رئيس التحرير: عادل صبري 09:51 صباحاً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

الأتلانتك تكشف بداية حذر أمريكا من محمد مرسي.. قصة واشنطن مع الإسلاميين

الأتلانتك تكشف بداية  حذر أمريكا من محمد مرسي.. قصة واشنطن مع الإسلاميين

صحافة أجنبية

الرئيس الأسبق محمد مرسي

الأتلانتك تكشف بداية حذر أمريكا من محمد مرسي.. قصة واشنطن مع الإسلاميين

وائل عبد الحميد 11 أكتوبر 2017 19:36

"بعد أن اتخذ مرسي قرارا بتهميش قادة الجيش في أغسطس 2012، وللمفارقة الساخرة قام بترقية غريمه المستقبلي عبد الفتاح السيسي كوزير دفاع، أصبحت واشنطن حذرة بشأن ممارسات القاهرة".

 

جاء ذلك في سياق تحليل مطول بمجلة الأتلانتك الأمريكية للباحثين شادي حميد وبيتر ماندافيل وويليام ماكانتس. بعنوان "كيف غيرت الولايات المتحدة نهجها تجاه الإسلام السياسي؟"

 

 

وإلى النص الكامل 

 

أحيانا تنجح الجماعات الإسلامية، وأحيانا تخفق، لكنها دائما ما تكون موضعا للاهتمام.

 

ويعني ذلك أن الولايات المتحدة في حاجة إلى إجابات على تساؤلات لا  تتعلق فحسب بطبيعة الحركات الإسلامية لكنها ترتبط أيضا بالسؤال السياسي الشائك حول كيف ينبغي لواشنطن التصرف حيالها.

 

إنه سؤال جدلي منذ أوائل التسعينيات من القرن المنصرم على الأقل.

 

وبعد حوالي عقدين من ذلك التاريخ، جلب الربيع العربي "معضلة الإسلاميين" إلى الواجهة، ووجدت واشنطن نفسها مجددا في مرحلة تضارب.

 

صعود داعش، ثم انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقد وجهة نظر واشنطن في الإسلام السياسي.

 

بعض الشخصيات المنتمية للدائرة الداخلية لترامب والتي تمتلك هواجس كبيرة حول الإسلام مثل مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين، وكبير الإستراتيجيين السابق ستيفن بانون، ونائب مساعد الرئيس السابق سباستيان جوركا غادروا مناصبهم في الإدارة الأمريكية الحالية.

 

بيد أن هذا النوع من التوجس ما زال يمثل عامل جذب مستمر للقاعدة الشعبية لترامب، وربما يشعر الرئيس بالإغواء للعودة إليه كسبيل لحشد داعميه الرئيسيين وإلهائهم عن المشكلات السياسية الأخرى.

 

فهم المعضلة التي تواجه الولايات المتحدة يتطلب العودة للوراء عقودا قليلة.

 

وبالرغم من أننا نعرف من برقيات أمريكية نُزعت سريتها أن الإخوان المسلمين كانوا على رادار واشنطن أثناء الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، إلا أن السياسة الخارجية الأمريكية لم تمنح وقتها أهمية خاصة للإسلاميين بخلاف تساؤلات إذا ما كانت طبيعتهم الدينية قد تجعلهم شركاء مفيدين للولايات المتحدة في مرحلة اختبار انتشار الاشتراكية بين العالم الثالث.

 

ولم يجذب الإسلام السياسي اهتماما جادا من المسؤولين الأمريكيين حتى الثورة الإسلامية التي اندلعت في إيران عام 1979.

 

ولبعض الوقت، شكلت أحداث العام المذكور فهما أمريكيا للإسلاميين حتى لو كان من خلال أيديولوجية ثورية شيعية لا تتسق مع توجهات الإسلاميين الآخرين.

 

الحدث الذي حدد نغمة السياسة الأمريكية تجاه حركات الإسلام السياسي السنية تمثل في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في الجزائر عام 1991 .

 

وعندما ظهر جليا أن "جبهة الإنقاذ الإسلامية" الجزائرية تتأهب لحصد نحو ثلثي الأصوات مما يمكنهم من تغيير دستور البلاد، تدخل الجيش الجزائري لإلغاء النتائج، مما أدخل الدولة الإفريقية في غمار حرب أهلية امتدت قرابة عقد من الزمان.

 

وفي خطاب أدلى به في ربيع 1992، أشاد مساعد وزير الخارجية الأمريكي آنذاك إدوارد جرجيان بتدخل الجيش الجزائري واصفا إياه بـ "الحصيف"، لافتا إلى أن الإسلاميين كانوا سيستغلون صعودهم إلى السلطة عبر صناديق الانتخابات لاختطاف الدولة وتفكيك الديمقراطية في وقت لاحق.

 

وفي ذات الوقت، كانت الحركات الإسلامية السنية تتطور بسرعة بمرور الزمن.

 

وفي منتصف التسعينيات، كانت هناك إشارات واضحة مفادها أن تلك الجماعات الإسلامية لم يعد من الممكن فهمها من خلال النسخة الأصلية للآباء المؤسسين أمثال المصري حسن البنا، أو الباكستاني أبو العلا مودودي.

 

وفي منتصف الألفية الجديدة، أصبحت الأحزاب الإسلامية أحد الملامح المميزة للسياسات في المغرب ومصر وفلسطين ولبنان والأردن واليمن والكويت.

 

وفي تركيا عام 2002، تمكن حزب العدالة والتنمية صاحب الجذور الإسلامية من تحقيق نصر كاسح.

 

وأثناء تلك الفترة، ظلت السياسة الأمريكية تجاه الإسلاميين تتسم بالحذر.

 

وفي عام 1995، أعلنت واشنطن توقف كافة اتصالاتها مع جماعة الإخوان المسلمين.

 

وبعد هجمات 11 سبتمبر 2011، رغبت بعض لأصوات المؤثرة التي تشكل وجهات النظر الأمريكية بشأن الإسلام السياسي في المضي قدما لفهم نمط إسلامي يتسق مع المصالح الداخلية للولايات المتحدة.

 

ولاحقا، قررت معظم الأحزاب الإسلامية في العالم العربي مقاطعة الولايات المتحدة احتجاجا على غزو العراق.

 

وفي 2006، كان الرفض الأمريكي للانتصار الذي حققته حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية بمثابة تأكيد على أن الولايات المتحدة ببساطة غير راغبة في السماح  للإسلاميين للحكم، حتى عندما يفوزون في انتخابات حرة.

 

 ويمكن القول إن امتناع واشنطن عن الارتباط بالإسلاميين كان محكوما بالواقعية السياسية.

 

توقف الولايات المتحدة عن اتصالاتها مع الإخوان اعتمد على طلب من شريكتها، الحكومة المصرية.

 

وكذلك، فإن رفض الولايات المتحدة فوز حماس في الانتخابات كان من أجل حليفتها الوطيدة إسرائيل، ولأن حماس كانت مصنفة وقتها كـ "منظمة إرهابية".

 

ومع ذلك، في نفس الوقت، تلقت أحزاب إسلامية أخرى في بلدان عديدة تتضمن اليمن وإندونيسيا والمغرب والأردن أشكالا متعددة من الدعم والتدريب من خلال برامج الترويج للديمقراطية التي تمولها مؤسسات أمريكية مثل وكالة التنمية الدولية والصندوق الوطني للديمقراطية.

 

لم تكن هناك سياسة أمريكية متماسكة ومتعمدة تجاه الأحزاب السياسية الإسلامية بل نتيجة ثانوية لمخاوف أخرى.

 

وفي مرحلة ما قبل الربيع العربي، توصلت جماعة الإخوان والعديد من الحركات التي تلهمها إلى إجماع حول كيفية المضي قدما لتحقيق أهدافها وبذل قصارى جهدها لتحقيق النفوذ الاجتماعي في إطار قيود النظام، وتحقيق نجاحات برلمانية صغيرة لكنها هامة، والانتظار لانفتاح ديمقراطي، ثم ملء الفراغ السياسي حال مجيئه.

 

لم يكن هناك حاجة لقضاء الكثير من الوقت في التأمل في مسائل الحكم، الذي كانت توقعاته بعيدة المنال.

 

حزبية الحركات الإسلامية كان أحد أبرز أهم ملامح تطور الإسلاميين منذ تسعينيات القرن المنصرم.

 

وعلى مدى عقود، حث محللون غربيون وصناع القرار على حد سواء الأحزاب الإسلامية على احتضان العملية الديمقراطية، وتقليص الاعتماد على الجذور الإسلامية، وتشكيل أحزاب سياسية "طبيعية".

 

وكان ذلك ملائما لتلك الجماعات التي تأسست على أيدي أطباء ومهندسين ومدرسين ليسوا بالضرورة أقوياء من الناحية الثيولوجية، لكنهم يعرفون كيف يحصلون على الأصوات.

 

ووجد بعض الإسلاميين أنفسهم تلك الفكرة باعتبارها تقدم لهم مخرجا سهلا من المناقشات الصعبة والمثيرة للانقسام بشأن طبيعة وأهداف الدولة.

 

وأصبح ذلك أكثر أهمية عندما امتلك الإسلاميون في مصر وتونس والمغرب واليمن فرص للحكم أثناء وبعد الربيع العربي.

 

وفي مواجهة العديد من العثرات، كان ينبغي على الأحزاب الإسلامية التعامل مع أسئلة تتعلقة بكيفية حدوث التغيير في وقت تعارض فيه النخبة و"الدول العميقة" الإسلاميين، وتشعر فيها القوى الإقليمية والدولية بالتوجس، إن لم يكن العداء، تجاههم.

 

وفي  مواجهة العديد من العثرات، كان ينبغي على الأحزاب الإسلامية التعامل مع أسئلة تتعلق بكيفية حدوث التغيير في وقت تعارض فيه النخبة و"الدولة العميقة" الإسلاميين، وتشعر فيها القوى الإقليمية والدولية بالتوجس، إن لم يكن العداء، تجاههم.


كيفية تعامل الإسلاميين مع هذه التحديات ترتبط كثيرا بشكل طبيعي بكيفية تطور الثورات المختلفة  والثورات المجمدة أو الفترات غير الثورية، كل حالة على حدة.


وعلى سبيل المثال، فإن الإطاحة بزعماء يخلق فراغا في القيادة، ومن ثم يدور تساؤل إذا ما كان بالإمكان لجماعات إسلامية منظمة ملء هذا الفراغ.


هل تنهار هياكل الدولة بعد الثورة مما قد يثير انفجارا  لصراع عنيف أو حرب أهلية؟


وفي حال عدم الإطاحة بالحكام؟ كيف تحقق الأحزاب الإسلامية توازنا بين الولاء الاسمي للأنظمة الحاكمة والمتطلبات الشعبية للتغيير السياسي؟


التحدي الشائع الذي يواجه المنظمات التي تلهمها الإخوان  يتمثل في التوتر الذي اندلع بين تلك المؤسسات وأحزابها السياسية، التي توصف غالبا بأنها"  أذرع" أو "أجنحة" للحركة.


الضرورات المرتبطة بالبحث عن أصوات انتخابية ليست غالبا نفس ضرورات حركة تسعى لإحداث تحول اجتماعي.


قد تتسبب موعظة متشددة من أحد الدعاة في إسعاد مجموعة أساسية صغيرة لكنها بالمقابل تقصي الحشود اللازمة للنجاح الانتخابي.


وفي ذات الأثناء، فإن دعوة قائد حزب للاعتدال لتجنب تهميش الجيوش أو الممالك قد تقلص مشاركة المؤيدين المحافظين.


مثل هذه الورطة أصبحت حادة على وجه الخصوص في أعقاب انتفاضات الربيع العربي، عندما كان لزاما على الإسلاميين أن يقرروا إلى أي مدى يتنافسون في الانتخابات.


البعض، مثل جماعة الإخوان المسلمين استمر على العلاقة الضبابية بين الحركة والحزب يعتمد فيه الثاني على الأول، مما دفع الناس إلى تحميل المسؤولية على عاتق  جماعة الإخوان للبلايا التي ضربت الحزب والعكس  صحيح.


حزب النهضة التونسي ربما يكون الحالة الأكثر تفردا، حيث أن الحزب والحركة هما شيء واحد مع إعلان الفصل التام بين الأنشطة الدينية والسياسية.


وبينما رحب المراقبون الغربيون بشكل عام بمثل هذه الخطوات، لكنها أثارت الكثير من التساؤلات حول ماذا يعنيه أن تكون حزبا إسلاميا لم يعد إسلاميا وفقا لروايته بل "ديمقراطيا مسلما".


العديد من المراقبين الغربيين أرادوا أن يكون النهضة حزبا "ديمقراطيا مسلما"، ولكن هل تبنى أنصار الحزب نفس الرؤية؟


الأحزاب الإسلامية رغم كل شيء استمدت نجاحها جزئيا من فكرة أنها ليست مجرد أحزاب لكنها تمثل حركات أكبر نطاقا مما يمنح لها النظام المؤسسي ويوفر الخدمات الاجتماعية ويمنحها القدرة على تمويل الحملات الانتخابية والوصول الأوسع نطاقا إلى قطاعات مجتمعية أقل تسييسا.


التوتر بين الحزب والحركة تجلى بشكل واضح بين الجماعات الإسلامية الرئيسية مثل الإخوان المسلمين،  التي بمرور الوقت نظرت إلى الانتخابات كآلية رئيسية للتغيير المجتمعي والسياسي، حتى لو جاء ذلك على حساب الاهتمامات التقليدية الرئيسية مثل الوعظ والتعليم الديني والخدمات الاجتماعية.


وبالفعل، إذا كان هناك نتيجة واحدة ظهرت بوضوح من فشل الربيع العربي، فإنها تتمثل في أن منظمات الإخوان المسلمين، لا سيما في العالم العربي رأت في الانتصارات الانتخابية مقياسيا نهائيا للنجاح.


لكن الوضع لم يكن دائما هكذا فقد  تأسست الإخوان المسلمين عام 1928 على يد معلم يدعى حسن البنا، كان يهتم بشكل أساسي بالوعظ والتعليم، وتوظيف أعضاء جديدة، ومعارضة الاستعمار، ثم ناهض لاحقا تأسيس إسرائيل.


ووفقا للوائح الجماعة، فإن هدف الإخوان تمثل في الأساس في   "تربية جيل من المسلمين يفهم الدين بشكل صحيح وتتسق سلوكياته مع تعاليمه".


وفي عام 1934، حظرت لوائح الإخوان العمل السياسي المباشر.


وسعى البنا إلى إحداث تغيير المجتمع على نحو يتسم بالبطء والتدرج، بدءا من  الفرد ثم التحرك إلى العائلة ثم المجتمع، ثم الحكومة في نهاية المطاف.


نظريا، يبدو ذلك منطقيا عندما يريد شخص ما إعادة تشكيل المشهد السياسي دون معادة السياسيين.


لكن على المستوى العملي، فإن لعب مثل هذه المباراة الطويلة يصبح صعبا في مواجهة إغواءات السلطة والنجاح الانتخابي.


وكما يوضحه ردود فعل بعض الإسلاميين أنفسهم، فإن بعض المنتمين للإخوان المسلمين بعد أحداث 2013 فكروا مليا في التوتر الناجم بين الاستعجال في السياسة الانتخابية واتخاذ خطوة للوراء لإعادة بناء قواعدهم الاجتماعية على المستوى المحلي.


ثمة خطورة في  مشاهدة النجاح و"الفوز" بشكل أساسي من وجهة نظر انتخابية، وفقا لآفي شبيجل الخبير في الحركات الإسلامية المغربية.


وفسر ذلك قائلا: “نحن نحب أن نقيس ونتعقب الديمقراطية من خلال التركيز على الفائزين والخاسرين على حلبات سباق الخيول، ونصنفهم بين منتصرين ومنهزمين. ويحكمنا الاعتقاد وربما الحمية بأن المنتصرين في الانتخابات  فازوا بشيء حقا".


واستدرك: “ولكن في السياق السلطوي، وحتى فيما بعد الربيع العربي، هل يترجم هذا النجاح الانتخابي إلى وثيقة نجاح؟"

 

الصفقة في المغرب كانت واضحة بشكل كاف. حيث قَبل حزب العدالة والتنمية، الحزب الإسلامي الرئيسي هناك حدود نظام تتمتع فيه الملكية بسلطة الفيتو بشأن كافة القرارات الرئيسية.

 

وبالمقابل، يُسمح للحزب بالتواجد القانوني والمشاركة والاستمتاع حتى بقدر غير كثير من السلطة.

 

وعمليا، هذا يعني أن حزب العدالة والتنمية لا يستطيع إحداث تعديل أو تحويل سياسات المغرب بشكل ملحوظ.

 

وبالمضي قدما نحو المستقبل 5 أو 10 أو 15 عاما، من الصعب تصور أن يحقق الحزب المغربي أكثر مما في حوزته الآن.

 

إسلاميو باكستان يمثلون نظيرا مثيرا للاهتمام للنموذج المغربي.

 

ومع ذلك، فإنه نظيرا  لا يبدو أنه يحظى باهتمام كبير  إلا من  قلة صغيرة جدا من المغاربة أو الإسلاميين العرب في أي مكان.

 

حزب الجماعة الإسلامية، المناظر للإخوان المسلمين، يفوز عادة بحفنة من المقاعد البرلمانية في باكستان.

 

ولكن، بحسب شبيجل، فإن تلك  الحركة الإسلامية ربما تكون أكثر تأثيرا من حزب العدالة والتنمية المغربي فيما يتعلق بـ :"التعيينات القضائية المؤثرة، والعادات الدينية، والتقاليد الدينية، والأعراف الاجتماعية".

 

ومضى يقول: "ثمة طرق أخرى إضافية بالنسبة لهم لتحقيق الفوز".

 

وفي جنوب شرق آسيا، فإن الأحزاب الإسلامية رغم  حصولها على نصيب مهم من الاصوات غير قادرة على الفوز بشكل صريح على المستوى القومي.

 

ومع ذلك، فقد ساعدت تلك الأحزاب على انتشار الإسلاموية في أرجاء المجتمع وتطبيعها.

 

وحتى الأحزاب العلمانية الظاهرية في جنوب شرق آسيا تحتضن فكرة أن الإسلام وحتى أوامر الشريعة الصريحة لديها دور هام تلعبه في الحياة العامة.

 

الدرس هنا ربما يبدو بديهيا. فكلما تضاءلت حظوظ الإسلاميين في الانتخابات، كلما شكلوا تهديدا اقل لمنافسيهم غير الإسلاميين، الذين لا يملكون مشكلة في تبني الأساليب الإسلامية لأغراضهم الانتخابية الخاصة.

 

بالطبع، أصبحت العلاقات السببية معقدة: أحد الأسباب في أن الإسلاميين لا يبلون بلاء حسنا في جنوب وجنوب شرق آسيا هي أنهم أقل تمييزا، لأن هذه المجتمعات تبدو وكأنها تتجمع حول وسط محافظ نسبيا وغير قابل للجدال.

 

الديمقراطية تمكن وتشجع كافة الأحزاب، سواء كانت إسلامية أو غيرها، للبحث عن المركز أينما يكون ذلك.

 

وبينما يتحول المركز في اتجاه اليمين، تشعر الجماعات الإسلامية بجرأة متزايدة لا سيما في مجتمعات مستقطبة يدفع فيه المرشحون ثمنا قليلا لتطرفهم.

 

ولعل ما يثير قدرا نذيرا من الاندهاش أن إندونيسيا، أكبر ديمقراطية مسلمة في العالم شهدت تصعيدا طائفيا.

 

وفي مايو 2017، لعب مرشح إسلامي اكتسب سمعة كمعتدل شاب على العواطف المتحفظة المتشددة بغية إقصاء محافظ جاكرتا المسيحي الذي حكم عليه لاحقا بالسجن بتهمة الكفر.

 

وربما تبدو إندويسيا مكانا غير محتمل لإعادة ظهور العاطفة الإسلامية، ولكن تركيا وتونس تمثلان نفس الشيء.

 

الدولتان الأكثر علمانية في الشرق الأوسط كانتا بين أوائل البلدان التي شهدت مجئ الإسلاميين إلى السلطة بشكل ديمقراطي.

 

مصر، أحد أكثر المجتمعات المحافظة دينيا بالمنطقة تشهد الآن انخفاضا في الحماس تجاه إسلاموية الإخوان المسلمين.

 

وفيما يتعلق بالدولتين الأكثر علمانية في الشرق الأوسط فإن السرد البسيط بصعود وهبوط الإسلاميين لا يخبرنا إلا القليل.

 

وقبل وقت انتفاضات الربيع العربي التي أسقطت الأنظمة في تونس ومصر وليبيا عام 2011، كانت الولايات المتحدة تفكر بالفعل في نهج جديد تجاه الإسلاميين.

 

في 2010، بدأ مجلس الأمن الوطني الأمريكي في العمل على إجراء دراسة بتوجيهات رئاسية تركز على تساؤل حول ماذا ستكون طبيعة الدفعة اللازمة لإحداث إصلاحات سياسية في الشرق الأوسط، بما في ذلك التطبيع  مع الإسلاميين كلاعبين سياسيين.

 

التحدي المباشر في أعقاب ثورات 2011 لم يكن في اتخاذ قرار بزيادة الارتباط مع الإسلاميين، إذ أن إدارة أوباما كانت قد تطرقت بالفعل إلى تلك القضية.

 

لكن السؤال الحقيقي كان كيف يكون هذا الارتباط وإلى أي مدى يبلغ هذا التحول.

 

السبيل الأكثر مباشرة لوصف النهج الأمريكي في هذا الشأن هو القول إن واشنطن قررت عدم تبني سياسة محددة تجاه الإسلاميين.

 

داخل الإدارة الأمريكية، كان هناك إداركا بأن أجندات هذه الجماعات تختلف بشكل ملحوظ من دولة إلى أخرى.

 

لقد كان أمرا مستحيلا وغير مفيد معاملة كافة تلك الحركات والأحزاب بأسلوب واحد.

 

امتلاك سياسة تجاه الإسلاموية ذات التقاليد الأيديولوجية الفضفاضة بدا أمرا يفتقد الحكمة لا سيما بعد أن أعادت الولايات المتحدة تشكيل سياستها بوجه عام- للأفضل أو الأسوأ- بما يتوافق مع المصالح المصرية في بلدان محددة.

 

ويتوافق ذلك كثيرا مع ذات الأسلوب الذي تنتهجه الولايات المتحدة من عدم انتهاج سياسة محددة تجاه أحزاب يمين الوسط أو الخضر.

 

وأوضحت إدارة أوباما في الشهور التي اعقبت انتفاضات الربيع العربي أن الولايات المتحدة ستعامل الإسلاميين باعتبارهم واحدا من اللاعبين الرئيسيين الذين يشكلون مستقبل السياسة العربية.

 

وأشار المسؤولون الأمريكيون إلى مناطق قلق مستمرة.

 

ومع ذلك، يمكن القول إن واشنطن كانت مستعدة للعمل مع كافة الجماعات التي نبذت العنف وتدعم حقوقا متساوية للمرأة والأقليات.

 

وبشكل سري، أخبرت الولايات المتحدة حكومة محمد مرسي، القيادي الإخواني البارز، أنها تتوقع أن تحتفظ مصر بمعاهدة السلام مع إسرائيل كشرط مسبق للتعاون الدبلوماسي المستمر.

 

ويمكن القول إن الاختبار الحقيقي للسياسة الأمريكية بشأن الإسلاموية لم يأت إلى أن تولى مرسي السلطات التنفيذية في صيف 2012.

 

وحتى تلك اللحظة، كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو الذي يدير البلاد، وشعرت واشنطن بالثقة من أن حليفها طويل الامد، الجيش المصري، سوف يكون ضامنا نهائيا للاستقرار بغض النظر عن فوز الإسلاميين الانتخابات.

 

وبعد أن اتخذ مرسي قرارا بتهميش قادة الجيش في أغسطس 2012، وللمفارقة الساخرة قام بترقية غريمه المستقبلي عبد الفتاح السيسي كوزير دفاع، أصبحت واشنطن أكثر قلقا بشأن ممارسات القاهرة.

 

وعندما بات جليا أن حكومة الإخوان تحافظ على الوضع الراهن في أولويات السياسة الخارجية الرئيسية، سارعت واشنطن بالارتداد إلى نمط مختلف من سياستها صوب مصر خلال العقود الأخيرة السابقة يتمثل في التعاون مع ودعم من يتبوأ السلطة أيا كان طالما هناك حماية للمصالحة الأمريكية الإستراتيجية.

 

نتيجة تلك السياسة بالطبع هو فكرة امتناع الولايات المتحدة عن توجيه انتقادات عنيفة لما يحدث داخليا في مصر.

 

وبعد أحداث عام 2013، واجهت واشنطن معضلة. فإذا دعمت إسقاط السيسي لرئيس منتخب بصورة شرعية، ستبدو أنها تتراجع عن التزامها القوي عام 2011 بالدفاع عن قضية الديمقراطية العربية.

 

وعندما قتلت القوات الأمنية المصرية حوالي 1000 شخص أمام مسجد رابعة العدوية في أغسطس 2013 كان ذلك بمثابة الطرف العنيف من رمح أطول للسيسي وضعه للتخلص بصورة منهجية من الإخوان كلاعب سياسي، وإعادة تصنيفهم تحت إطار عقلية الإرهاب.

 

وجراء انشغالها بمخاوف الاستقرار الإقليمي والحرب الأهلية في سوريا والعنف في ليبا وسيناء وفشل الحكم في العراق والطموحات النووية الإيرانية، أذعنت واشنطن إلى حد كبير تجاه تلك الحملة المناهضة للإخوان المسلمين.

 

صعود داعش كذلك عقد حسابات واشنطن تجاه الإخوان المسلمين.

 

لقد شعرت الولايات المتحدة بالتردد من فعل أي شيء يضايق السعودية والإمارات ومصر التي تعتمد عليها في تنفيذ إستراتيجيتها المناهضة لداعش.

 

التعاون في مجال مكافحة الإرهاب الذي يضع شركاء واشنطن الإخوان داخل عباءته كان مركز خطاب دونالد ترامب في الرياض في مايو الماضي.

 

ومن المنظور العملي، فإن ذلك يعني أنه منذ صيف 2013، كان ارتباط الولايات المتحدة بالإخوان المسلمين مستحيلا.

 

وفيما بدا أنه نقطة التقاء بين اليمين السياسي ولوبي الحكومة المصرية، تقدم العديد من أعضاء الكونجرس الأمريكي أواخر 2015 وأوائل 2017 بتشريع يسعى لتصنيف الإخوان كمنظمة أجنبية إرهابية.

 

وبعد فوز ترامب بالرئاسة، كان هناك بعض الحديث بشأن مواصلة السعي لتصنيف الإخوان كإرهابية من خلال قرار تنفيذي.

 

وبينما تبدو القوة الدافعة لحظر الولايات المتحدة جماعة الإخوان  قد تباطأت لدرجة الزحف في مواجهة انتقادات عالمية من خبراء ومحامين ودبلوماسيين، ما زال هنالك تساؤلات غير مستقرة تتعلق بآراء واشنطن حول ظاهرة الإسلام السياسي الأوسع نطاقا.

 

ومهما فعلت إدارة أوباما أو لم تفعل، سيبقى الإسلام السياسي قوة اجتماعية قادرة ومانعة صواعق للسياسات الإقليمية.

 

اليوم، يشكل الإسلاميون الحكومة الحاكمة في المغرب، وقوة المعارضة الرئيسية في الأردن، وثقلا سياسيا مهما في الكويت.

 

وكشف استطلاع حديث أجراه معهد بروكينجز البحثي بمشاركة خبراء إلى أنه من المحتمل أن يعود الإسلاميون إلى السلطة في تونس بحلول عام 2020، وربما يتقلدون الحكم في سوريا واليمن في أعقاب الحروب الأهلية القائمة.

 

وإذا حدث ذلك وعندما يحدث، سنجد أنفسنا مجددا في غمار نفس المناقشات الجدلية.

 

نأمل أن يكون لدينا آنذاك إجابات أفضل على مشكلة سوف تضرب الولايات المتحدة على مدى ثلاثة عقود.

 

رابط النص الأصلي 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان