رئيس التحرير: عادل صبري 07:40 مساءً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

8 سنين ونصف السنة في معتقلات بوتين

8 سنين ونصف السنة في معتقلات بوتين

30 أبريل 2014 13:39

حين خرحت من المعتقلات الروسية التي قضيت فيها 8 سنين ونصف السنة سألني الصحافيون السؤال نفسه: ما كان أقسى ما تحملته في السجن؟ والحق يقال إنني لم أقر بأن أفظع ما يختبره السجين هو الخطوة الأولى التي يخطوها في زنزانتـــــهـ حال غلق بابها عليه، وتناهي صوت المفتاح يدور فــــي القفل مرتين، وعزلته. في تلك اللحظة نظرت حولي، ورأيت المكان الضيق والجدران التي تكسوها الكتابات والـــسرير الخشبي العاري، وفي الزاوية سطل يقضي فيه الســجين حاجاته. والكتابات بليغة : «كلاب فاسدون»، «الشرطيون عاهرون»، إلى تواريخ وعناوين وأسماء ورسائل عشق. فمن لا يقيم في الزنزانة غير ساعة واحدة يماشي الطقس التقليدي، ويخط أثراً على الجدار، ويحرص على أن يعلم السجين التالي أنه ليس الأول والأخير.

والداخل إلى الزنزانة لم يُدَن بعد، ولم يصدر حكم فيه، ولكنه يُكلم وكأنه مجرم مجرِّب وعتيق. فهو من غير هوية شخصية، وخاسر لا يعتد به ولا يحسب له حساب. ولما أغلق الحارس باب الزنزانة وراءه، جلست أرضاً وبكيت ووجهي في كم سترتي خشية أن يسمع بكائي أحد ويدرك ضعفي. وليلتك الأولى هنا تجعلك إنساناً مختلفاً عن ذاك الذي كنته في نهارك، والباب الذي صُفق وراء ظهرك فصلك من غير رجعة عن حياتك السابقة: فلن يشبه شيء هنا الأشياء في الخارج، وهذه الثانية لن تنساها أبداً. فما يستقبلني وأستقبله هو عالم جديد، قفزة في الفراغ من صخرة شاهقة.

لم أحس بالوقت الذي مر عليَّ منذ أصابتني نوبة الهستيريا، حين فتح الباب وعوى صوت: «اخرجي!». ركضت إلى الخارج، ولكن ضوءاً حاداً بهرني، وأحدهم قال: «صباح الخير! نحن فريق تصوير برنامج اسمه حوادث غير مألوفة، أوقفتِ قرب فندق يقع في جادة فيرنادسكي وفي حوزتك متفجرات، فماذا تقولين؟». كلمات الصحافي وقعت علي وقع الشحنة الكهربائية، ولم أفهم ما قاله. فأي فندق هذا؟ ولماذا جادة فيرنادسكي، وأنا أوقفت في وسط موسكو؟ كيف علمت محطة التلفزة بأمري؟ ألف سؤال جالت في ذهني، وأنا أعلم أن لا جواب عنها، ولا أذكر بما أجبت. وبعد دقائق تصوير أعدت إلى زنزانتي وأبقيت فيها 48 ساعة. وقضى بعدها قاضٍ بحبسي وقائياً، وعلل حكمه بـ «خطري» على المجتمع. فنقلت إلى سجن بيتروفكا، مقر مديرية وزارة الداخلية بمدينة موسكو.

وهذا السجن هو أسوأ سجون الاتحاد الروسي كلها، ومعروف بالتعذيب والتعزير اللذين يعامل بهما الموقوفون على ذمة التحقيق. ونقلت إلى سجني مخفورة ومصفدة. والأصفاد تأخذ المصفد على حين غرة، فهي أشبه بأساور معدنية باردة تطبق على المعصمين وتشد عليهما. وأركبت سيارة، وأجلست على مقعدها الخلفي بين شرطيين. وفي الطريق الطويل إلى السجن، وفي أثناء الوقت الذي مطه الزحام والسير البطيء، تجاذب الشرطيان والسائق الحديث، وتراووا النكات وضحكوا. وكنت حزينة وحدي، غارقة في مرارة أفكاري. وألحت علي وأنا أرى الشوارع تمر أمام عيني، فكرة واحدة: «ما مصيري؟». لم يخبرني أحد بالجهة التي نقصدها، ولا أين وقفت السيارة أو صفة المبنى الضخم والستاليني الذي وقفت بإزاء رصيفه. وقال لي حارساي وهما يقتاداني إلى داخل المبنى: «أهلاً بك وسهلاً!». ولا ريب في أن سخرية شرطة المبنى، القائم في 38، شارع بيتروفكا، لا تضحك الموقوفين الجدد، ولكنهم يعتادونها تدريجاً، وقد يجيبون بمثلها بعد مضي بعض الوقت على إقامتهم بالمبنى.

ولكن القلق الممض لم يفارقني، وحين أُدخلت استقبلني حراس يتولى قيادتهم رجل ناحل، ضيق العينين، يسترق إليّ نظراً هارباً وجانبياً، تخطى الأربعين. فأمرهم بأخذي إلى التفتيش الدقيق. اجتزنا ممراً شحيح الإضاءة، تفوح منه رطوبة نفاذة الرائحة، ويسوده صمت ثقيل، ولم أسأل عن اسمي حين بلغنا حجرة التفتيش، وُسلمت إلى امرأة في زي شرطية، بدت على علم بأمري. وعمدت الشرطية إلى تفتيش ثيابي، وتقليبها وجهاً وظهراً وكأنني كنت أعلم بتوقيفي وأخفيت في ثناياها محظورات أحرص على التستر عليها. وأمرتني بالتجرد من حُليّ، وإفراغ جيوبي، ولم تترك موضعاً من جسدي لم تفحصه، ولم تعف عن أكثر المواضع خفاء وخصوصية. واقتضى اعتيادي هذا الصنف من الانتهاك وقتاً طويلاً. ويمزح المسجونون ويقولون إن الأعوام الخمسة الأولى صعبة وما بعدها أهون منها.

وبعد التفتيش قادني حراس إلى الاغتسال في حمام بلاطه قذر، وجدرانه بالية. ولم أعر الأمر اهتماماً، فالاغتسال يُسَري عن المغتسل على رغم فتور الماء. وانتقلت إلى استجوابي الأول، وأنا متجلدة ومتماسكة. وبينما نحن سائرون إلى مكتب المستجوب كانت الأبواب تصفق وراء ظهري، ونؤمر بالوقوف قبل فتح الأقفال وإدارة المفاتيح فيها، وينبح حارسي: «وقوف، الوجه إلى الحائط، اليدان وراء الظهر»، تفادياً للقاء المسجونين وجهاً لوجه. وهكذا تبدأ الحياة في السجن. فثمة قواعد ينص عليها قانون إنفاذ العقوبات، وأخرى سنتها هذه الإدارة أو تلك، وثالثة وضعها الموقوفون. وعلى المسجون التقيد بها جميعاً، إذا أراد البقاء على قيد الحياة. وسرعان ما أدركت قصوري عن ذلك، وعجزي عن التزام ما يطلب مني.

يفتــح الحارس الباب ويأمرني بالدخول أولاً. الغرفة مكتـــب فسيح يغمر الضوء أرجاءه، ويجلس رجل إلى طاولة في صدارة المكتب، ويقلب أوراق ملف بين يديه في قميص بني. يكلمني من غير أن يشيح بعينيه عن الملف: « اقتربي، سنتناقش في لطف أو لؤم، كما تريدين أنتِ. فالزبون هو الملك هنا». وينفجر الموظف ضاحكاً حـــال إلقائه نكتته. وفي زاوية المكتب، إلى يميني، يجلس رجل آخر لم أنتبه إليه، ولم أرَ أنه يراقبني في صمت حين جلـــست وكلمني الموظف وراء مكتبه. «ليس بيدها حيلة»، قال مــــراقبي بصوت مظلم. وقفز بغتة، وترك كرسيه مرعداً: «ذراعاك وراء ظهرك، يا عاهرة!».

ولم أكن أعرف كيف يكون الاستجواب، إلى ذلك الحين. وعرفت سريعاً أن المحققين الروس، شأن زملائهم في بلدان العالم الأخرى، يتناوبون دورين، دور الشرطي اللطيف ودور الشرطي اللئيم. ويقتسم شرطيان الدورين، ومن يؤدي دور الفظ واللئيم لا يترك للمتهم مجالاً للدفع بالبراءة، فيكلمه وكأن الجريمة ثابتة، ويهدده، ويبتزه، ويضربه، ويعذبه... وأما الثاني، فيؤدي دور خادم القانون الشريف والعفيف، ويحضك على التعاون مع التحقيق، والتوقيع على الإقرار بالأفعال المنسوبة إليك تجنباً للآلام المتوقعة. ولكنني أدركت عاجلاً أن الرجلين لبسا يومذاك لبوس المحقق اللئيم.

«هل تتعرفين عليهم؟»، سئلت حين عرضت علي كومة من الصور الفوتوغرافية (الشمسية). «إنهم إخوتك، جنود الإسلام وقتلة مثلك. والبنات مثلك، وفي أحسن الأحوال، عاهرات». نظرت إلى الصور في صمت. كل صورة منها عبارة عن مصير، عن مأساة ربما، وصفحة ماضٍ جرمي من يدري؟ وهؤلاء الناس ربما قضوا وماتوا، في السجن أو في مكان آخر. قيل لي إنهم إرهابيون. لم أتعرف على واحد منهم. قلت: «لا أفهم ما تريدون مني، فلا علاقة لي بأحد هؤلاء، ولا أعرف أحداً منهم».

- «انظر إليها! إنها لا تعرفهم! فكري قليلاً في الأمر».

حمل الرجل الجالس إلى يميني كرسيه وجعله وراء ظهري: «قد تعرفين بعضهم. ربما كنت مع أحدهم في المدرسة أو الجامعة. فنحن نعلم كيف تحصل الأمور في بلاد الشيشان».

- هؤلاء الملتحون القذرون يختبئون في الجبال، ويحمِّلون الرسائل على الإنترنت، ويرسلون إلينا حثالات على شاكلتك يفجرون مواطنينا، زمجر الجالس إلى مكتبه.

- لا أفهم عما تتحدثون. لا أعرف أحداً، لم تسألوني كيف صرت هنا».

أسمع صوتي، وأنا أتكلم، ويخيل إلي أنه صوت شخص آخر. وتهاوت المناقشة. وعندما ترفضين قبول تهمتك جزافاً، ينتقل المحققون إلى أساليب خشنة وبسيطة. فيضربونك ضرباً مجرِّباً ومحترفاً. وحين حملت إلى زنزانتي، كل خطوة من خطواتي كانت عذاباً أليماً. ارتميت على مضجعي، وهو خشبة يغطيها قماش وسخ ينضح برائحة الضحية التي سبقتني. لم أمسك عن البكاء، وبلغ صوت نشيجي السجن كله. وسمعت حارساً وراء الباب يصرخ في: «اخرسي أيتها القردة!».

وتُركت في اليوم التالي لشأني. وأيقنت أنني لن أخرج حية من سجني، واستسلمت لمصيري المحتوم. واستسلامي كان صورة من صور مقاومتي وكفاحي. فحين يسمع الشرطيون طيلة ساعات التحقيق جواباً واحداً: «لا آبه»، يسقط في يدهم، ولا يدرون ما يصنعون بشخص قطع الأمل من كل شيء. وفي اليوم التالي، جررت إلى المكتب نفسه، وإلى المحققين. فسألاني أسئلة البارحة، وكرراها المرة بعد المرة حتى حسبت أنني في مستشفى أمراض عقلية. وأدركت خطتهما: فهما يجعلانني أكرر أجوبتي وروايتي لعلي أناقضها وأتعثر فيها، فيثبتان التناقض والتهمة. ولكن هذا يفترض أنني أكذب، وأنا لم أكن أكذب، وهما يعلمان أنني لا أكذب. وأحدهما أقر بالحال: «تعرفين المثل: حين نقبض على أحد لا نعدم مادة في قانون الجزاء نلصقها به. تريدين الظهور بمظهر البطلة، ولكن في عين من؟». وقال الثاني: «ماذا نصنع بك؟ رأسك رأس بغلة، وأنتم اعتدتم العيش مع البغال حتى صرتم مثلها». ولا أذكر كم من الوقت دامت التحقيقات، ولكنها كانت جحيماً. والوقت لا يكاد ينقضي في الجحيم.

 

* سجينة شيشانية أطلق سراحها في 9/2012، فصل من كتابها «8 سنين ونصف، امرأة في معتقلات بوتين»، عن «بوكس» الفرنسية، 4/2014، إعداد م. ن.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان