رئيس التحرير: عادل صبري 03:12 مساءً | الجمعة 19 أكتوبر 2018 م | 08 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

يحيى غانم لهافينجتون بوست: بلد بلا مناعة

يحيى غانم لهافينجتون بوست: بلد بلا مناعة

صحافة أجنبية

الكاتب الصحفي يحيى غانم

يحيى غانم لهافينجتون بوست: بلد بلا مناعة

وائل عبد الحميد 20 ديسمبر 2015 23:27

"أول ما تستهدفه الفيروسات داخل الجسم البشري هو الجهاز المناعي. وعلى غرار ذلك،فإن حرية التعبير، وعلى الأخص، حرية الصحافة، هي الهدف الأول للديكتاتوريات. وإذا نجحوا في مسعاهم، تضحى مهمة الطغاة أكثر يسرا في السيطرة على شعوبهم، وامتصاص ثرواتهم، وأرواحهم".

جاء ذلك في مقال للكاتب الصحفي المصري يحيى غانم بموقع هافينجتون بوست تحت عنوان "بلد بلا جهاز مناعي".

وإلى نص المقال
 

إذا كان ذلك هو الحال، وهو كذلك الفعل، إذا فاسمحوا لي بالتحدث عن الحاجة إلى الحد من قدرة الأقطار العربية، لا سيما مصر، من استخدام الإعلام كسلاح مميت.
 

الإعلام، في أيدي الطغاة، استخدم لقتل أشخاص لمجرد أنهم مناهضون للنظام الحاكم، إما سياسيا أو أيديولوجيا.
 

غني عن القول أن معظم من قتلوا وأطلق عليهم"إرهابيين" لم يدانوا إلا لانتمائهم للمعارضة السلمية.
 

الكذب المحض بكونهم "إرهابيين" يستخدم لتبرير جرائم غير مبررة.
 

وفي مراجعة سريعة لخريطة الصحافة في 17 من 22 دولة عربية، وجدنا ما يلي بشكل تقريبي:
 

- 3000 جريدة ومجلة
 

- 29 صحفيا تابعا لصحف مطبوعة
 

- 1800 محطة تلفزيونية وإذاعية
 

- 30 ألف صحفي تلفزيوني وإذاعي

 

وبالرغم من ذلك، فإن الجدير بالملاحظة أن 26 “% من هؤلاء الصحفيين مصريون يعملون خارج وداخل مصر.
 

ومن المهم أيضا ملاحظة أن مصر هي أولى الدول العربية التي قدمت الصحافة للشرق الأوسط، بالمفهوم المعاصر للكلمة، بفضل الغزو الفرنسي عام 1799.
 

وعلى مدى عقود، أصبحت مصر منارة للعالم العربي في العديد من الأمور، بينها الصحيفة.
 

ولهذه الأسباب وغيرها، لن أحصر نفسي إذا قمت بفحص الحالة المصرية، التي تعد المعيار الأفضل لمعرفة عمق الهاوية التي بلغتها الصحافة في العالم العربي.

 

وأيضا، في ظل اليأس العميق الذي بلغناه في مصر، لن أتحدث عن حرية الصحافة وحرية التعبير، لكني سأتحدث عن غيابهما.
 

أتحدث عن كيف أصبح الإعلام في مصر آلة قتل عندما جرى قمع حرية التعبير،والحملة القمعية القاسية التي استهدفت الصحفيين المستقلين.
 

أتحدث عن 12 صحفيا زميلا قتلوا خلال آخر عامين ونصف.
 

أتحدث عن 107 صحفيا آخرين جرى اعتقالهم، معظمهم دون اتهامات، وبعضهم بمحاكمات معلقة، وبعضهم أمام المحاكمات يدافعون عن أنفسهم ضد اتهامات زائفة.
 

أتحدث عن 10 محطات تلفاز على الأقل تعرضت للإغلاق.
 

أتحدث عن هذه الإحصائيات التي أسفرت عن هبوط مصر إلى المركز 159 من إجمالي 180 في مؤشر حرية الصحافة.
 

سوريا هي الدولة العربية الوحيدة التي كسرت رقم مصر حيث قبعت في المركز 177 قبل الثلاثي الأخير تركمانستان وكوريا الشمالية وإريتريا.
 

وبالرغم من ذلك، أشعر أن من واجبي تقديم حقائق وأرقام ربما تعطي صورة أفضل لما نتحدث عنه.
 

في الوقت الحالي، ثمة 45 ألف معتقل في السجون المصرية، ومن المرجح أن يزيد هذا الرقم.
 

وبتحليل هذا الرقم، نجد أنه يتضمن ما يلي:
 

-1365 من الإناث اللاتي اعتقلن لمجرد ممارسة حقهن في حرية التعبير.
 

- 1489 طفلا خلال الحقبة العمرية بين 12-18، بينهم 65 يعانون من أمراض خطيرة.
 

- 1618 يعانون من أمراض خطيرة معظمها قاتلة.
 

- 38 معتقلا قضوا نحبهم، بعضهم نتيجة للتعذيب، وآخرون جراء الإهمال الطبي.
 

-4806 من خريجي الجامعات الجدد أو طلاب جامعيين من مناطق مختلفة من العالم.
 

- 224 من أساتذة الجامعات أو العلماء، بينهم في قائمة تميز "Who in the World”.
 

وعلى ضوء هذه الحقائق والإحصائيات، التي هي مجرد نماذج للعديد من الانتهاكات الأخرى، يتضح جليا مدى فداحة الوضع في مصر.
 

بحلول 2010، وصلت مصر إلى السطر الأخير في ديكتاتورية مبارك طويلة المدى، وحدثت حالة من الهياج في الشوارع، مصحوبة بمظاهرات وإضرابات مدنية على أساس يومي.
 

وبعد ذلك كله، كان ضروريا إقحام بعض الأمور المشوشة لصرف انتباه الشعب عن قضيته الأساسية، الحرية.
 

أتذكر في مساء أحد أيام يناير 2010، رأيت في أحد برامج التوك شو محادثة بين صحفيين، أحدهما كمذيع، والآخر كضيف.
 

وتحولت المحادثة إلى انتشار ما تسمى "البهائية" في جنوب مصر.
 

روعني عندما حددوا أسماء قرى بعينها زعموا أن مسلميها تحولوا إلى الديانة البهائية.
 

لم تكن المشكلة في طرح القضية، وكأنها بالفعل قضية.
 

لكن المشكلة الأكثر خطورة كانت في خطاب الكراهية واللغة التحريضية المستخدمة.
 

وفي هذه اللحظة، توقعت أن تحدث كارثة خلال ساعات.
 

ولسوء الحظ، فاقت النتائج توقعاتي، ففي اليوم التالي، تم إشعال النيران في منازل هؤلاء الذين زُعم تحولهم إلى البهائية.
 

هل استجوبت الحكومة هذين الصحفيين؟ بالطبع لا، لأنهما فعلا أشياء مماثلة في الماضي.
 

سمعتهما تسبقهما، فهما صحفيان معروفان منذ سنوات عديدة باستعدادهما لتقديم هذا النوع من الخدمات إلى الطغاة.
 

وفي غياب حرية التعبير، وحرية الصحافة فإنهما يمضيان قدما في ممارساتهما.
 

لا حاجة إلى القول إلى أن مثل هذه البرامج تكاثرت وتسرعت منذ هذه الواقعة.
 

أتحدث عن تغيير رئيسي، وتحولا جذريا، حيث تفرض الديكتاتوريات الممارسات الإجرامية على الإعلام.
 

وبدلا من أن يكون الإعلام بمثابة جهاز مناعة يحقق المساءلة ويلتزم بالشفافية، تحول إلى ماكينة قتل، وعندما أقول ذلك، أعنيه حرفيا، فيما يتعلق بالكثير من الحالات.
 

غني عن القول إن الديكتاتوريات لا تستطيع أن تفرض ذلك التحول الجذري دون غلق منافذ الإعلام المستقل والصحفيين المستقلين. وهو ما حدث تماما في بلدي خلال آخر عامين ونصف.
 

وفي 3 مايو 2012، كنت أخاطب حشدا من الجمهور بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، وقلت وقتها: “في تلك المناسبة، أريد أن أبدأ باقتباس لمارتن لوثر كينج العظيم قال فيه: “لدي حلم". ولكن أن أقف بنفسي في محاكمة تعرف السلطات إنها زائفة تماما يجعلني أقول "لدي كابوس".
 

ومن المفارقة، أن يأتي هذا الاحتفال في ذروة محاكمتي، التي دافعت فيها عن اتهامات تتعلق باعتزامي تدريب صحفيين مصريين ليكونوا أفضل.
 

وبعض النظر عن السبب، لكن اتهامي كان على مجرد النية، إذ لم يكن قد بدأ برنامج التدريب بعد.
 

وفي حياتي برمتها، لم أكن أتخيل مثل هذا الاتهام.
 

لكن غضبي في ذلك اليوم لم يكن فحسب جراء ذلك، لكن من صحفيين زملاء أعرفهم منذ سنوات، أو هكذا ظننت، لكنهم اتبعوا تعليمات تنفيذية لتشويه سمعتي والحط من قدرتي خلال تغطيتهم للمحاكمة.
 

الأسوأ من ذلك هم المحامين المدنيين الثلاثة الذين حضروا جلسات محاكمتي، حيث قالوا للقاضي إن الاتهامات تستحق عقوبة الإعدام.
 

المثير للسخرية، أن نفس الصحفيين اشتكوا للقاضي وسط المحاكمة أنهم لم يحصلوا على نسخة مجانية من أوراق القضية، حيث كان عليهم دفع ما يوازي 800 دولار أمريكي مقابل الحصول عليها.
 

وبكلمات أخرى، لقد طلبوا عقوبة الإعدام ضد صحفي دون أن يقرأوا أوراق القضية.
 

كنت الصحفي الأول، في سلسلة من القضايا الزائفة،الذي أمثل أمام المحاكمة، وصدر ضدي حكما بالسجن عامين مع الأشغال الشاقة.
 

وبدأت المحاكمة بعد 8 شهور من تنحي مبارك، وصدر الحكم قبل 29 يوما فحسب من استحواذ المارشال السيسي على الحكم من مرسي في 3 يوليو 2013.
 

الغرض الأساسي من القضية كان تشويه ثورة 25 يناير، وتصويرها على أنها مخطط ضد مصر.
 

ومهما كانت هوية من فبرك تلك القضية، فقد استخدم الإعلام (العام والخاص) الذي تسيطر عليه الدولة للترويج للأكاذيب.
 

ذكريات هذه الأحداث يجعل قلبي ينفطر من أجل هؤلاء الصحفيين الذين يواجهون محاكمات، ووضعوا في ذات القفص، . وكذلك من أجل الصحفيين الزملاء القابعين حاليا في السجون.
 

ولهذا السبب، أناشد الصحفيين المستقلين أن يتعلق كل منهم بالآخر، وإلا سيتعلق كل منا بجانب الآخر.
 

وفي ذات الأثناء، أقول للرئيس السيسي أن هناك دائما فرصة لإعادة النظر في الأمور، التي لن تكون سيئة إذا كانت بهدف المصالحة.
 

لن يكون الأمر أبدا متأخرا إذا ارتبط بالمصالحة التي تستوجب التوقف عن الظلم كخطوة أولى.

 

رابط النص الأصلي

اقرأ أيضا

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان