رئيس التحرير: عادل صبري 01:43 صباحاً | السبت 20 أكتوبر 2018 م | 09 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

أرملة مصور بريطاني: قتلى رابعة ليسوا أرقاما

أرملة مصور بريطاني: قتلى رابعة ليسوا أرقاما

صحافة أجنبية

ميك دين مصور سكاي نيوز الذي فقد حياته في فض اعتصام رابعة

مع اقتراب الذكرى الأولى لفض الاعتصام

أرملة مصور بريطاني: قتلى رابعة ليسوا أرقاما

وائل عبد الحميد 10 أغسطس 2014 06:55

مع اقتراب الذكرى الأولى لفض اعتصام رابعة العدوية في 14 أغسطس المقبل، تتذكر البريطانية دانييلا دين، في مقال بصحيفة واشنطن بوست، ملابسات مقتل زوجها ميك دين مصور شبكة سكاي نيوز البريطانية خلال تأديته لمهام وظيفته، وتؤكد على أن الأمر ليس مجرد أرقام صماء حول عدد القتلى، لكنها خسارة مدمرة يشعر بها ذوو الضحايا، ومشاعر حزن تتحول أحيانا إلى غضب أعمى تجاه من يشعر المرء أنه مسؤول عن سلب حياة شخص عزيز لديه.

وفيما يلي نص المقال:

كان زوجي ميك، هدفا سهلا لقناص عسكري مصري، ربما كان متربصا على أحد الأسطح على مسافة ميل.

لقد كان ميك أشقر وضخم البنية، بين بحر من المتظاهرين, جاذبا كاميرا تصوير تلفزيوني عملاقة، أعتقد أن القوات الأمنية شعرت بالضجر من وقوفه هنالك، لذلك قررت قتله.

أعلم بالتأكيد أنهم لن يُقِرّوا أبدا بقتل زوجي، كما أن التحقيق الجنائي حول ملابسات قتل ميك، صباح 14 أغسطس 2013 في القاهرة لم يسفر عن شيء. وبعد مرور عام من الواقعة، أقلعت عن التفكير في جدوى التحقيق.

ميك.. كان صحفيًا بريطانيًا يعمل لدى شبكة سكاي نيوز، كما عمل سابقًا لدى شبكتي "آي تي في"، و "سي إن إن", وكان في محيط مسجد رابعة العدوية لمدة ساعة ونصف، في ذلك الصباح ذات الحر القائظ، حيث كان يصور القوات الأمنية المصرية، أثناء تسويتها لمعسكر الاعتصام هنالك.

المتظاهرون الموالون للرئيس المعزول محمد مرسي، مكثوا في ذلك المكان على مدى أسابيع، وفجأة قتل المئات منهم في ظرف ساعات.

كان زوجي ميك، 61 عاما، يصور مجموعة من النساء اللاتي تجمعن بجوار المسجد، والتقط صورة أخيرة في وقت خطط فيه الفريق المصاحب له لمغادرة المنطقة، لكن رصاصة أردته قتيلا.

قتل ميك وهو يمارس مهام عمله، مثله تماما مثل صحفيي الجزيرة الثلاثة، الذين صدرت ضدهم أحكام بالحبس طويلة المدى في القاهرة، كما لقي ثلاثة صحفيين مصريين، مصرعهم في نفس يوم فض الاعتصام، بينهم صحفية في السادس والعشرين من العمر.

واجه ميك العديد من التجارب السيئة خلال فترات عمله في مجال الشبكات الإخبارية، والتي امتدت 33 عامًا، أتخيله يحادثني قائلا إن ما حدث معه لم يكن مصيره فحسب، لكنه حدث مع أعداد تتراوح بين 638 إلى 2600 شخص قضوا نحبهم في ذات اليوم، بحسب اختلاف تقديرات قتلى فض الاعتصام بين وزارة الصحة المصرية وأنصار مرسي.

كل ما أعرفه هو ذلك الإحساس بالانهيار الذي انتابني بعد أن هاتفتني سكاي نيوز لإخباري بنبأ مقتل ميك، مصور الشبكة البريطانية في منطقة الشرق الأوسط، ولم أمر أبدا، على مدار حياتي، بمثل هذا القدر من الألم.

وبعد مرور شهور قليلة من الواقعة، كنت في حاجة إلى الشعور بعمومية معاناتي، فأخذت أتفحص وجوه الناس حيثما ذهبت، وأدركت أن العديد من الأشخاص في هذا العالم يعانون بصورة حادة للغاية، وأن مثل هذه الأحداث التي مررت بها، من فقدان مروع ومفاجئ وغير مبرر ، تتكرر يوميا، أيا كان المتسبب.

ميك، كان يعتزم التقاعد العام الماضي، الذي شهد رحيله، لقد عمل بما فيه الكفاية، أكثر من ثلاثة عقود كمصور إخباري، في عالم معذب، وكان يشعر بالفزع من ظهور ذلك الشرق الأوسط الجديد، الذي بزغ في أعقاب ما لا يزال يسمى، بسخافة، " الربيع العربي".

بعد يوم واحد من بدء ميك تسلم مهامه في مكتب سكاي نيوز بالقدس في أكتوبر 2011، سافر لتغطية صفقة مبادلة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط مع سجناء فلسطينيين، ثم ذهب ميك إلى ليبيا في أعقاب العثور على القذافي وقتله، وسافر إلى مصر أكثر من خمس مرات خلال العام التالي، ليغطي أحداث المظاهرات العنيفة غالبا.

وكاد ميك أن يفقد حياته في غزة خلال عملية عمود السحاب عام 2012، حيث قصفت القوات الإسرائيلية المبنى الذي كان يعسكر فيه فريق سكاي نيوز.

لذا فإن حديث الوسادة بيننا كان يجنح صوب الأخبار، حيث أصبح الوضع أليما وتحول إلى أسوأ مما كان عليه في ليبيا وسوريا والعراق ومصر، لقد أخبرني أن الشرق الأوسط بات أكثر عنفا ويأسا وتطرفا منذ بداية تغطيته للمنطقة في ثمانينيات القرن المنصرم، وهو ما كان يعني أنه الوقت الأمثل لنا للخروج، لاسيما وأننا كنا محظوظين باقتراب نهاية حياتنا المهنية الإعلامية.

واليوم، نرى الوضع طاحنًا بين إسرائيل وغزة، كما تقهقرت الأوضاع في ليبيا بصورة مزرية، واستولى مقاتلو داعش الوحشيون على مساحات في العراق وسوريا، بما كرس من عدم جدوى حرب العراق، كما تعمق الحرب الأهلية السورية من حجم المأساة.

أشعر بالسعادة لأن زوجي فاتته تغطية أحداث غزة الحالية، لكنني كنت أتمنى أن يكون التقاعد وليس الموت هو سبب ذلك.

وبالرغم من أن ميك كان مصورًا مشاكسًا وقادرًا على فرض نفسه، إلا أن قلبه كان مثل "حلوى الخطمي"، فذات يوم، بعد مقابلة مع أب فقد ابنه ملازم الجيش الأمريكي إبان حرب العراق، وضع ميك الكاميرا، وأجهش بالبكاء. لذلك لم يكن الأمر سيمضي معه جيدا مع أحداث غزة الحالية.

من السهل التيقن من أرقام القتلى في مثل هذه الصراعات، مثل أحداث غزة التي راح ضحيتها 1750 في شهر واحد، بينهم 10 من مدرسة واحدة، لقد اعتدنا على ذلك، لكنها لا تضاهي التجربة الشخصية التي يمر بها المرء، مثلما يمثّل لي صباح 14 أغسطس 2013

قد لا أعلم على وجه الدقة ماذا حدث في ذلك اليوم، لكنني مررت بكثير من الحزن في ذلك العام المنصرم، والذي يتحول أحيانا إلى غضب أعمى تجاه من تشعر أنه مسؤول عن سلبك الشخص الذي يخصّك.

لذا ينبغي أن نتذكر أن خلف كل رقم، ووراء كل حدث، تقبع خسارة مدمرة يشعر بها ذووه، وتجربة حزن شخصية جدا.


اقرأ أيضًا:

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان