رئيس التحرير: عادل صبري 09:59 صباحاً | الأحد 19 أغسطس 2018 م | 07 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

"سياتل تايمز": ثقافة الخوف تجهض الثورة المصرية

"سياتل تايمز": ثقافة الخوف تجهض الثورة المصرية

وائل عبد الحميد 13 يناير 2014 16:21

هل تعكس الحكومة إرادة الشعب، أم أن الشعب أصبح نتاجًا لسياسات الحكومات المتعاقبة؟، قد يبدو هذا السؤال معقدًا، لكنه يكشف معضلة الثورة المصرية، التي أصبحت معلقة أو مرفوعة مؤقتًا من الخدمة، لأن هذه الثورة لم تغير بعد ثقافة الخوف والقمع التي تترسخ في كثير من فئات المجتمع المصري، حسبما رأت الكاتبة نانسي يوسف في تحليل نشرته صحيفة (ذا سياتل تايمز) الأمريكية.

 

ووصلت الكاتبة إلى قناعة مفادها أن الثورة ليست مجرد إسقاط حكومة أو نظام، بقدر ما هي ثورة على الأفكار والثقافات التي خلفتها عصور القمع في المجتمع، ليدرك المواطنون معنى وقيمة الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والثمن الذي يجب أن يدفع في هذا الطريق، وهو ما لم يتحقق على النحو المطلوب.

 

فيما يلي نص المقال:

 

منذ عامين تقريبًا، عندما انتقلت للمرة الأولى إلى القاهرة، كنت حريصة على توفير مكان يضم غرفة نوم ثانية من أجل أصدقائي الذين تعهدوا بزيارة مصر، والقيام بجولة استكشافية لآثارها القديمة، ورؤية الأهرامات وأبو الهول، والتي تندرج في قائمة أمنيات العمر بالنسبة لهم، ولكن مع كل شهر يمضي مصاحبًا لحالة عدم الاستقرار التي ضربت الوطن في أعقاب ثورة 2011، ظلت هذه الغرفة الثانية خاوية معظم الوقت.

 

لكن صديقي "بن" كان على استعداد للمغامرة، وأتى لزيارتي، ولكن بدلا من أن يعرف معلومات عن مهد الحضارة، تعلم عن غير قصد الأسباب التي جعلت أحداث العام الماضي تبدو وكأنها تبطل الوعد الديمقراطي الذي ظن الجميع أنه سيتبع الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك منذ ثلاث سنوات.

 

في 2013، ارتضى المصريون، الذين كانت طلباتهم تتمثل في تعامل أفضل من حكومتهم، إلغاء انتخابات رئاسية عادلة، وقتل 1100 شخص على الأقل بواسطة القوات الأمنية، وتدمير نحو 100 كنيسة، واتهامات زائفة بالإرهاب ضد الجماعات السياسية، واعتقال الآلاف باتهامات واهية، بما في ذلك أطفال وأعضاء من جماعة الإخوان وصحفيين وثلاث شخصيات ثورية من قيادات ثورة 25 يناير.

 

وبينما بدا الشعب المصري ذات يوم راغبا في عملية انتخابية عادلة، يبدو حاليًا راغبًا بشدة في أن يكون وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، الذي خطط لإسقاط أول رئيس منتخب في مصر، الرئيس المصري القادم، سامحًا للجيش بأن يبسط هيمنته رسميا على البلاد.

 

ماذا حدث للثورة، و لماذا نجد العديد من الأشخاص مستعدين لقبول إعادة فرض تكتيكات الدولة البوليسية؟ وبينما خضت تجربة استكشاف الأحوال في مصر مع بن، بدأت اعتقد أن الثورة لا تأتي عند التخلص من رأس الحكومة ولكنها إصلاحات في قلب أعضاء المجتمع، وهو ما لم يحدث بعد في مصر.

 

لقد أدت عقود من الحكم الديكتاتوري إلى مجتمع شيد معاييره الاجتماعية على أساس الخوف من الدولة، ولكن عندما انتهى ذلك الخوف ذات يوم، لم يفض إلى تغيير ثوري، ولكن إلى نوع من الفوضى، مع مجتمع لا يعرف كيف يسير أموره في غياب الخوف من الدولة.

 

بالنسبة لي، فإن تطورات العام الماضي بين الحياة اليومية للمصريين يطرح السؤال التالي: هل أي حكومة هي انعكاس لشعبها؟ أم أن الشعب هو نتاج الحكومات؟

 

مع كل رحلة قمت بخوضها مع صديقي بن، كان يشعر بالاندهاش من الكيفية التي يعامل بها المصريون بعضهم البعض، وفي الأيام الأولى كان يشجعني على التحدث بالعربية، ولكن مع نهاية الرحلة، كان يطلب مني التحدث بالإنجليزية، حتى لا نتعرض للمضايقة.

 

إذا حاولت أن أسجل إجراءات دخولي للفندق بجنسيتي المصرية يتم رفض طلبي، أما إذا قلت إنني أمريكية، بالرغم من اسمي المصري، أكون موضع ترحيب حينئذ. أتساءل: كيف يمكن لمجتمع يعامل الغرباء أفضل من مواطنيه أن يطلب من حكومته معاملة أفضل؟

 

الثوريون الذين كانوا مصدر إلهام للأمل والوعد لم يعودوا في موضع القيادة. لقد أخذتهم مرحلة ما بعد مبارك إلى طريق النشوة، أتبعته موجة قمعية من الدولة البوليسية التي ظهرت من جديد، ثم حاليًا هم في مرحلة إعادة حسابات حول الخطوة القادمة، لكن القيادات الثورية تطرح ذلك السؤال من السجن.

 

إنها لمفارقة غريبة أن تقوم الدولة البوليسية بقمع المعارضين لكنها تسمح بازدهار النشاط الإجرامي.

 

"بن" لم يستطع الاستمتاع بمغامرات صغيرة مثل استقلال مترو أنفاق القاهرة دون أن يساوره شعور بالقلق من أن أتعرض لاعتداء جنسي. لقد قال لي: "ظللت أراقب الرجال"، وفي ذات الأثناء ظل القلق يساورني من تعرضه لحادث سطو.

 

لقد لاح في الأفق ذات يوم سبب يدعو للتفاؤل إبان 18 يوم احتجاج في ثورة 2011 التي قادت إلى سقوط مبارك، حيث أثلج صدور العديد من المصريين غياب التحرش الجنسي والتردي الاجتماعي من هؤلاء ذوي الخلفيات الدينية والثقافية المختلفة، وتم وصف تلك المرحلة كما لو كانت المدينة الفاضلة لأفلاطون "يوتوبيا"، واستبشر الجميع ببداية دولة جديدة، وهي الصورة التي كانت مرسومة في عقل بن في الولايات المتحدة، حيث لم تكن أخبار الإطاحة بمرسي قد اخترقت بعد التفاؤل الأمريكي الأبدي، من أن الشعب كافة يرغب في العيش في كنف دولة ديمقراطية.

 

ولكن ما أن سقط مبارك، وذهب الهدف المشترك بذهابه، وكذلك هدف تغيير المعايير الاجتماعية.

 

بن كان حريصا على التقاط صورة مع الجنود المصريين المتمركزين عبر العاصمة على متن دبابات برادلي أمريكية الصنع، وغالبا ما تحمل العلم المصري وصور السيسي.

 

ووافق أحد الجنود على التقاط صورة مع بن، ولكن بدون بندقيته، قائلاً له في نكتة مشوبة ببعض الحقيقة: "أستطيع إطلاق النار على عضو من الإخوان وليس على أجنبي".

 

وبعكس ما دعت إليه الثورة من ضرورة توحد الشعب من أجل مجتمع عادل، تحول المصريون الآن بعضهم ضد بعض في لعبة تمحي آثار ماهية الوطن.

 

الجرافيتي الذي جسد ذات يوم وحدة الأقباط والمسلمين استبدل بعبارات تلعن مرسي والسيسي وآخرين.

 

لقد دفع الفضول الملح بن إلى أن يطلب السؤال حول ماذا يعتقد المصريون بشأن وضعهم الحالي. وفي الأهرامات حاول مرشد سياحي إخباره أن الأمور تتحسن، لكنه اختتم قائلا: " يجب علينا جميعا الاعتماد على أنفسنا الآن".

 

في طريق المنصة، التي اغتيل فيها الرئيس أنور السادات عام 1981، تقع "رابعة العدوية" تلك المنطقة التي آثر الآلاف الاعتصام فيها الصيف الماضي من أجل مرسي، وفي 14 أغسطس، قامت القوات الأمنية بفض الاعتصام وفي مناطق أخرى عبر مصر، وبلغت حصيلة القتلى 1100.

 

لقد شرحت لبن ماذا حدث قائلة:" هذه هي القاعدة التي هاجمتها القوات، لقد حاول أعضاء الإخوان البحث عن مأوى في الوحدات السكنية لكن السكان لم يسمحوا لهم لأنهم أنصار مرسي.

 

وتوقع "بن" مشاهدة احتجاجات هائلة لكن المتظاهرين لم يأتوا، وأثناء فترة إقامته، حكم على ثلاثة قيادات ثورية بالسجن 3 ثلاث سنوات بتهمة انتهاك قانون جديد يلزم المتظاهرين بأخذ موافقة حكومية على التظاهر مقدمًا.

 

وكان رد الفعل هو التذمر حيث قال سائق تاكسي لـ بن: " أصابنا السأم من الاحتجاجات.. الاحتجاجات لم تجلب لنا شيئًا البتة".

 

وبالطبع فإن الحقيقة أكثر هراء، ففي الليلة الأخيرة لصديقي بن ذهبنا إلى العشاء مع أصدقاء، من الشباب الذين تظاهروا في ميدان التحرير. وبينما ترتفع سحب الشيشة، أخذوا يلقون باللائمة على ذلك الانحدار في المعايير الاجتماعية، ومساحة اليأس التي تتزايد لدى هؤلاء الذين يقطنون في مصر بشأن الوضع الراهن. لم يعد هؤلاء الشباب يتحدثون عن وعد الغد، ولكن عن عقود من العمل يجب أن تسبق حدوث تغيير حقيقي، قبل أن يقول أحدهم "لسنا مستعدين".

 

اقرأ ايضا:

 صحيفة أمريكية: طريق مصر نحو الديمقراطية محفوف بالدماء

صحيفة أمريكية: حملة "قمع" أنصار مرسي تتعثر 

صحيفة أمريكية: هل يمكن أن تستعيد قطر نفوذها في مصر؟ 

الثـورة المصريـة.. "التعميــر من أجل التغييـر"

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان