رئيس التحرير: عادل صبري 03:13 صباحاً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

جارديان لكاميرون: بعد تحية ثوار يناير..لماذا ترحب بالسيسي؟

جارديان لكاميرون: بعد تحية ثوار يناير..لماذا ترحب بالسيسي؟

صحافة أجنبية

الرئيس السيسي

جارديان لكاميرون: بعد تحية ثوار يناير..لماذا ترحب بالسيسي؟

وائل عبد الحميد 02 نوفمبر 2015 00:53

تحت عنوان" السيسي يأتي إلى لندن: لماذا يرحب ديفيد كاميرون بالمستبد المصري؟" أوردت صحيفة الجارديان تقريرا مطولا للكاتب جاك شينكر.

وإلى نص التقرير

في 2011 أشاد رئيس الوزراء البريطاني بالديمقراطية في ميدان التحرير. والآن يستقبل عبد الفتاح السيسي بذراعين مفتوحين.

 

ماذا يفعل رجل، أشرف على قتل أكثر من 2500 مناهض سياسي، في داونينج ستريت.
 

في مقطع فيديو سجلته الكاميرات الإخبارية..تستطيع أن ترى ديفيد كاميرون محاطا بالعديد من حراسه، يمر على بائعي أعلام، وبندق، وسط الصخب المحبب لميدان التحرير.

 كان ذلك في فبراير 2011، بعد عشرة أيام من الإطاحة بالديكتاتور  حسني مبارك.

واندفع سكان محليون لرؤية سبب تلك الجلبة، وتعالت صيحات الترحيب بكاميرون.

وفي لحظة ما هرول طفل صبغ وجهه على الطريقة الثورية بألوان العلم المصري نحو كاميرون وابتسم.

وسأله كاميرون بالإنجليزية : “ هل تشعر بالسعادة الآن؟ لكن الطفل لم يستوعب العبارة، فأومأ له رئيس الوزراء البريطاني إيماءة رضا، وعقد على يديه مبتسما.

مشهد  كاميرون وهو يتمشى في هذا المعلم الثوري كانت بهدف نقل رسالة معينة مفادها أنه بعد عقود من تقديم دعم لأحد أكثر المستبدين الراسخين بالشرق الأوسط، باتت بريطانيا مستعدة لاحتضان نمط جديد من السياسة.

ونقلت بي بي سي آنذاك عن كاميرون قوله: “لقد التقيت مع قادة الحركة الديمقراطية، إنهم حقا أناس شجعان فعلوا أشياء فوق العادة بميدان التحرير، نريد أن تحظى مصر بمستقبل قوي وناجح، نرغب في أن تتحقق تطلعات الشعب المصري للديمقراطية والحرية والانفتاح، الأشياء التي نحظى نحظى بها كأمور مسلم بها".

وبعد نصف عقد تقريبا من هذا المشهد، يعود كاميرون للاحتفاء بمصر، وتتسلط الكاميرات مجددا لالتقاط هذه اللحظة، لكن الصور ستكون شديدة الاختلاف.

الأسبوع المقبل، من المقرر أن يلبي الرئيس السيسي دعوة زيارة  داونينج ستريت، وينتظر أن تفرش له السجادات الحمراء، ويتبادل الهدايا، وتتصافح الأيادي.

صورة كاميرون مع السيسي لن تكون احتفالا  بسياسات جديدة لكنها تنقل أشكالا من السلطة أكثر اعتيادية، ظلت محصورة بشكل آمن داخل السلطات التنفيذية والجيش والنخب.

الكلمات الطنانة التي ستتردد على المائدة الرسمية ستشمل "الاستقرار" و"الأمن".

أما الحرية والانفتاح والشوارع المصرية التي كان كاميرون حريصا على التجول بها، فلن يتم الإشارة إليها إلا قليلا.

السيسي، الذي أشرف على قتل الدولة لأكثر من 2500 معارض سياسي منذ إقصاء سلفه الإخواني محمد مرسي، الذي لم يمكث إلا فترة قصيرة في الحكم، جاب الكرة الأرضية مؤخرا في إطار جهود  لتزيين نفسه بحلى الشرعية الدولية، الأمر الذي تحرص المملكة المتحدة على مساعدته في تحقيقه.

تعتمد مثل هذه العملية على خطاب شديد الانتقائية.

ولكن لتفهم القصة الحقيقية لما يحدث في مصر منذ 2011، فإن الأمر يستحق الرجوع بالذاكرة إلى مقطع فيديو كاميرون في القاهرة، وتحديد الذين تجلوا في المقطع، ثم توضيح أسباب غيابهم الآن.

تحت حكم السيسي الآن،  بات البائعون غير الرسميون الذين ظهروا في خلفية مشهد كاميرون في التحرير  مطاردين من نظام يشدد قبضته الحديدية على الأماكن العامة.

المصريون الشباب الذي لونوا أنفسهم بالشعارات الثورية المرجح أنهم يتعرضون للتعذيب من الأجهزة الأمنية بدلا من السماح لهم بمقابلة وفود أجنبية.

على سبيل المثال، محمود حسين، الطالب الذي لا يتجاوز عمره 18 عاما، اعتقل في يناير 2014 لارتدائه وشاحا ثوريا، وتم اقتياده إلى قسم شرطة مجاور، وتعرض للصعق الكهربائي بشكل متكرر.

لقد قضى حسين بعد ذلك 500 يوما محتجزا دون توجيه أي اتهامات له.

قادة الحركة الديمقراطية الذين كان كاميرون حريصا على الإشادة بهم لن يكونوا بصحبة السيسي خلال زيارته بريطانيا، لنفس السبب البسيط، وهو أن عددا كبيرا منهم إما أنهم ممنوعون من السفر، أو زج بهم خلف القضبان.

من جانبها، قالت الأستاذة الجامعية والناشطة المعارضة ليلى سويف: “خلال مشوار حياتي الممتد لأكثر من 60 عاما، أستطيع القول إن السيسي هو رئيس أكثر الأنظمة المصرية قمعا وإجراما".

الثوري البارز علاء عبد الفتاح، نجل ليلى سويف، بين أكثر من 40 ألف سجين سياسي، أنهى عامه الأول من حكم الحبس خمس سنوات جراء قانون وحشي للسيسي يحظر أي مظاهرة دون إذن".

وأضافت سويف: “قوات الشرطة والجيش التابعة لهذا النظم يعذبون ويقتلون دون محاسبة"، واستدركت: “استقبال الحكومة البريطانية للسيسي كضيف رسمي لم يدهشني أنا على الأقل".

ومنذ بداية الانتفاضة المناهضة لمبارك في يناير 2011 والتي ملأت شاشات العالم بمشاهد احتجاج استثنائية، أذهلت تحولات الثورة والثورة المضادة حتى  أكثر المراقبين المخضرمين.

بعد سقوط مبارك، فرض المجلس العسكري سيطرته على الأمور، ممزوجة بالتزام غير مخلص بالانتقال نحو الديمقراطية مع قمع وحشي ضد أي مصري يستمر في  إرباك الوضع القائم.

وفي ظل ممارسات عنف متكررة ضد المتظاهرين الثوريين، واستهداف مسيحيين أقباط، ونقابيين ونساء تجرأوا على تأكيد حقهم في التواجد في الحياة العامة، بات واضحا، أنه بالرغم من رحيل مبارك، ما زال النظام القديم يحارب للحفاظ على ما تبقى من دولته بقدر الإمكان، ممزوجا بأوهى واجهة ديمقراطية شكلية.
انتخابات 2012 دفعت الإخوان إلى القصر الرئاسي بأغلبية بسيطة.

ولكن بدلا من خوض حرب لـ "دمقرطة الدولة"، مثلما رغب الثوار، سعى مرسي للتحالف مع القوى التقليدية بدلا من ذلك، مستخدما أجهزة مبارك الأمنية لإسكات الأصوات المعارضة، وإجهاض المطالب الشعبية للعدالة الاجتماعية.

وفي ذات الوقت،  حاول مرسي شحذ أروقة الحكومة بمؤيديه. وتكسرت الوعود الخاصة بالتعددية، وتزايدت وتيرة  الطائفية.

وبينما جمعت موجة هائلة من معارضي حكم الإخوان قوة دافعة في الشوارع، وجدها كبار الضباط فرصة للتخطيط من أجل العودة.

وفي صيف 2013، أطاح الجنرال السيسي وزير الدفاع بالرئيس الذي عينه، وأشرف على مذبحة استهدفت أنصار الإخوان في ميداني رابعة والنهضة.

ووصفت هيومن رايتس ووتش المذبحة بأنها "أحد أكبر حوادث القتل الجماعي للمتظاهرين في يوم واحد في التاريخ الحديث".

الخطاب القومي للسيسي أكسبه تأييد واسع من جماهير أقلقتها سنوات الاضطرابات.

وفي 2014، فاز السيسي بانتخابات الرئاسة بنسبة 97 % من الأصوات في تصويت كان محظورا على الإخوان.

ومنذ ذلك الحين، تسببت حرب السيسي على الإرهاب في هلاك حقوق الإنسان في مصر، وحصدت عددا لا يحصى من الضحايا، ليسوا إسلاميين فحسب.

المئات، بينهم مرسي، حكم عليهم بالإعدام، في محاكمات جماعية غالبا.

الأمر طال شخصيات علمانية أيضا، وأضحى الصحفيون بين أكثر الفئات التي تعرضت لقمع الدولة، بجانب اللاجئين والمثليين، وأي شخص ينحرف عن العادة.

الفائزون، في هذه الأثناء، هم الجنرالات البارزون، ومليونيرات عصر مبارك،  المتربعون على قمة الاقتصاد المصري، وكذلك مؤسسات متعددة الجنسيات منحت لها الفرصة لمشاركتهم في فصل جديد من برنامج خصخصة عدواني.

وبالنسبة للمملكة المتحدة، وسائر الحكومات الأجنبية التي تتصارع مع شرق أوسط غير مستقر، جلب صعود السيسي إلى السلطة شيئا جديدا مريحا وقابلا للتمييز.

من جهته، قال تيموثي قلدس، الباحث بـمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط: “السيسي يشبه هذا النوع من القيادات العسكرية الاستبدادية التي اعتاد المجتمع الدولي التعامل معهم في العالم العربي. كما أن حكومته هي نفس نمط الأنظمة التي وطدت معها المملكة المتحدة علاقات على مدى عقود..“إنه وجه مألوف في منطقة لم تعد مألوفة".

السيسي يبيع نفسه لحلفائه العالميين كحصن ضد الإرهاب، وصديق لمصالح البيزنس الأجنبية.

الثوار المصريون ربما ضحوا بأنفسهم في محاولتهم التغلب على الاختيار بين الديمقراطية والفوضي، لكن الحكومات في كل مكان كان سعيدة تماما في قبول تلك الثنائية.

وفي مارس الماضي، وجهت لجنة برلمانية بريطانية ستة أسئلة متعاقبة للوزير توبياس إليوود حول إذا ما كانت مسألة حقوق الإنسان قد أثيرت أثناء زيارة وفد تجاري بريطاني للقاهرة، قبل أن يعترف بعدم التطرق لها قائلا: “تركيزنا كان منصبا على النواحي التجارية..ثمة زمان  ومكان يمكنك فيه طرح قضايا أخرى معينة".

هل ستكون زيارة السيسي إلى بريطانيا إذن هذا الزمان والمكان؟ 

القليل من هؤلاء الذين سيتجمعون خارج "داونينج ستريت" الثلاثاء  يعتقدون ذلك.

ائتلاف واسع النطاق من المنظمات المصرية، بعضه إسلامي، وبعضه ليبرالي،  يعتزم الانضمام إلى منظمات غير حكومية ونقابات بريطانية احتجاجا على وصول السيسي.

خطابات تستنكر دعوة كاميرون للسيسي صدرت من شخصيات سياسية وأكاديمية.

وعلاوة على ذلك، وقع 51 برلمانيا بريطانيا على طلب في البرلمان لإدانة زيارة السيسي، بينهم رئيس حزب العمال جيرمي كوربين.

وقال أندرو سميث مسؤول "الحملة ضد تجارة الأسلحة" إحدى المجموعات المساندة لمظاهرة الثلاثاء: “المملكة المتحدة ينبغي أن تدعو لتغيير في مصر، ولا تفرش السجادة الحمراء لحاكم تتزايد درجة استبداديته".

وأشار سميث إلى أن الحكومة البريطانية وافقت على صادرات أسلحة لنظام السيسي بقيمة 85 مليون دولار، وواصل قائلا: “من المستحيل إظهار دعم الشعب المصري وفي ذات الوقت تسليح ودعم الطاغية الذي يقمعهم".

العديد من المصريين في لندن يرون الأمر بشكل مختلف، والبعض سيشكل تجمعات لمنح السيسي استقبالا حارا.

من جهته، قال مصطفى رجب، مؤسس "اتحاد المصريين بالمملكة المتحدة": “نحن لا نمجد شخصا بعينه، بل نريد الأفضل لمصر، بما  يعني حاكما يعمل من أجل مصلحة الشعب المصري، بغض النظر عن هويته".

رجب، 67 عاما، غادر مصر منذ نحو أربعة عقود، يعتقد أن غالبية المشاعر المناهضة للسيسي تؤججها جماعة الإخوان وأنصارها، وهي حجة شائعة بين مؤيدي السيسي.

وأردف رجب للجارديان: “ 10 % فحسب من المتظاهرين ضد السيسي من المصريين..هؤلاء الذين يرغبون في التظاهر، لماذا لا يفضلون لغة الحوار، إنهم يسقطون السيارات، ويحرقون المباني، وينهبون الأشياء. حرية التعبير لا تعني التدمير".

ولكن ما هي خطوط الحوار المفتوحة حقا  أمام المصريين تحت نظام وضع كافة الممتلكات العامة تحت سيطرة الجيش، ومنح نفسه السلطة القانونية لوصف أي مواطن لا يحبه بـ" المسلح"؟

أي نمط من "الاستقرار" المستدام يغرسه السيسي حقا، بينما يتطلب تعزيز سلطته على الحكم تلك المستويات الهائلة من القمع؟

شريف عازر، الحقوقي المصري المقيم ببريطانيا علق قائلا :  كافة المشكلات التي نواجهها الآن في مصر، والتي واجهناها في السنوات القليلة الماضية هي نتاج نفس السياسات التي ينفذها السيسي..الديكتاتورية، الاعتقالات، نقص العدالة..في نهاية الأمر سينفجر الوضع، وسنعيش نفس الفيلم مجددا".

وواصل عازر: “ بالنسبة للغرب، فالأمر يبدو تكرارا لنفس التجربة، مع توقع نتائج مختلفة".
 

وفي مصر، فإن وصول السيسي الوشيك إلى لندن لقي ترحيبا من إعلام أغلبه متزلف، واعتبروا الزيارة الخطوة الأخيرة لصعوده إلى سلطته غير القابلة للجدال.

ولكن من أجل الوصول إلى ذلك، وكسب التأييد الشعبي، اضطر السيسي لتبني مصطلحات ثورية، وإن كانت على نحو غير مخلص، وقدم وعودا بشأن العدالة الاقتصادية، وإنهاء الفساد، وتحسين مستويات المعيشة، لن تستطيع دولته غير الإصلاحية تحقيقها.

في تلك المساحة بين الرواية والحقيقة، بدأت الكثير من التصدعات تظهر بالفعل. 

لقد عقدت حكومة السيسي الكثير من آمالها على مشروع توسعة قناة السويس، وبناء عاصمة جديدة في الصحراء الشرقية. وصورت الصحف صورا حاسوبية لمستقبل المدن المصرية.

لكن  مدن مصر الحقيقية، تمثل مثالا لإهمال الدولة كما حدث في كوارث المعدية، والسيول، وترك المرضى في المستشفيات يقضون نحبهم جراء نقص الموارد.

وعلق قلدس مجددا بقوله: “ هناك من يرى مثل هذه الدبلوماسية نوعا من الفخر القومي، لكن ثمة تساؤل سيراود  الكثيرين مفاده: “ هل سآكل من زيارة السيسي لبريطانيا، هل ستملأ تلك الزيارة سيارتي بالوقود؟".

واعتبر قلدس أن العديد من المصريين تزايدت درجة سخطهم من الحكومة، لسبب بسيط يتمثل في  فشلها في إثبات قدرتها على تحقيق "أوهام العظمة".

ومن بين هؤلاء الساخطين آلاف العمال في قطاع الغزل والنسيج الحيوي، الذي ينفذون إضرابا على خلفية الأجور وظروف العمل.

يذكر أن التمرد العمالي في مدن الدلتا المعروفة بالغزل والنسيج لعبت دورا هاما في حركة جزئية لإسقاط مبارك، والتي اندمجت في النهاية لتشكل ثورة.

وحذر  الناشط العمالي الشهير هيثم محمدين قائلا: “ هذا الإضراب الحالي فتح الطريق"،  مشيرا إلى أن انتشار تلك الحالة الثورية بين الحركة العمالية قيد التحقيق.

وبالنسبة لكاميرون، فإن علاقة بريطانيا مع مصر هي حاليا على أرض أكثر صلابة، فقد شيد نظام السيسي أسوارا حول ميدان التحرير لمنع أي تظاهرات كبيرة من التجمع.

وانحسرت توقعات أن يقوم رئيس الوزراء البريطاني بزيارة خطيرة أخرى في وسط القاهرة، محاطا بأثاث الثوار المبعثر.

ولكن ما زال رهن الانتظار معرفة ما ستتكبده  بريطانيا على المدى البعيد من  تجديد رهانها على عنف الدولة والاستبدادية.

"عندما تغلق مساحة حقوق الإنسان والديمقراطية، لا تحظى بالاستقرار"، بحسب عازر المتخصص في حقوق الإنسان التطبيقية بجامعة يورك.

وتساءل بقوله: “هل يعتقد أعضاء الحكومة البريطانية في قرارة أنفسهم أن ذلك سيؤتي ثماره؟"

رابط النص الأصلي

اقرأ أيضا

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان