رئيس التحرير: عادل صبري 12:46 صباحاً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

هآرتس: من يوقف داعش؟

هآرتس: من يوقف داعش؟

صحافة أجنبية

استعراض عسكري لداعش

هآرتس: من يوقف داعش؟

معتز بالله محمد 22 نوفمبر 2015 19:54

خلص المحلل الإسرائيلي المخضرم "شلومو أفنيري" إلى أنه لا يمكن القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلا من خلال عملية برية واسعة، فلا غارات التحالف الدولي نجحت على مدى عام في إضعاف قوى التنظيم، ولا الغارات الروسية ستنجح في تصفيته.

 

 

وحول الجهة التي يمكنها تنفيذ تلك العملية نيابة عن العالم طرح "أفنيري" في مقال بصحيفة "هآرتس" تحت عنوان "من يوقف داعش"، 4 خيارات أولها الولايات المتحدة الأمريكية، ثم الجيش السعودي مدعوما بقوات خليجية، بينما جاء السيناريو الثالث ممثلا في تركيا، وأخيرا إيران.

 

لكن كل خيار طرحه "أفنيري" ينطوي على إشكاليات عديدة تحول دون تنفيذه، لذلك فقد خلص إلى أنه من الصعب القضاء على التنظيم حالياـ وأن العالم يجب أن يتحرك من منطلق أن "قوة وحشية يمكن القضاء عليها فقط بواسطة قوة وحشية".


 

إلى نص المقال..

في 12 نوفمبر، قبل يوم من الأحداث الدامية في باريس، ظهر الرئيس الأمريكي باراك أوباما في حديث تلفزيوني بمناسبة سفره إلى قمة مجموعة الـ 20 في تركيا.

 

سأله المحاور جورج ستيفانوبولوس، إذا ما كان يرى أن داعش يزداد قوة، وأجاب أوباما :”لا أعتقد أن قوى داعش تتزايد. كانت لدينا نية من البداية لاحتوائه، ونجحنا في احتوائه".
 

لم تكن هذه المرة الأولى التي يظهر فيها الفارق بين خطاب أوباما (المذهل بلا شك) وبين الواقع. في الأسابيع الماضية حقق داعش إنجازات مذهلة: عمليات تفجير وعشرات القتلى في أنقرة وبيروت، وإسقاط طائرة ركاب روسية بسيناء، وغداة تصريح أوباما الغريب- سلسلة هجمات في باريس.

 

تهاجم الولايات المتحدة منذ عام أهداف تابعة لداعش من الجو، باستمرار لكن بمعدل منخفض، وفي الشهر الماضي بدأ سلاح الطيران الروسي يقوم بنفس العمل. لكن لا يبدو أن هذا يضعف التنظيم. في نهاية الأمر، معروف أن الحرب لا يتم حسمها فقط عبر الهجمات الجوية.

 

تحول داعش في العام الأخير من تنظيم إرهابي مجرد إلى جهة تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي في سوريا والعراق. ولم يعد عليه العمل في السر. فالسيطرة على الأرض، تسمح له بتخطيط خطواته بشكل أريحي بالشرق الأوسط وخارجه، حتى إن لم يكن مريحا الاعتراف بذلك، فلا يمكن تجاهل حقيقة أن موجة اللاجئين إلى أوروبا وحرية الحركة داخل الاتحاد الأوروبي (وفقا لاتفاقية شنجن) سهلت عليه تنفيذ مخططاته.

 

وبشكل تدريجي بدأ العالم كله يفهم، أنه لا مناص من محاربة التنظيم وأنه بدون زعزعة القاعدة الإقليمية لداعش لا يمكن التغلب عليه. لا يمكن للمنظومة الدولية- وليس فقط في الغرب- قبول عنصر ذي سلطة إقليمية يتجاهل تماما كل المعايير الدولية ولا يخضع بأي شكل للقيود المفروضة اليوم على الدول ذات السيادة.

 

هذا لا يمنع الحاجة لاتخاذ تدابير عاجلة في أوروبا نفسها، لكن منبع الشر هو قدرة داعش على السيطرة الإقليمية بلا مسئولية أو قيود. لن تكفي منظومة استخبارات أكثر تطورا من تلك التي بإمكان الاتحاد الأوروبي تقديمها اليوم لمنع مثل هذا الحدث أو غيره. هذا مهم، لكنه غير كاف.

 

من ناحية، يمكن تفهم الإحجام- الأمني والأخلاقي أيضا- عن شن عملية برية: فلا أحد يريدها الآن. ومع هذا يبدو أنه بعد باريس سوف يتضح أكثر واكثر أنه لا مناص منها. يمكن التخمين أن مثل هذه الاقتراحات سوف تطرح قريبا بمجلس الأمن.

 

وفي ظل التدخل الروسي في القتال الجوي وتقديم المساعدات اللوجيستية بسوريا، فإن هناك احتمالات معينة أن تدعم موسكو تلك الخطوات ولا تستخدم ضدها حق النقض. فالآن، وليس كما الماضي، روسيا أيضا مهددة.

 

يبقى السؤال، من يملك القدرة العملياتية واللوجيستية لتنفيذ هذه الخطوات. على ما يبدو هناك ثلاثة خيارات، لكن جميعها معقدة وتنطوي على إشكاليات.

 

الخيار الأول، بالتأكيد، هو الولايات المتحدة- القوى العظمى في العالم وقائدة حلف الناتو. يمكن سماع إشارة إلى هذا الخيار في كلام الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، الذي قال إن هجمات 13 نوفمبر هي "عمل حرب". وهو ما يحمل توجها واضحا لمبدأ الأمن الجماعي الكامن في المادة 5 من معاهدة الناتو، والتي تقضي بأن أي هجوم على دولة عضو يعتبر هجوما على كافة الدول الأعضاء. هكذا تصرفت الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.

 

لكن خطوة كهذه ستكون كارثية، ليس فقط بسبب فشل أمريكا (التي تلقت دعما جزئيا من الناتو) في أفغانستان والعراق. فأي تدخل عسكري غربي سوف يفسر في العالم العربي والإسلامي، بحق، كمحاولة جديدة للسيطرة الاستعمارية. ولا يمكن تجاهل هذا، أن ازدهار داعش حدث بمعدل معين على يد التدخل الأمريكي الفاشل في العراق.

 

هذا بخلاف أن التدخل الغربي لن يحظي بتأييد روسي، لاسيما في ضوء حقيقة أن الغرب يعتقد بضرورة إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، بينما تريد موسكو أن تحافظ على الأقل على نظامه، إن لم يكن على وضعه الشخصي.

 

يمكن أن نأمل، أنه بعد الردود العاطفية المفهومة في أعقاب ما جرى في باريس، فإن الدول الغربية لن تنجر إلى هذا الطريق السفلي، في ظل شكوك حول حصولها على دعم سياسي، رغم الخطاب المؤثر في الأيام الأخيرة.

 

الخيار الثاني، الذي يبدو أكثر منطقية، هو، أن تقود العملية البرية عناصر إسلامية، ترى في داعش تهديدا لها- وفي مقدمتها السعودية ودول الخليج. المشكلة هي أنه ليس لهذه الدول جيوش حقيقية يمكنها تنفيذ مثل هذه الخطوات، رغم امتلاكها أسلحة طيران ماهرة نسبيا.

 

علاوة على ذلك: أحد الاستنتاجات من السنوات الماضية أن الجيوش العربية النظامية تتفتت وتتلاشى عندما تواجه تحديات. هذا ما حدث للجيش العراقي في عهد صدام حسين وكذلك للجيش العراقي الجديد، الذي دُرب على يد الولايات المتحدة ومول بسخاء بأموال أمريكية. وهو ما حدث أيضا للجيش السوري التابع للأسد.

 

يتضح، أنه في عالم الديكتاتوريات العربية لا يمكن الاعتماد في ساعة الصفر على جيوش متعمدة على تجنيد شعبي حاشد. فمن يريد الموت لأجل طاغية؟ تتفكك هذه الجيوش عندما ينسحب جزء ملحوظ من جنودها بساطة. في المقابل، فإن المقاتلين الذين يتمتعون بحافز ديني عميق (يسهل توجيهه للقتل المروع) ينجحون بشكل أكبر- انظروا إلى حزب الله وحماس من جانب وداعش من الجانب الآخر. هذا صحيح أيضا بالنسبة للوحدات الكردية- التي تقاتل عناصرها على البيت.

 

لم يكن من قبيل الصدفة، أن حكومة بغداد اضطرت للاعتماد على مليشيات شيعية لأن جيشها تفكك، ونظام الأسد يعتمد على وحدات حزب الله والحرس الثوري الإيراني.

 

هل يمكن تشكيل وحدات عربية- حتى لو صغيرة- لديها حافز قوي لقتال داعش؟ لست مقتنعا بذلك، والمحاولات الأمريكية لتدريب وحدات نخبة كهذه كانت مثيرة للشفقة، رغم أنهم أنفقوا عليها مئات الملايين من الدولارات. يمكن للسعودية ودول الخليج تمويل عمليات برية، لكنها ليس لديها جيش بإمكانه القيام بذلك.

 

الخيار الثالث هو تركيا، التي وكونها دولة سنية لديها شرعية داخلية لمواجهة التطرف السني لداعش. لكن تاريخ رجب طيب أردوغان فيما يتعلق بداعش معقد. لذلك يصعب التكهن، أن تركيا سوف تحظى بثقة مطلقة من الدول العربية السنية، وتنظر إليها روسيا بريبة بسبب الخلافات حول مستقبل النظام البعثي.

 

كذلك، فإن مشهد الجيش التركي وهو يتجاوز حدود سوريا والعراق ويحتل أراض عربية يمكن أن يثير في العالم العربي مخاوف من استعمار عثماني جديد.

 

هناك خيار آخر- إيران. لكن يصعب التكهن، أن دولة سنية ما ستكون مستعدة لدعم عملية سوف تعزز فقط هيمنة طهران الشيعية، كذلك سوف تنظر أوروبا والولايات المتحدة إلى ذلك بريبة. فبضع كتائب تابعة للحرس الثوري الإيراني شئ، لكن غزو بري كثيف من قبل إيران لسوريا- شئ آخر.

 

عرض الصعوبات التي يطرحها كل واحد من هذه الخيارات يمكن أن يقود مراقبين وسياسيين (لن نتحدث عن مثقفين يخشون استخدام القوة، لأسباب أخلاقية) إلى استنتاج مفاده أنه ليس هناك جدوى من التفكير في عملية عسكرية تقضي على القاعدة الإقليمية لداعش. في العالم المثالي يمكن الحديث عن عملية أمريكية- روسية مشتركة، لكن هذا على ما يبدو لن يحدث.

 

مع ذلك، يجب علينا ألا نستغرق في الأوهام. يصعب التكهن، أن بالإمكان وضع حد لتهديد داعش دون عملية برية، ويصعب وصف وضع المنظومة الدولية - “العالم"- وهي تسلم لوقت طويل بوجود كيان إقليمي يعمل على الأرض مثلما عمل لصوص البحر في مطلع العصر الحديث.

 

مر وقت طويل حتى جرى تصفية هؤلاء بوحشية، وبشكل يخالف ما كان معمولا به آنذاك كالقانون الدولي، لكن لم يكن هناك طريق آخر للقضاء على ظاهرة القراصنة الذين انقضوا على سفن التجارة، ونهبوها وباعوا الأسرى في سوق النخاسة.

 

داعش ينتمي إلى هذه الزمرة، وحتى إذا ما تعذر في الوقت الراهن إيجاد طريقة مناسبة للقضاء عليه، فإننا مضطرون للقيام بذلك. لن يكون هذا سهلا أو بسيطا أو أنيقا. الحقيقة المُرة أن قوة وحشية يمكن القضاء عليها فقط بواسطة قوة وحشية.

 

الكاتب: شلومو أفنيري ولد عام 1933 بروفيسور في العلوم السياسية بالجامعة العبرية بالقدس المحتلة، حائز على جائرة إسرائيل في أبحاث العلوم السياسية عام 1996، عضو الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للعلوم، والمدير العام السابق لوزارة الخارجية.

 

 

الخبر من المصدر..

 

اقرأ أيضا:-

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان