشأن المتحدث الرسمي إلى التحقيق.

الفصيلان بعد ذلك أعلنا بوابات إعلامية مختلفة، حيث ظل الإخوان مسيطرين على موقع "إخوان أون لاين"، فيما أسس القطبيون موقعا جديدا يحمل اسم "إخوان. سايت".

وفي الأسابيع الأخيرة، حاول يوسف القرضاوي، الداعية المقيم بقطر، التوسط لحل الأزمة، واقترح مساعده مؤخرا أن يؤسس الإخوان لوائح جديدة لإدارة الجماعة، لكن سيكون من الصعب وضع الطرفين معا مجددا.

رغم أن الشقاق داخل الجماعة يرتبط صراع أجيال بشكل جزئي، لكنه يعكس الاختلافات الحادة المتعلقة بأهداف وإستراتيجية الإخوان، وإذا ما كان ينبغي عليها السعي إلى السلطة الآن، مثلما يطلب الشباب، أو في المستقبل البعيد مثلما يؤمن القطبيون.

الاختلافات كذلك تتمثل في ماهية الأدوات التي ينبغي استخدامها من أجل فرض الحكم الإسلامي.

هذه الأسئلة باتت نظرية بشكل متزايد. حيث أن محو الحكومة المصرية للإخوان داخل مصر يعني أن الجماعة لا تمتلك حظوظا واقعية قريبة للصعود إلى السلطة.
ولهذا، فإن فصائل الإخوان المتنوعة لا تمتلك إلا القليل من الحافز للتوحد سعيا وراء طموحات مشتركة.

وللتأكيد، فإن رؤية الإخوان لتأسيس دولة إسلامية داخل مصر لن تتبخر، لكن النظام الداخلي الصارم الذي يحدد صنع القرار والتعبئة بات الآن شيئا ينتمي للماضي. وبناء عليه، فقد أصبح "الرجل الحديدي" الآن مجرد "أثر قديم".

رابط النص الأصلي

اقرأ أيضا

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان