رئيس التحرير: عادل صبري 01:51 مساءً | الاثنين 17 ديسمبر 2018 م | 08 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

المحاكمات العسكرية..من ناصر إلى السيسي

المحاكمات العسكرية..من ناصر إلى السيسي

وائل عبد الحميد 16 ديسمبر 2014 21:52

”حوكم المزيد من المدنيين أمام محاكم عسكرية مصرية خلال السنوات الثلاث التي أعقبت ثورة 2011 ، على نحو يتجاوز حقبة مبارك..ماذا حدث لصرخة الثورة المنادية بـ" العيش والحرية والعدالة؟".

هكذا استهلت الباحثة هيثر مكروبي دراسة مطولة بموقع "أوبن ديموكراسي"، شملت سردا لتاريخ ملاحقة المدنيين أمام القضاء العسكري، وسلطت الضوء بشكل خاص على السنوات الأخيرة التي أعقبت ثورة يناير.

وإلى نص المقال

الروابط بين الجيش والفروع الحكومية من جانب، وملاحقة المدنيين أمام محاكم عسكرية من جانب آخر أحد الملامح المصرية في النصف الثاني من القرن العشرين، بما في ذلك نظام مبارك الذي أطيح به عبر ثورة 2011 الشعبية.

كان الأمل يحدو العديد من نشطاء الثورة من أن يجلب سقوط مبارك الديمقراطية القائمة على العدل الاجتماعي، ونظاما حكوميا قوامه احترام حقوق المواطنين.

لكن استمر مثول مدنيين أمام محاكم عسكرية في معظم السنوات الأربعة التي أعقبت الثورة، والتي شهدت ثلاثة أنظمة، وأطيح خلالها بأول رئيس منتخب ديمقراطيا مثير للجدل.

السنوات الأربعة الماضية في مصر شديدة الاضطراب، تضمنت ثلاثة دساتير متعاقبة في ثلاث سنوات فحسب، والعزل الجبري لمحمد مرسي، أول رئيس بعد الثورة بدعم من الجيش.

وسجلت منظمات حقوق الإنسان انتهاكات حقوقية ارتكبتها سلطات ما بعد الثورة، بدءا من المجلس العسكري، إلى نظام مرسي المدعم من جماعة الإخوان، إلى نظام السيسي الضالع في حملة قمعية ضد الإخوان، وكذلك ضد نشطاء علمانيين كانوا محورا لثورة 2011، بالإضافة إلى تقليص الحريات المدنية مثل حق التظاهر.

استخدام المحاكمات العسكرية للمدنيين ينبغي أن يوضع في سياق مناخ ما بعد الثورة، الذي اتسم بانتهاكات حقوق الإنسان من أطراف متعددة بالدولة، وفي سياق الأنظمة المتعاقبة بعد الثورة، واستمرار الجيش في لعب دور سياسي محوري في الحياة السياسية.

الدستور الأخير الحالي لمصر كرس المحاكمات العسكرية لمدنيين، بعد إجراء تعديلات على الدستور القديم في أعقاب سقوط محمد مرسي، ودخلت التعديلات الجديدة حيذ التنفيذ عام 2014.

مثل هذه المحاكمات، بجانب الاستخدام المسيس المتزايد للقضاء يعيق مصر عن تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بما يعني أن تحقيق آمال ثوار يناير المناصرين للديمقراطية، والذين أسقطوا السلطة الاستبدادية لمبارك بعيد المنال.

المحاكمات العسكرية وحقوق الإنسان

وشنت منظمات حقوق الإنسان الدولية والمصرية حملة ضد المحاكمات العسكرية لمدنيين، لانتهاكها شروط متعددة لقوانين حقوق الإنسان الدولية.

فعلى سبيل المثال، انتقدت "هيومن رايتس ووتش" عام 2011، المحاكمات العسكرية لمدنيين بعد ثورة يناير، واعتبرت أنها تنتهك الإجراءات القانونية الواجبة التي تضمنتها المادة 14 من الميثاق الدولي للحقوق المدنية والإنسانية ICCPR.

وبالإضافة إلى ذلك، نصت مجموعة المبادئ الخاصة بحماية وتعزيز حقوق الإنسان من خلال إجراءات مكافحة الإفلات من العقاب، والتي تم تقديمها أمام لجنة الأمم المتحدة السابقة لحقوق الإنسان عام 2005 على أن : ” ولاية المحاكمات العسكرية ينبغي أن تقتصر على جرائم عسكرية محددة يرتكبها أفراد عسكريون".

اختصاصات المحاكمات العسكرية يتم تعريفها في القانون على نحو يميزها عن المحاكمات المدنية، مثل البند الموضوع بعد الثورة، الذي يقول "بعكس المحاكمات المدنية، لا يمكن الاستئناف على قرارات المحاكم العسكرية".

وعلى نطاق الممارسة العملية، فإن الطبيعة السريعة للمحاكمات العسكرية تحرم المدنيين في واقع الأمر من الإجراءات القانونية المستحقة، كما أن هناك منحى قلق آخر مرتبط بها، باعتبارها جزءا من عسكرة الحياة العامة، حيث تبسط السلطات العسكرية سلطاتها داخل الحياة على الصعيدين السياسي والاجتماعي.

إرث مصر من المحاكمات العسكرية

في النصف الثاني من القرن العشرين، بعد اكتساب مصر الاستقلال عن الحكم الاستعماري، هيمنت قيادة استبدادية على مقاليد الأمور، بدءا من ناصر إلى السادات، ثم مبارك، حيث برزت السلطات الرئاسية، وتضافرت على نحو وثيق مع وجود عسكري قوي.

مثل هذا التمركز من القوات المسلحة داخل الحياة السياسة كان جزءا لا يتجزأ من إعلانات دستورية للعهد الناصري، وكذلك ما يسمى "الدستور الدائم" في حقبة السادات" عام 1971، والذي ظل دستورا لمصر، في عهد مبارك مع بعض التعديلات الرئيسية المتعددة.

لاحظ الباحث الأمريكي ناثان براون، وغيره من المتعمقين في النظام القانوني والقضائي المصري أن ضعف سلطة مبارك في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين يرجع جزئيا إلى تزايد الناشطين في صفوف السلطة القضائية.

وانتقدت "هيومن رايتس ووتش" امتداد المحاكمات العسكرية ضد مدنيين في عهد مبارك، بالرغم من أنها كانت تستهدف ثلاث فئات من المدنيين، الأولى هي القضايا السياسية ذات الدرجة الكبيرة من الأهمية، وعادة ما كانت تستهدف جماعة الإخوان، مثل الحكم الصادر عام 2008 بإدانة نائب مرشد الإخوان آنذاك.

الفئة الثانية المستهدفة تمثلت في متهمين يلقى القبض عليهم في منطقة عسكرية، لا سيما سيناء، التي زادت درجة عسكرتها وتهميشها في نظام مبارك، أما الفئة الثالثة فشملت المدونين المنتقدين للنظام.

وكان تزايد المطالبات بإطلاق سراح أعضاء الفئة الثالثة أحد الأساب التي أججت ثورة 2011.

ونظرت العديد من المجموعات والمنظمات الناشطة التي قادت الثورة إلى المحاكمات العسكرية لمدنيين باعتبارها أعراضا لاستبداد دولة مبارك البوليسية، والتي من المفترض ألا يكون مكان لها في فترة ما بعد مبارك، لكن لسوء الحظ لم تنضج ثمار ذلك الأمل.

فترة المجلس العسكري

أعقب سقوط مبارك في فبراير 2011 فترة "مؤقتة" أو "انتقالية" شهدت سيطرة المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي وضع دستورا مؤقتا، وحدد جدولا زمنيا لأول انتخابات برلمانية ورئاسية.

وبالرغم من وضع المجلس العسكري كمشرف على عملية انتقالية تنقل الثورة إلى ممارسات ديمقراطية، وتأسيس دور القانون، إلا أن الطبيعة العسكرية الموروثة لحكمهم تغلغلت داخل مفاهيم "العدالة".

وخلال فترة المجلس العسكري،رفع نشطاء حقوق الإنسان دعوتين قضائيتين أمام المحكمة الإدارية ضد قرار المجلس العسكري استخدام محاكمات عسكرية ضد مدنيين.

وبالرغم من إعلان المجلس العسكري في 11 يوليو 2011 اعتزامه الحد من استخدام مثل هذه المحاكمات، إلا أنه لم يمت بصلة للواقع، لا سيما وأنه أعلن استمرار ها في بعض الاتهامات إحداها "البلطجة"، والتي كانت محور القضايا المرفوعة ضد ثوريين.

واتسمت فترة المجلس العسكري بالاستخدام المرتفع للمحاكمات العسكرية.. وقدرت منظمات حقوق الإنسان أن نحو 12 ألف شخص حوكموا أمام محاكم عسكرية خلال حكم المجلس العسكري، بعد اعتقالات تعسفية غالبا ما تحدث أثناء وبعد مظاهرات جماعية.

مرسي وأزمة الإعلان الدستوري 2012

اتسمت فترة الرئاسة الموجزة للرئيس محمد مرسي بعدم التيقن..لقد أتى إلى السلطة كرئيس منتخب لمصر ما بعد الثورة، لكنه عُزل بالقوة بعدها بعام.

التوتر والشك خلال تلك المرحلة ظهرا جليا في دستور 2012، الذي قوبل باحتجاجات منظمات المجتمع المدني والنشطاء العلمانيين والأقليات بدعوى أنه شديد الإسلامية، وأن عملية صياغته لم تكن شاملة كما ينبغي.

نص دستور 2012 شهد خروجا عن دستور 2011 المؤقت، فيما يتعلق ببنود المحاكمات العسكرية الصريحة لمدنيين، لكن المادة 198 نصت على إمكانية "محاكمة المدنيين عسكريا على جرائم تضر القوات المسلحة"، وهي مادة مبهمة ، تركت نطاق تلك المحاكمات غير محدد،وتركت المدنيين في حالة من عدم التيقن حول حقهم في المثول أمام محاكمات مدنية.

وبالرغم من انحدار معدل المحاكمات العسكرية تحت سلطة مرسي، مقارنة بفترة حكم المجلس العسكري، لكن مجموعة "لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين"، استمرت في توثيق استخدام تلك المحاكمات، واحتجت على استمرار حدوثها، فيما اعتبر "معهد القاهرة لحقوق الإنسان" أن مرسي كان ينقصه الإرادة السياسية لإنهائها.

المادة 198 في دستور 2012 كانت أحد أسباب الاحتجاجات الواسعة على الدستور من العديد من فصائل المجتمع المصري التي كانت نشطة في ثورة 2011.

سوء تعامل مرسي مع أزمة الدستور، التي أعقبت إصداره إعلانا دستوريا في 22 نوفمبر، والذي منحه حصانة قضائية، تسبب في عنف سياسي مميت أوائل ديسمبر، والتي شهدت اعتقالات تعسفية لمحتجين.

وبالرغم من إلغائه للإعلان الدستوري خلال الأسابيع التالية، لم يستعد مرسي عافيته سياسيا، في ظل بإقصاء قطاعات كبيرة من المجتمع المصري، وتشكلت حركة تمرد للإطاحة به داعية إلى "ثورة ثانية".

من مرسي إلى السيسي ..الدولة تهاجم الإخوان

أحداث صيف 2013 مثار للجدل السياسي المستمر، فادعت حركة تمرد أنها جمعت 22 مليون توقيع لعزل محمد مرسي من الرئاسة، على ضوء أفعاله الإقصائية خلال الأزمة الدستورية، ونقص الشمول اللازم أثناء عملية صياغة الدستور.

وبنت الحركة قوة دفع لاحتجاجات حاشدة في 30 يونيو 2013 ، وأُجبر مرسي على الاستقالة بالقوة بينما استعاد المجلس العسكري السلطة.

وبكلمات أخرى، بينما يصف البعض تلك الأحداث بـ "ثورة ثانية" بعد قرارات مرسي السلطوية والإقصائية خلال أزمة الدستور، يراها آخرون انقلاب عسكريا أطاح بأول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر بواسطة جيش غير منتخب.

الواضح أن هذه الفترة شملت العنف الأسوأ، المرتكب من الجيش ضد مدنيين في التاريخ الحديث.

وبعد عام من تلك الأحداث، أصدرت "هيومن رايتس ووتش" تقريرا وثقت فيه مقتل 800 قتيلا على الأقل، معظمهم من أنصار الإخوان المسلمين، قتلوا خلال فض اعتصام رابعة العدوية، وفي مواقع أخرى.

وفرض حظر تجوال في الوقت الذي استعاد فيه الجيش السلطة، وعين عدلي منصور رئيسا مؤقتا للإشراف على عملية دستور جديد وانتخابات جديدة.

وكانت مجموعات مثل "لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين"، تأمل في أن يغير الدستور الجديد، الذي تمت صياغته بين سبتمبر وديسمبر 2013 من المحاكمات العسكرية لمدنيين، لكن المادة 174 شهدت تفصيلات أكثر بشأن حالات محاكمة المدنيين عسكريا، حيث سمحت بذلك عندما يكون هناك "هجوم مباشر على مرافق ومعسكرات والمناطق العسكرية وحدود ومعدات ومركبات وأسلحة وذخائر ووثائق وأسرار وأموال القوات المسلحة أو مصانعها، أو الاعتداءات المباشرة على أفراد وعائلات عسكريين".

ورغم أن تلك البنود التي تضمنها الدستور الجديد تبدو أنها تستهدف المناوشات العسكرية المستمرة في سيناء، لكنها أثارت قلقا متزايدا في ظل عسكرة المناخ الإجمالي بعد عزل مرسي من السلطة.

ولاحظت "لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين" أن نص الدستور الجديد يمكن استخدامه لمحاكمة الإعلاميين الذين يغطون أخبار الجيش، بالإضافة إلى نقص الوضوح في تفسير معنى "الهجوم المباشر"، وإمكانية استخدامه ذلك ضد متظاهرين اعتقلهم الجيش خلال احتجاجات، ومحاكمتهم عسكريا.

وفي مارس 2014، أصدرت "الائتلاف العالمي للحريات والحقوق"تقريرا أدان استمرار استخدام محاكمة المدنيين عسكريا عقب سقوط مرسي.

وعلاوة على ذلك، شنت الدولة المصرية منذ انتخاب السيسي حملة "قمعية" مسيسة على الإخوان المسلمين الداعمة لمرسي.

وحظرت السلطات جماعة الإخوان في سبتمبر 2013، ثم إعلانها منظمة إرهابية، وانتقدت هيومن رايتس ووتش تلك الخطوات بدعوى الحكومة لم تقدم أدلة كافية تربط الإخوان بالهجمات الإرهابية.

استخدام لغة "الإرهاب" ضد معارضي السيسي تمكن الدولة من محاكمتهم عسكريا.

وبالإضافة إلى ذلك، بالرغم من أن الفكرة المهيمنة لتأرجح السلطة في مصر تضم الإخوان والأنظمة العسكرية المتعاقبة، لكن منذ صعود السيسي، وجدت مجموعات تبتعد أيدولوجيا تماما عن الإخوان المسلمين نفسها أهدافا للنظام، واستخدام آلية تسييس القضاء لملاحقتها قضائيا.

وألقت السلطات القبض على قيادات 6 أبريل التي كانت رؤوس حربة ثورة 2011، وحُظرت الحركة ، بالرغم من تصوير السيسي لنفسه على أنه "وريث وحارس" مبادئ ثورة 2011.

القضية البارزة لصحفيي الجزيرة الثلاثة الذين ألقي القبض عليهم في ديسمبر الماضي كانت مؤشرا على امتداد نطاق قمع حرية التعبير والإعلام، باستخدام اتهامات الارتباط مع الإخوان.

ولذلك، ينبغي وضع استمرار استخدام المحاكمات العسكرية للمدنيين في سياق هذا الاستخدام السياسي للسلطة القضائية من قبل الدولة المصرية.

محاكمة المدنيين عسكريا لا تتماشى مع مبادئ دور القانون والديمقراطية، وتتناقض مع مجتمع يعتمد على العدالة الاجتماعية.

قوانين حقوق الإنسان الدولية توضح لماذا ينبغي أن يحاكم المدنيون أمام محاكم مدنية، وتعتبر أن محاكمتهم عسكريا يحرمهم من الإجراءات القانونية المستحقة والعادلة.

لقد كان استخدام المحاكمات العسكرية لمدنيين في عهد مبارك إحدى القضايا التي احتج عليها ثوار يناير 2011، آملين أن تؤدي الإطاحة به إلى مصر ديمقراطية وتتسم بالعدل الاجتماعي، يحترم فيها حقوق المدنيين، لكن ذلك الأمل يبدو بعيد المنال.

الملخص

شهدت فترة المجلس العسكري بعد ثورة 2011 مستويات غير مسبوقة من محاكمات عسكرية لمدنيين.

وبعد ذلك، تضمن كلا من دستور مرسي 2012 ”المنحوس" والدستور الجديد (2014) بنودا تسمح بمحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية.

واستمرت تلك المحاكمات في ظل مناخ تزايدت فيه درجة الاستقطاب، حيث تسعى إدارة السيسي إلى قمع كل من تتصورهم "أعداء".

والآن، تجد منظمات حقوق الإنسان والمبادرات المدنية التي تحتج ضد محاكمة المدنيين عسكريا نفسها تحت ضغوط الدولة.

استمرار تلك المحاكمات، وبنود الدستور الجديد المتعلقة بها تمثل عقبة ملحوظة تعيق تنفيذ آمال ثوار 2011 بأن تكون فترة ما بعد مبارك ديمقراطية، وعادلة اجتماعيا، وتحترم حقوق الإنسان.

اقرأ أيضا

 

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان