رئيس التحرير: عادل صبري 05:22 صباحاً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

و.بوست: فض رابعة ينسف نظريات حول الجيش

و.بوست: فض رابعة ينسف نظريات حول الجيش

وائل عبد الحميد 23 أغسطس 2014 20:55

"ولكن، لماذا إذن يقوم نفس الجيش بالإشراف على مذبحة في أغسطس 2013؟ تفسير ذلك يلزمه التخلي عن مفهوم قيام الجيش المصري بالانشقاق حقا عن النظام في ثورة يناير، والتخلي كذلك عن تأويل سلوكيات الجيش وفقا للمتغيرات ثنائية التفرع."


هكذا علقت الباحثة الأمريكية إيمي أوستن في مقال لها بصحيفة واشنطن بوست تحت عنوان "لماذا نسق الجيش لمذبحة؟" على جدلية تباين رد فعله تجاه ثورة يناير واعتصام رابعة.

وأضافت أوستن ت: "سلوكيات الجيش تجاه رابعة تبدو متناقضا بشدة مع سلميته المزعومة في رد الفعل على ثورة يناير، لكن رابعة والتحرير في واقع الأمر ينازعان نظريات سائدة حول سلوك الجيش خلال فترات المظاهرات الحاشدة".


وفيما يلي نص المقال

مذبحة رابعة في 14 أغسطس 2013 كانت بمثابة تيانانمن أخرى في مصر، حيث قتلت القوات الأمنية 817 مصريا في يوم واحد، في ميدان رابعة فحسب، وما يربو عن 1000 عند حساب عدد القتلى عبرمصر.

لقد كان ذلك أكبر عملية قتل لمدنيين في تاريخ مصر المعاصر، كما أن تلك المجزرة لم تحدث في غطاء من الظلام، أو في منطقة نائية من البلاد، بل حدثت في وضح النهار، وفي القاهرة.

لقد كنت ضمن الصحفيين والمراقبين الذين تواجدوا في اعتصام مؤيدي الرئيس المعزول في رابعة، في الليلة التي سبقت المذبحة، كما كنت شاهدة على الفض العنيف لاعتصام النهضة الأصغر حجما، صباح 14 أغسطس.

عمليات القتل جرى تنفيذها من قوات الأمن المركزي، ووحدات خاصة بتنسيق وطيد مع القوات المسلحة المصرية، دون وجود تقارير عن وجود انشقاقات ملحوظة، أو رفض لإطلاق النار.

لقد بدأت القوات الأمنية في عملية إطلاق النار على مدنيين حوالي الساعة السادسة والنصف صباحا، وخلال فترة زمنية بلغت 12 ساعة، استمرت في تفريغ الذخيرة الحية في أجساد الرجال والنساء والأطفال بعد محاصرتهم، بالرغم من الوعود المتكررة حول توفير ممرات خروج آمنة.

عمليات القتل لم تكن نوبة موجزة من الاستمتاع انتهت فجأة كما بدأت، كما لم تكن رد فعل مذعور من مجندين في ضباب معركة. ورغم مرور عام على الواقعة، لم يخضع أحد للمساءلة.

سلوكيات الجيش تجاه رابعة تبدو متناقضا بشدة مع سلميته المزعومة في رد الفعل علىثورة يناير، لكن رابعة والتحرير في واقع الأمر ينازعان نظريات سائدة حول سلوك الجيش خلال فترات المظاهرات الجماعية.

عندما يواجه نظام ما مظاهرة جماعية، يعتمد بقاؤه على مدى سيطرته على أجهزته القسرية، وما إذا كانت القوات الأمنية ستفتح النار وتقمع الثورة، أم سترفض تنفيذ ذلك.

وينظر إلى ذلك الأمر غالبا باعتباره متغيرا ثنائي التفرع، فالجنود إما أن يختاروا الدفاع عن النظام، أو الانشقاق عنه، وفي معرض تلك التحليلات، عادة ما يبدأ الباحثون في إبراز لحظة معينة ينبغي على القيادة العليا الاختيار لمن سيكون انحيازها، وهو ما يشار إليه أحيانا باعتباره "سيناريو نهاية اللعبة".

هناك عوامل تؤثر عادة على عملية اتخاذ القرار، بما في ذلك المتغيرات الداخلية، مثل مستوى الكفاءة العسكرية، والمحسوبية، والتكوين العرقي أو الطائفي للقوات المسلحة.

ومن وجهة نظري، فإن مثل هذا التقييم به 4 مواطن ضعف، أولها أن المتغير ثنائي التفرع لا يمكنه تفسير الحقيقة المعقدة للمظاهرات الحاشدة، وكذلك لا يستطيع أحيانا تفسير سلوكيات غامضة للجيش.

أما موطن الضعف الثاني فيتمثل في خلط الباحثين بين موضوعين، إذ يفترضون أن رفض الجيش قمع المعارضة يعني انضمامه لها على نحو مؤثر. أما الثالث فهو أن التركيز على لحظة محددة يشوش على فهم مسار الأحداث. وأخيرا فإن بؤرة الاهتمام ينصب كثيرا على تحليل الأوجه الداخلية للقوات المسلحة، عوضا عن التطرق إلى حقيقة علاقتها مع المجتمع.

وعند تطبيق ذلك على ما يسمى بالربيع العربي، فقد اعتبر باحثون أن الجيش في مصر وتونس انشق عن النظام، بما أجبر حسني مبارك وزين العابدين على التنحي، وخلص باحثون آخرون إلى أن جنرالات مصر اختاروا "دعم الثورة"، أو فسروا سلوك الجيش باعتباره قرارا بالوقوف مع "حركة سلمية"، كما ربط باحثون، على الأقل جزئيا، بين نجاح عزل مبارك وبين قرار الجيش بعدم إطلاق النار على متظاهرين.

ويستشهد الباحثون بأن اختيار معظم جيشي سوريا والبحرين الدفاع عن النظام، سمح لبشار الأسد والملك حمد بالبقاء في سدة الحكم، أما في ليبيا واليمن فحدث انقسام في القوات المسلحة، ما بين الدفاع عن النظام والانشقاق.

ورغم المعقولية التي قد تبدو عليها تلك الحجة، إلا أنها تثير المشكلات أيضا، حيث أن القول الأكثر دقة هو أن نشير إلى إخفاق الجيش المصري في حماية متظاهري يناير من الفروع الأخرى للأجهزة الجبرية، فخلال الأسبوع الأول من الثورة ضد مبارك، وقف الجيش بجانب النظام، ولقى مئات المتظاهرين حتفهم.

المشير طنطاوي، وزير الدفاع آنذاك، شهد بالتعاون بين القوات المسلحة ووزارة الداخلية.

وبعد مرور أسبوع من ثورة يناير قال الجيش في بيان له: "إلى الشعب المصري العظيم، قواتكم المسلحة تعترف بالحقوق المشروعة للشعب، ولم ولن تستخدم القوة ضد الشعب المصري"، لكن الواقع أن الجيش لم يقم بحماية المتظاهرين من الاعتداءات العنيفة، مثلما حدث في موقعة الجمل في الثاني من فبراير 2011

هناك نموذج مشابه لذلك أثناء مذبحة رابعة, حيث حدثت الكثير من الفظائع في تقاطع شارعي النصر والطيران، حيث تقبع قاعدة عسكرية على أحد جانبي ذلك التقاطع، ومبنى تابعا لوزارة الدفاع على الجانب الآخر.

وكما هو موثق في تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن قوات الجيش كانت متواجدة في محيط رابعة يوم 14 أغسطس، بل فتح الجيش قاعدته العسكرية للقناصة، الذين استهدفوا المعتصمين من أعلى القاعدة العسكرية، كما قام جنود بقيادة بلدوزرات كانت تمسح كل ما في طريقها، بما أتاح للقوات الأمنية المسلحة التقدم صوب المتظاهرين.

هليكوبترات تابعة للجيش حلقت أيضا في ذلك اليوم فوق الرؤوس، كما تمركز الجنود في المداخل والمخارج، ومنعوا المتظاهرين من الخروج من المناطق التي كانت تتعرض للهجوم.

وفي النهاية، كانت العملية برمتها تخضع لإشراف الرئيس عبد الفتاح السيسي، وقتما كان وزيرا للدفاع، وقائدا أعلى للقوات المسلحة، ونائب رئيس الوزراء للشئون الأمنية.

بالطبع، لم تكن رابعة المذبحة الوحيدة بعد الانقلاب، لكنها كانت الأكبر، وربما الأكبر من حيث سبق الإصرار والترصد. وحسب أقوال السيسي وآخرين، فإن الفض العنيف لرابعة كان أمرا مخططا له تماما قبل حدوثه بأسابيع.

الحصيلة الكبيرة من قتلى فض الاعتصام، لم تكن بدافع فقر تدريب أو ظروف غير متوقعة، بل بالعكس، "سار كل شيء وفقا لخطة"، وهو التصريح الذي تفوه به وزير الداخلية محمد إبراهيم متباهيا.

خلال يومي 5 و8 يوليو 2013، قتل نحو 66 شخصا على الأقل في تصادمات أمام نادي الحرس الجمهوري، ولعب الجيش دورا أكثر نشاطا في عمليات القتل التي حدثت خلال هذين اليومين.

كيف يمكن تفسير سلوك الجيش المصري في ميدان التحرير في يناير 2011، وفي رابعة ؟ طور باحثون نظريات مفادها أنه كلما زاد الطابع المؤسسي في جيش ما، والذي يعد مقابلا لتنظيم جيش ما وفقا لموروثات، كلما زادت مساحة التشابه بين الجيش والمتظاهرين، في أمور الدين والعرق والهوية الطائفية. وكلما زاد تعداد المتظاهرين، كلما تناقصت احتمالات أن يفتح الجيش نيرانه ضدهم.

إيفا بيلين، في مقالها الشهير "إعادة النظر في صلابة السلطوية في الشرق الأوسط"اعتبرت أن موقف الجيش في ثورة يناير 2011 يوضح النقطة السالفة.

ولكن، لماذا إذن يقوم نفس الجيش بالإشراف على مذبحة في أغسطس 2013؟ تفسير ذلك يلزمه التخلي عن مفهوم قيام الجيش المصري بالانشقاق حقا عن النظام في ثورة يناير، والتخلي كذلك عن تأويل سلوكيات الجيش وفقا للمتغيرات ثنائية التفرع.

أثناء 17 شهرا تقلد خلالها المجلس العسكري سدة الحكم، بزغ عدد من الجماعات العلمانية، وبدأت في تحدي الجيش على جبهات متعددة، في وقت امتنعت فيه جماعة الإخوان، على نحو كبير، عن المشاركة في الاحتجاجات المناوئة للمجلس العسكري. لقد استهدفت مذبحتا بور سعيد وماسبيرو أشخاصا معارضين للحكم العسكري.

وبعد عزل مرسي، كان اعتصاما رابعة والنهضة أكبر تحد لترسيخ حكومة ما بعد الانقلاب، ورغم أن الأعداد المشاركة في الاعتصامين أصغر من مظاهرات 2011، إلا أنها أعداد حاشدة، إذ قدر عدد المشاركين في رابعة فحسب بنحو 85 ألف، كما امتد الاعتصام زمنا تجاوز ثورة يناير.

أوضحت رابعة أن هناك مشكلة في صياغة نظريات أو أنماط عن السلوك العسكري، استنادا على لحظة زمنية واحدة خلال أزمة وحيدة لنظام مخادع كليا، حيث أن قرار القيام بثورة لا يأتي في يوم واحد لكنه تراكم لأسابيع أو سنوات.

الجنود ربما يطيعون الأوامر يوما، ويعصونها في اليوم التالي، وقد لا يوضعون أبدا موضع الاختيار حول إطلاق النار على بني جلدتهم، طالما تقوم الفروع الأخرى للسلطة الجبرية بتلك المهمة القذرة بدلا عنهم.

مهما كان التنافس المؤسسي بين وزارتي الداخلية والدفاع، عندما يحين وقت القتل، يظهران قادرين على التعاون معا كما حدث في فض رابعة.

في يناير 2011، أعلن الجيش المصري أنه لن يرفع سلاحا ضد متظاهرين مدنيين، لكنه في أغسطس 2013، أشرف على أحد أكبر حوادث القتل الجماعي لمتظاهرين. البحوث المستقبلية بشأن الجيش المصري سوف تعمل جيدا على وضع تفسيرات لكلتا الواقعتين.

 

كاتبة المقال إيمي أوستن أستاذ مساعد لعلم الاجتماع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ومؤلفة كتاب"الاضطرابات الاجتماعية والقواعد العسكرية الأمريكية في تركيا منذ 1945".

 

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان