رئيس التحرير: عادل صبري 04:59 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

ارئيل شارون.. رحيل "رجل المجازر" في إسرائيل

ارئيل شارون.. رحيل "رجل المجازر" في إسرائيل

مصطفى السويفي 11 يناير 2014 20:44

كل ذلك كان من صنع شارون: كان جسمه الضخم يتمايل من وراء صف من رجال قوات مكافحة الشغب، فقد قاد الجنرال السابق مسيرة الى باحة المسجد الأقصى، مؤكدا مطالبة إسرائيل بالسيادة على هذا الموقع المقدس، محل الخلاف منذ فجر الصراع العربي الإسرائيلي، حسبما أفادت الأسوشيتد برس في تحليل عن شخصية شارون الذي لقي حتفه السبت.

 

أعقب ذلك انتفاضة فلسطينية وضعت حدا لجهود السلام في الشرق الأوسط. بعدها بخمس سنوات، انطلق ثانية في تهوره ليمضي قدما في خطته بالانسحاب من قطاع غزة ويزيل المستوطنات اليهودية ويسحب سكانها البالغ عددهم نحو 8500 مستوطن دون أن يأخذ في اعتباره التهديدات التي أطلقها ضده اليهود المتشددون.

 

وصف حلفاؤه الانسحاب بأنه خطوة ثورية لصنع السلام، فيما قال منتقدوه إنها تضحية تكتيكية لتعزيز قبضة إسرائيل على معظم مناطق الضفة الغربية.

 

وفي كلتا الحالتين كان الانسحاب من غزة وبناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية قد غيرا وعلى نحو دائم وجه الصراع ورسخا الإرث الأخير لرجل صاغ شكلا جديدا لإسرائيل كما لم يفعل أي زعيم آخر.

 

تحول شارون من مزارع الى جندي ومن جندي الى سياسي ومن سياسي إلى رجل دولة. هو رجل إسرائيلي شديد الطموح أقام المستوطنات اليهودية على أراض احتلتها إسرائيل في الحرب، ولم يطرف له جفن عندما دمرها بعدما انتفت الحاجة اليها.

 

الرجل الذي يعرف في إسرائيل بلقب "أريك" قاتل في معظم حروب إسرائيل واكتسب سمعة بأنه جندي بارع، وكان عراب حملة إسرائيل الاستيطانية الواسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

"رجل المجازر"

 

لكن الصفة الأبرز التي انطبعت في التصور العام حول شارون هي أنه "رجل المجازر" التي نفذت بحق الفلسطينيين في مخيمات لبنان: صبرا وشاتيلا على يد الميليشيات المسيحية المتحالفة مع إسرائيل خلال اجتياح لبنان عام 1982، العملية التي كانت من بنات أفكاره هو.

 

كان يمقت ياسر عرفات، خصمه الأزلي، ويعتبره "عقبة في طريق السلام"، وهذا ما جعله مكروها في العالم العربي. كان بطل حرب في نظر الإسرائيليين ومجرم حرب في نظر أعدائه.

 

امتدت مسيرته طوال سنوات الصراع العربي الإسرائيلي بدءا من المناوشات المبكرة حتى حروب إسرائيل الخمسة، واحدة منها جعلت منه منقذ البلاد، وأخرى عدت وصمة عار في تاريخ إسرائيل.

 

كان طوال حياته معارضا لتقديم أي تنازلات للعرب ومنح الفلسطينيين دولة خاصة بهم. حياته اتسمت بالمفاجآت، وليس ثمة مفاجأة أكبر من فوزه في الانتخابات رئيسا للوزراء في أواخر أيامه، وقضائه ولايته الأولى في سحق الانتفاضة الفلسطينية وولايته الثانية في الانسحاب من غزة. فقد حرر 1.3 مليون فلسطيني من الحكم العسكري الإسرائيلي وترك لخلفائه من بعده خطوطا عريضة مبهمة حول تسوية نهائية للصراع العربي الإسرائيلي.

 

عقب الانسحاب من غزة، حطم شارون الانقسامات السياسية التي طال أمدها في إسرائيل بتخليه عن الليكود، التكتل اليميني الذي ساهم هو في تشكيله قبل ثلاثة عقود، ليؤسس حزبا وسطيا جديدا تحت اسم "كاديما"، لدعم مساعيه في التوصل الى اتفاق مع الفلسطينيين ووضع حدود نهائية لدولة إسرائيل. وكان الحزب في طريقه لتحقيق النصر في الانتخابات المقبلة عندما عانى شارون من الجلطة.

 

البلدوزر

 

كجندي، عرف شارون بتكتيكاته الجرئية ورفضه إطاعة الأوامر في أغلب الأحيان. كسياسي، كان يعرف بالبلدوزر، الرجل الذي يعرف كيف تنجز الأمور.

 

وكانت تصرفات الأحادية الجانب هي سمة ولايته الثانية كرئيس للوزراء. فبعد نفاذ صبره حيال انهيار جهود السلام، اختار شارون فصل إسرائيل عن الفلسطينيين الذين كانت معدلات موالديهم تفوق تلك التي في بلاده.

 

تخلى عن غزة وأزال إحدى وعشرين مستوطنة يهودية فيها، كما أزال أربع مستوطنات أخرى في الضفة الغربية، في أول انسحاب إسرائيلي منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في حرب 1967. كما شرع في بناء جدار أفعواني لفصل إسرائيل عن الضفة الغربية، وهو مشروع رفضه في البداية خشية أن ينظر اليه على أنه تنازل ضمني عن الضفة الغربية.

 

الانسحاب من غزة والجدار العازل الذي ترك الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية في الجانب الإسرائيلي، دفع الكثيرين الى الشك في أن نواياه الحقيقية تكمن في تجنبه إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين، ولتجعل من السهل عليه الاحتفاظ بما يهمه هو: أجزاء من الضفة الغربية بما تحمله من صدى في التراث التوراتي ولقيمتها كمنطقة عازلة ضد أي هجمات تشن على إسرائيل من الشرق.

 

جسد شارون صورة الفلاح الجندي المشاكس الذي تعتز بها الدولة اليهودية التي قامت من رماد الهولوكوست.

 

ولد شارون لوالدين مهاجرين من روسيا في 26 فبراير عام 1928 في مجتمع زراعي في قرية كفار مالال، التي تبعد عشرة أميال شمال تل أبيب. وفي سن الرابعة عشرة انضم الى الهاغاناه، القوة الدفاعية التي شكلت قبل قيام دولة اسرائيل. وكان آمرا لوحدة مشاة خلال حرب عام 1948 التي انتهت بقيام الدولة اليهودية.

 

عصيان الأوامر

 

منذ ذلك الزمن المبكر اكتسب سمعة من ينتهك القوانين ويعصى الأوامر ويتحدى الصعاب أيضا.

 

كان يقود عصبة متشرذمة من الجنود عندما هاجم كتيبة للجيش العربي الأردني متمركزة في اللطرون، وهي منطقة مهمة لوقوعها في الطريق إلى القدس خلال حرب 1948. وأصيب بجروح بالغة في ساقه ونزف لساعات محاطا بجنود الأعداء..

 

وقال لصحيفة نيويورك تايمز وهو يضحك ضحكته العميقة "أعرف أنه أمر مروع لأن الناس سيقولون انظروا إنه يشرب الدم أيضا".

 

وفي عام 1953، قاد الوحدة 101، وهي قوة شكلت لشن هجمات انتقامية ضد العرب. وبعد مقتل أم يهودية مع ولديها فجرت قواته أكثر من أربعين منزلا في قبية، وهي قرية تقع في الضفة الغربية الخاضعة آنذاك للحكم الأردني، ما أسفر عن مقتل تسعة وستين فلسطينيا. وقال شارون فيما بعد إنه كان يظن أن المنازل خالية من السكان.

 

وبعد غزو اسرائيل لشبه جزيرة سيناء خلال حرب السويس عام 1956، وبخه قادته لخوضه معركة اعتبروها غير ضرورية مع القوات المصرية قتل فيها نحو ثلاثين جنديا اسرائيليا.

 

لكنه تلقى بعد ذلك إشادة لقيادته فرقة مدرعة خلال حرب 1967 التي احتلت فيها اسرائيل الضفة الغربية قطاع غزة سيناء وهضبة الجولان.

 

وبعد خروجه من الخدمة العسكرية، استغل قوته الشخصية المطلقة لإجبار مجموعة من العصب السياسية المتشددة في تشكيل تكتل الليكود، الذي فاز بالسلطة بعد أربع سنوات منهيا حكم حزب العمل المعتدل الذي هيمن على القيادة السياسية في إسرائيل طوال تسعة وعشرين عاما.

 

وأصبح شارون وزيرا في حكومة مناحيم بيجن ليتشبث بآرائه المتشددة. فعندما توصل بيجن في مفاوضات السلام مع مصر إلى اتفاقية كامب ديفيد التاريخية، التي كانت أول اتفاق سلام مع دولة عربية، صوت شارون ضدها.

 

وعند انسحاب اسرائيل من سيناء وفقا للاتفاقية، كان شارون وزير الدفاع في حكومة بيجن. حينها قال بيجن ساخرا إنه كان مترددا في إعطاء شارون هذه المهمة خوفا من أن "يطوق مكتب رئيس الوزراء بالدبابات".

 

لكن عندما أوكلت لشارون مهمة إزالة المستوطنات التي بنيت في سيناء أطاع الأوامر وأمر بإخراج المستوطنين المعارضين بعيدا وبهدم منازلهم بالجرافات.

 

الآن يأتي واحد من أكثر فصول حياته إثارة للجدل.

 

فعام 1982 كان مهندس غزو لبنان. صور شارون الغزو على أنه ضربة سريعة محدودة لدفع المقاتلين الفلسطينيين بعيدا من الحدود الشمالية لإسرائيل. في وقت لاحق تبين أن خطة شارون كانت ترمي إلى إقامة نظام موال لإسرائيل في لبنان- قال أصدقاؤه انها خطة تتسم بالجرأة، فيما رأى منتقدوه أنها تدل على إصابته بمرض جنون العظمة. وتصاعد الصراع بسرعة وبقيت القوات الاسرائيلية في لبنان على مدى السنوات الثمانية عشرة القادمة.

 

جزار صبرا وشاتيلا

 

وفي سبتمبر، سيطر الجيش الإسرائيلي على أجزاء من بيروت وسمح لقوات حزب الكتائب المتحالفة مع إسرائيل بدخول مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت لاستئصال ما زعم أنهم "الإرهابيون". وقام رجال الميليشيا المسيحية بذبح المئات من المدنيين من بينهم العديد من النساء والأطفال. المذبحة أثارت احتجاجات كبيرة في إسرائيل وخارجها. ورفضت لجنة تحقيق إسرائيلية مزاعم شارون بأنه لم يكن على علم بما كان سيحدث، قائلة "من المستحيل تبرير تجاهل وزير الدفاع لخطر وقوع مجزرة"، وطرد من وزارة الدفاع.

 

وفي مذكراته، قال شارون إنه غضب من نتائج اللجنة "لقد كانت وصمة عار أرفضها تماما". بقي شارون في الحكومة إلا إنه كان وزيرا بلا وزارة وتعهد بالبقاء في الحياة السياسية. كتب شارون "عندما رأيت ضعف القيادة والنفاق والكراهية بين اليهود في إسرائيل، عندما رأيت التطورات في جميع أنحاء الشرق الأوسط، اعتقدت ببساطة انه يتوجب علي البقاء".

 

توقع الصحفي أوري دان، صديق شارون، كما صدق توقعه فيما بعد، "إن الذين لا يقبلون به وزيرا للدفاع سيقبلون به رئيسا للوزراء". أعاد شارون تأهيل نفسه بأن خدم في الكنيست مستغلا مختلف المناصب الحكومية لبناء العشرات من المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة برغم الإحتجاجات الدولية.

 

 كوزير للخارجية عام 1998 دعا شارون المستوطنين للاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي قبل أن يتم التوصل الى إتفاق مع الفلسطينيين. وقال "يجب على الجميع التحرك، على الجميع الجري والاستيلاءعلى المزيد من التلال وتوسيع الأرض. كل ما نستولي عليه سيكون ملكنا، وكل ما لا نستولي عليه سيكون في أيديهم". كما لعب دورا قياديا في استيعاب مئات الآلاف من المهاجرين اليهود من الإتحاد السوفييتي.

 

زيارة شارون الاستعراضية لجبل الهيكل، أو الحرم القدسي الشريف، أعقبت ذلك. تصاعدت أعمال العنف الفلسطينية لتتحول الى انتفاضة شاملة أودت بحياة أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني وألف إسرائيلي.

 

 في فبراير شباط 2001، ومع استمرار القتال وانهيار آخر أمل في محادثات السلام مع الفلسطينيين، نمت في الأوساط الإسرائيلية خيبة أمل عميقة وألقي باللوم في ذلك على الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات.

 

توق الإسرائيليين الى قائد قوي دفعهم الى إعادة انتخاب شارون بأغلبية كاسحة. تواصل القتال طوال فترة شارون الأولى كرئيس للوزراء وأعيد إنتخابه لولاية ثانية في 2003.

 

في تلك السنة ومع معاناة البلدات الإسرائيلية من موجة الهجمات الإنتحارية، انطلقت الجرافات مرة ثانية لبناء جدار من الأسوار والأسلاك. أواخر عام 2003، كشف عن خطته بفك الارتباط أحادي الجانب - الانسحاب من الأراضي التي لم تعد تشكل ضرورة أمنية لإسرائيل - دون أن يتفق في ذلك مع الفلسطينيين. قال شارون "نحن مهتمون في إجراء مفاوضات مباشرة، ولكننا لا ننوي وضع المجتمع الإسرائيلي رهينة في أيدي الفلسطينيين".

 

وفاة عرفات في عام 2004 وفرت له قيادة فلسطينية جديدة أكثر اعتدالا للتعامل معها. في وقت سابق ألقى في خطاب له ما كان له وقع القنبلة على رؤوس الإسرائيليين. وصف ولأول مرة الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة بأنه "احتلال " واعترف بأن قيام دولة فلسطينية مستقلة بات أمرا حتميا لا مفر منه.

 

وقال أمام الكاميرات لنواب الليكود الذين أصيبوا بالصدمة إن "الاحتلال أمر سيء". ومع ذلك فان ما أعقب هذا التراجع كان اقل بكثير مما قدمه سلفه وما كان مقبولا حتى من قبل الفلسطينيين المعتدلين. على الرغم من إن شارون كان قد تعهد خلال الحملة الانتخابية البرلمانية باستئناف محادثات السلام، فانه تعهد ايضا بالإحتفاظ بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل "إلى الأبد".

 

على الصعيد المحلي، أصبح شارون الأخير في سلسلة طويلة من رؤساء الوزراء الذين شابت فتراتهم تحقيقات بالفساد. فقد اتهم بجمع التبرعات على نحو غير ملائم وقبوله رشى من مقاول  بارز، ومع ذلك لم توجه اليه أي اتهامات رسمية.

 

من خلف سلوكه الفظ وسخريته اللاذعة، أظهر سحره للعالم القديم وحبه للطعام الفاخر وولعه بالموسيقى الكلاسيكية. ترمل شارون مرتين، فقد تزوج من شقيقة زوجته الأولى بعد وفاتها في حادث سيارة، وله ولدان. توفي الابن الثالث في عام 1967 في حادث إطلاق نار.

 

اقرأ  أيضا:

 

مبارك: الوحيد الباقي هو شارون

طبيب شارون :لا أمل فى الشفاء

أخيرًا.. مات شارون

دعوات لفصل الأجهزة عن شارون بسبب التكلفة

حماس: موت شارون عبرة لكل الطغاة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان