رئيس التحرير: عادل صبري 08:16 صباحاً | الخميس 19 يوليو 2018 م | 06 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

نيويورك تايمز تفتح منجم الأسرار في قضية ريجيني

نيويورك تايمز تفتح منجم الأسرار في قضية ريجيني

صحافة أجنبية

جانب من جنازة جوليو ريجيني (أرشيفية)

نيويورك تايمز تفتح منجم الأسرار في قضية ريجيني

وائل عبد الحميد 16 أغسطس 2017 18:51

"لماذا تعرض طالب دراسات عليا إيطالي للتعذيب والقتل في مصر؟"

 

 

عنوان تقرير مطول بصحيفة نيويورك تايمز للكاتب ديكلان وولش يشمل تفاصيل كثيرة وجديدة حول ملابسات اختفاء وتعذيب ومقتل طالب الدكتوراه  الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة قبل نحو عام ونصف.

 

وكانت إيطاليا قد اتخذت مؤخرا قرارا بإعادة سفيرها إلى مصر بعد شهور من سحبه.

 

وإلى مقتطفات من النص الكامل

 

 

كان هدف الشرطة المصرية في هذا اليوم في نوفمبر 2015، هم البائعون الجائلون الذين يعرضون الجوارب والنظارات والمجوهرات المقلدة، ويتجمعون تحت أسوار المباني التاريخية الفخمة التي يعود عمرها إلى نصف قرن في حي هليوبوليس.

 

مثل هذه المداهمات  روتينية، ولكن هؤلاء البائعين كانوا يحتلون مكانا حساسا. فعلى بعد 100 ياردة فحسب يوجد القصر المزخرف الذي يرحب فيه الرئيس السيسي، الرجل العسكري القوي، بالضيوف الأجانب.

 

وبينما كان الباعة الجائلون يسرعون في حزم بضائعهم للهروب، وجدوا معاونا لهم بعيد الحسبان، طالب دراسات عليا إيطالي  يدعى جوليو ريجيني.

 

وحينها كان ريجيني قد وصل القاهرة منذ شهور قليلة  لإجراء بحث رسالة دكتوراه بجامعة كامبريدج.

 

نشأ ريجيني في قرية صغيرة بالقرب من تريستي وولد لأب يعمل مدير مبيعات، وأم تعمل مدرسة.

 

ريجيني،  الذي توفى عن عمر ناهز  28 عاما،  كان يساريا أدهشته الروح الثورية للربيع العربي.

 

وفي 2011، عندما اندلعت المظاهرات في ميدان التحرير، وأدت إلى عزل حسني مبارك، كان ريجيني قد أنهى دبلومة في اللغة العربية والسياسة من جامعة ليدز.

 

عام  2013، كان ريجيني في القاهرة يعمل متدربا لإحدى  وكالات الأمم المتحدة، عندما اندلعت موجة جديدة من الاحتجاجات  وعزلت الرئيس الإسلامي المنتخب حديثا في  ذلك الوقت محمد مرسي،  وقلدت السيسي مقاليد الأمور.

 

وعلى غرار العديد من المصريين الذين تنامى عداؤهم لحكومة مرسي، كان ريجيني موافقا على هذا التطور.

 

وكتب الباحث الإيطالي لصديق إنجليزي يدعى برنارد جودير أوائل أغسطس واصفا ما حدث بمصر : “إنه جزء من العملية الثورية".

 

وبعد ذلك، بأقل من أسبوعين لاحقين، قتلت القوات الأمنية المصرية 800 من أنصار مرسي في يوم واحد، في أسوأ مذبحة برعاية الدولة في التاريخ المصري، وكان  ذلك بداية لموجة طويلة من القمع.

 

وغادر ريجيني إلى إنجلترا حيث بدأ في العمل لشركة "أوكسفورد أناليتيكا" البحثية.

 

ومن على بعد، تابع ريجيني حكومة السيسي على نحو وطيد، وكتب تقارير حول شمال إفريقيا، محللا  الاتجاهات السياسية والاقتصادية.

 

وبعد حوالي عام، كان ريجيني قد ادخر أموالا كافية لبدء رسالة الدكتوراه  في الدراسات التنموية بجامعة كامبريدج.

 

وقرر ريجيني التركيز على النقابات المستقلة، التي تسببت سلسلة من إضراباتها غير المسبوقة التي بدأت عام 2006 في تمهيد الرأي العام للثورة ضد مبارك.

 

وبعد تمزق الربيع العربي، رأى ريجيني  أملا هشا في النقابات لإحياء الديمقراطية المحاصرة في مصر.

 

وبعد 2011، تزايد عدد النقابات على نحو غير مسبوق بعد أن كانت أربعة فحسب.

 

وباتت هناك نقابات لكل شيء: جزارين، وعمال مسرح، وحفار آبار ، وعمال مناجم، ومحصلي فواتير الغاز، ونقابة للأقزام.

 

 مرشدة ريجيني، كانت أكاديمية مصرية بارزة بجامعة كامبريدج  كان لها كتابات انتقدت فيها السيسي.

 

واختار ريجيني التخصص في دراسة شؤون البائعة الجائلين، هؤلاء الشباب القادمين من قرى نائية،   ويكسبون قوت يومهم، على أرصفة القاهرة.

 

ودخل ريجيني عالمهم، آملا أن يتمكن من تقييم إمكانية إحداث تغيير سياسي واجتماعي.

 

ولكن بحلول عام 2015، لم يكن سهلا ممارسة هذا النوع من الغمر الثقافي، الذي طالما حبذه المستعربون الناشئون.

 

وأسدل حجاب من الشك ستاره على القاهرة، وتعرضت الصحافة لحالة من التكميم، مع مضايقة منتظمة للصحفيين، وملأ المخبرون مقاهي وسط البلد.

 

وداهمت الشرطة المكتب الي كان ريجيني يجري فيه مقابلاته.

 

واعتادت القنوات التلفزيونية الحكومية بث حكايات وحشية حول مؤامرات أجنبية.

 

 بيد أن ريجيني لم يردعه ذلك واستطاع بإتقانه 5 لغات وفضوله جذب دائرة واسعة من الأصدقاء.

 

وخدم ريجيني في منصب "العمدة الصغير" لبلدته فيوميشيلو خلال المرحلة العمرية بين 12-14 عاما، ودأب على التباهي بقدرته على الإبحار في مختلف الثقافات.

 

وسجل ريجيني اسمه كباحث زائر بالجامعة الأمريكية في القاهرة، ووجد سكنا بحي الدقي الذي يتسم بالاختناق المروري.

 

واشترك في شقة مع جوليان سوكي مدرسة اللغة الألمانية، ومحمد السيد، المحامي بإحدى أقدم شركات القانون بالقاهرة.

 

وقضى ريجيني ساعات يجرى لقاءات مع  البائعين الجائلين في هليوبلس، والسوق الصغيرة خلف محطة قطار رمسيس.

 

ومن أجل الفوز بثقتهم، اعتاد ريجيني مشارة الباعة الجائلين في تناول طعام "العربات"، رغم تحذير مشرفه بالجامعة الأمريكية من إمكانية إصابته بالتسمم لكن لم يهتم بذلك.

 

وبالصدفة، التقى ريجيني بفاليريا فيتنسكا، أوكرانية كان قد قابلها بها في برلين قبل 4 أعوام وجاءت إلى مصر للعمل.

 

وكتب ريجيني لأحد أصدقائه: “إنها أكثر جمالا مما أتذكره".

 

وذهبا معا إلى رحلة بالبحر الأحمر، وعندما عادت إلى وظيفتها في كييف، احتفظا بصداقتهما عبر سكايب.

 

باز زاراتي صديق ريجيني قال لي: “لقد كان شخصية مبتهجة جدا ويمتلئ بالأمل تجاه المستقبل".

 

لكن ريجيني كان يدرك أيضا المخاطر في القاهرة، وكتب لصديقه الإنجليزي جويدر بعد شهر من إقامته: “الأمر محبط جدا، الجيمع يدركون اللعبة التي تجرى أحداثها".

 

وفي ديسمبر، حضر ريجيني اجتماعا لنشطاء النقابات المهنية في وسط القاهرة، وكتب عنه تقريرا  لصالح صحيفة إخبارية صغيرة تحت اسم مستعار.

 

وأخبر  الباحث الإيطالي أصدقاءه أنه رأى امرأة محجبة شابة تلتقط صورة له بهاتفها الجوال، مما بث داخله مشاعر القلق.

 

واشتكى ريجيني لأصدقائه من أن الباعة الجائلين يشاحنونه من أجل إعطائهم هدايا مثل جوالات جديدة.

 

وبعد ذلك، اتخذت علاقته بمصدره الرئيسي، رجل ضخم الجثة في الأربعينيات من عمره يدعى محمد عبد الله، منحنى غريبا.

 

عبد الله الذي عمل لمدة عقد من الزمان في توزيع إحدى صحف التابلويد المصرية قبل أن يصعد ويضحى نقيبا للباعة الجائلين كان مرشدا لريجيني، يقدم له الاستشارة، ويعرفه على الرجال الذين يرغب في محاورتهم.

 

ذات مساء في أوائل يناير العام الماضي، التقى الاثنان في أحد المقاهي بالقرب من محطة رمسيس.

 

وأثناء احتساء الشاي، تناقشا حول منحة بحثية بقيمة 10000 جنيه إسترليني  تقدمها منظمة بريطانية غير ربحية تدعى  مؤسسة "أنتيبود".

 

وعرض ريجيني التقدم بطلب للحصول على المنحة، لكن عبد الله كان لديه أفكار أخرى متسائلا: “هل يمكن استخدام المال في مشروعات تتعلق بالحرية مثل النشاط السياسي ضد الحكومة المصرية؟"

 

وأجابه ريجيني بحزم : “لا"، فغير عبد الله حديثه قائلا إن ابنته في حاجة إلى جراحة، وأن زوجته تعاني من السرطان، وأنه مستعد للقفز فوق أي شيء من أجل المال.

 

لكن استياء ريجيني تزايد قائلا له: “مش ممكن"، معللا أن ذلك ليس أمرا مهنيا.

 

وبعد أسبوعين، وفي الذكرى الخامسة لانتفاضة 2011، كانت مصر في حالة مغلقة.

 

ميدان التحرير كان مهجورا إلا من حوالي مائة شخص من أنصار الحكومة يلوحون بهتافات مناصرة للسيسي، ويلتقطون صور سيلفي مع شرطة مكافحة الشغب.

 

وقبلها على مدى أسابيع ظلت القوات الأمنية تلقي القبض على أي محتجين محتملين.

 

وعلى غرار ما فعل معظم القاهريين، قضى ريجيني يومه في المنزل، يعمل ويستمع إلى الموسيقى.

 

وبمجرد حلول المساء، ظن ريجيني أن الأمر بات آمنا للخروج.

 

ودعاه صديق إيطالي إلى حفل عيد ميلاد لأحد اليساريين المصريين. واتفقا على أن يتقابلا في مقهى بجوار ميدان التحرير.

 

وقبل  الخروج من الشقة، استمع ريجيني إلى أغنية A Rush of Blood to the Head لـ "كولدبلاي"، في تمام الساعة 7:41 مساء.

 

وكان الطريق إلى مترو الأنفاق قصيرا، لكنه لم يكن قد وصل بعد حتى الساعة 8:18 مساء.

 

وبدأ أصدقاؤه الإيطاليون في الاتصال به، في البداية من خلال رسائل نصية تطورت إلى مكالمات هاتفية محمومة.

 

 بين أكثر الوعود المسكرة للربيع العربي كان الأمل في تفكيك الجهاز الأمني المكروه.

 

وفي مارس 2011، اقتحم مصريون مقر مبنى أمن الدولة الذراع الرئيسية في قمع مبارك، وظهرت قائمة من المخبرين ونسخ من صور المراقبة، ونصوص للسجلات الهاتفية المخترقة، وفوجئ البعض بوجود صور شخصية لهم.

 

بيد أن الدولة انزلقت إلى فوضى ما بعد الثورة، وضاعت أحاديث الإصلاح.

 

وبعد تقلد السيسي السلطة  بات جليا أن ما تغير مجرد نذر قليل.

 

وأعيدت تسمية جهاز أمن الدولة إلى الأمن الوطني، لكنخ ظل تحت سيطرة وزارة الداخلية ذات النفوذ التي يعتقد أنها توظيف نحو 1.5 مليون بين عناصر أمنية ومخبرين.

 

وأعيد تعيين الضباط الذين كانوا قد فصلوا من الخدمة، وفتحت مجددا غرف التعذيب.

 

وخوفا من الاعتقال، هرب قادة المعارضة خارج البلاد.

 

واليوم أصبحت مصر مكانا أكثر قسوة مما كان عليه الحال في عهد مبارك.

 

وبعد استحواذه على السلطة,انتخب السيسي رئيسا في 2014 بنسبة تصويت 97 % كما أن البرلمان يعج بأنصاره، وامتلأت السجون بحوالي 40 ألف معارض وفقا لأغلب التقديرات معظمهم من جماعة الإخوان المسلمين المحظورة التي تأسست عام 1928.

 

كما تضم القائمة محامين وصحفيين وعمال إغاثة.

 

ويفسر السيسي تلك الإجراءات بالإشارة إلى الخطر القادم من المتطرفين.

 

ويحارب المسلحون الإسلاميون الجنود المصريين في سيناء منذ 2014.

 

العام الجاري، نفذ المسلحون هجمات انتحارية في كنائس مصرية مما أدى إلى مقتل العشرات.

 

عدد جيد من المصريين يشعر  بالقلق من أنه بدون تلك القبضة الشديدة، فإن الدولة البالغ تعدادها 93 مليون قد تتحول إلى سوريا أو العراق.

 

معظم عناصر النخبة المصرية يؤيدون السيسي بثبات خشية الاضطرابات التي أعقبت الربيع العربي.

 

العديد من المثقفين المصريين يعترفون انهم خارج نطاق التفكير بدافع القنوط من تجربة الديمقراطية قصيرة الأمد.

 

رافضا الانتماء لأي حزب سياسي، يكتسب السيسي سلطته من هياكل الدولة كالجنرالات والقضاة ومسؤولي الأمن الذين تزايدت درجات نفوذهم.

 

المبدأ الحاكم لهذه الدولة البوليسية الأولية هو منع تكرار أحداث 2011، وفقا لما أخبرني به في الشتاء الماضي سفير غربي طلب عدم الكشف عن هويته لأنه ليس مخولا له الحديث في الموضوع.

 

وخلال العقد الأخير لمبارك في السلطة، فاز الإخوان المسلمين بخمس مقاعد البرلمان، واستمتعت الصحافة بحرية بقدر من الحرية وكان يسمح ببعض الاضطرابات العمالية.

 

لكن لم ينقذ ذلك مبارك، من وجهة نظر مسؤولي نظام السيسي الذين يرون أن ارتخاءه عجل بنهايته.

 

وأضاف السفير معددا صفات نظام السيسي: "إنهم يرون أن السماح ببوصة واحدة خطأ، ويتسمون بالسرية وجنون العظمة، والإحساس بتأكيد السلطة من خلال ظهورك بمظهر القوى وعدم  الكشف عن نقاط ضعفك".

 

مايكل وحيد حنا الباحث بمؤسسة  Century Foundation،  التي يقع مقرها بنيويورك علق قائلا: فك شفرة  الأعمال الداخلية للأجهزة الأمنية الثلاثة أصبح هدفا رئيسيا لمراقبي الشأن المصري، إنه أمر مبهم جدا مثل الصندوق الأسود، لكن ثمة مفاتيح لحل اللغز".

 

وأشار حنا إلى أن الأجهزة الأمنية موالية للسيسي، لكنها تناور من أجل مناصب.

 

الأمن الوطني الذي يضم زهاء  100 ألف موظف والعديد من المخبرين، يبقى الأكثر وضوحا.

 

أما  غريمه الناشئ، جهاز المخابرات الحربية، كان في المعتاد  بعيدا عن السياسة لكنه تمدد في عهد السيسي الذي كان مديرا له في الفترة من 2010- 2012.

 

 جهاز المخابرات العامة المصرية المساوي لـ "سي آي إيه" في أمريكا، والذي اكتسب نفوذا هائلا في عهد مبارك، ينظر إليه الآن باعتباره مهمشا نوعا ما.

 

بيد أن الأجهزة الثلاثة معا تستمتع بتأثير مفرط فيملكون القنوات التلفزيونية ويتحكمون في التكتلات البرلمانية ويمارسون البيزنس. ويجوب مخبروهم الشوارع والإنترنت.

 

إنهم يرسمون الخطوط الحمراء في المجتمع المصري بين ما هو مسموح وممنوع، مما يجعل الإبحار في مصر للنقاد محفوفا بالمخاطر.

 

تحرك واحد خاطئ، أو حتى نكتة أسيء فهمها يمكن أن يزج بصاحبه في السجن أو تمنعه من مغادرة البلاد، بل أن هناك مصريين سجنوا بسبب تدوينات على فيسبوك.

 

وقدرت منظمة أمنيستي إنترنانشيونال عدد المختفين بحوالي 1700 شخص، وذكرت أن الإعدام خارج نطاق القانون بات أمرا شائعا.

 

وعندما وصول ريجيني مصر  عام 2015، كان الأجانب موضوعا لأحكام مختلفة ووقع بعضهم في مشكلات.

 

وفي وقت مبكر من العام المذكور، حصل الصحفي الأسترالي بيتر جريست على الإفراج بعد 13 شهرا قضاها في السجن في اتهامات تتعلق بإلحاق الضرر بالأمن القومي.

 

وطردت السلطات المصرية طالبا فرنسيا  لإجرائه  مقابلات مع نشطاء مناصرين للديمقراطية.

 

مستشارو ريجيني الأكاديميون نصحوه بتجنب إجراء أية اتصالات مع أعضاء جماعة الإخوان المسلمين.

 

وبعث ريجيني برسالة إلى صديق بعد شهر من وصوله كتب فيها: "الوضع هنا ليس سهلا".

 

ولكن بشكل عام، كما أخبرني مشرفه، فقد كان ريجيني يعتقد أن جواز سفره من شأنه أن يوفر الحماية بالنسبة له.

 

كان الشاب الإيطالي يخشى فقط أن يعيدوه مجددا إلى جامعة كامبريدج قبل الانتهاء من بحثه.

 

وبعد أسبوع من اختفاء ريجيني، تملكت الهواجس السفير الإيطالي بالقاهرة موريزيو ماساري الذي كان يحظى بشعبية داخل الوسط الدبلوماسي بالقاهرة.

 

واعتاد السفير الإيطالي  استضافة تجمعات تضم أكاديميين وسياسيين مصريين، وكان يشاهد مباريات كرة القدم في نهاية الأسبوع مع نظيره الأمريكي ستيفن بيكروفت.

 

أخبار اختفاء ريجيني جابت القاهرة، حيث بدأ أصدقاؤه حملة على الإنترنت للبحث عنه بهاشتاج #whereis­giulio "أين ريجيني".

 

والدا ريجيني طارا من إيطاليا ومكثا في شقته بالدقي.

 

وأثيرت شائعة مفادها أن ريجيني اختطفه متطرفون إسلاميون، وكان ذلك اقتراحا مروعا إذ أن مهندسا كرواتيا كان قد اختطف وذبح قبل ستة شهور على يد داعشيين.

 

وتضخم قلق السفير جراء ردود فعل المسؤولين المصريين.

 

وسعى السفير للحصول على معلومات من وزيري الخارجية والإنتاج الحربي، ومستشارة الأمن القومي فايزة أبو النجا لكنهم قالوا جميعا إنهم لا يعرفون شيئا عن ريجيني.

 

المقابلة الأكثر إزعاجا للسفير كانت مع وزير الداخلية صاحب النفوذ اللواء مجدي عبد الغفار، حيث استغرق الأمر 6 أيام ليوافق على مقابلته، وجلس أمامه بلامبالاة بينما يناشده الدبلوماسي الإيطالي المساعدة.

 

وخرج ماساري في حالة من الارتباك، إذ كيف للمخضرم المخضرم عبد الغفار الذي تملك وزارته جيشا من المخبرين في شوارع القاهرة لا يدري شيئا عن ريجيني.

 

وبدأت الشرطة إجراء تحقيق "شخص مفقود"، لكنهم بدوا يتبعون بعض طرق الاستجوابات الغريبة.

 

فعندما استجوبت الشرطة عمرو، بروفيسور جامعة يساري، وصديق لريجيني طلب عدم الكشف عن اسمه الأخير خوفا من الانتقام، أخذوا يسألوه على نحو متكرر إذا ما كان ريجيني شاذا جنسيا.

 

وقال عمرو: "لقد أخبرتهم أن لديه صديقة".

 

واستطرد عمرو: "ثم سألني آخر هل أنت متأكد من استقامته؟ ربما يكون  مزدوج الجنس"، فأجابه قائلا: "ينبغي عليكم العثور عليه".

 

وتضاعفت الأزمة بوصول وفد تجاري إيطالي رفيع المستوى القاهرة.

 

ومنذ 1914، احتفظت إيطاليا بالعلاقات الدبلوماسية مع مصر، واحتضنت الدولة العربية حتى في اللحظات التي يبتعد عنها الآخرين.

 

لقد كانت إيطاليا أكبر شريك تجاري أوروبي لمصر، بحوالي 6 مليارات دولار عام 2015.

 

وتفاخرت روما بعلاقاتها الوطيدة مع القاهرة.

 

وفي 2014، أصبح ماتيو رينزي رئيس وزراء إيطاليا آنذاك، أول  قائد غربي يرحب بالسيسي في عاصمته، واستمرت الدولة الأوروبية في بيع أسلحة وأنظمة مراقبة إلى مصر حتى مع تصاعد أدلة الانتهاكات الحقوقية.

 

وفي ذات اليوم الذي أعقب لقاء ماساري مع وزير الداخلية، طارت وزيرة الاستثمار الإيطالية فيديريكا جيدي إلى القاهرة مع مسؤولين تنفيذيين لحوالي 30 شركة آملة توقيع عقود في مجالات البناء والطاقة والأسلحة.

 

لكن ريجيني أصبح على رأس أولويات الأجندة.

 

وذهب الوفد مباشرة إلى قصر الاتحادية الرئاسي الذي كان ريجيني قد ساعد الباعة الجائلين على حزم أمتعتهم من أمام بوابته الخلفية قبل شهور قليلة من اختفائه.

 

واجتمع ماساري وجيدي مع السيسي في اجتماع خاص، واستمع إليهما الرئيس باهتمام بينما عبر الإيطاليان له عن قلقهما، لكن الرئيس لم يقدم لهما أيضا أكثر من مشاعر التعاطف.

 

وفي مساء ذلك اليوم، أقام ماساري حفل استقبال للوفد التجاري الإيطالي بحضور قادة الأعمال المصريين.

 

وتواجد نحو  200 شخص في قاعة الاستقبال، يرتشفون النبيذ وينتظرون تناول العشاء.

 

ومن بين هؤلاء، كان نائب وزير الخارجية حسام زكي، الذي اندفع وقد ارتسمت على وجهه تعبيرات قاتمة مخبرا السفير الإيطالي:" "ألم تعرف؟"، فأجابه ماساري": "أعرف ماذا؟"’ فتابع زكي: "لقد عثر على جثة".

 

وفي وقت سابق من ذلك الصباح، لاحظ سائق حافلة بطريق الإسكندرية الصحراوي السريع  وجود شيء ما على قارعة الطريق، ليكتشف جثة لشاب عارى من الوسط حتى أسفل، وملطخة بالدماء.

لقد كانت هذه جثة جوليو ريجيني.

 

واندفع السفير الإيطالي إلى فندق "فور سيزونز" حيث كانت جيدي تقيم هنالك، واتصلا معا برينزي ووزير الخارجية آنذاك(رئيس الوزراء الحالي) باولو جنتيلوني. وألغيا حفل الاستقبال.

 

وبعد ذلك، ذهب ماساري والوزيرة إلى شقة ريجيني في الدقي حيث يمكث والداه.

 

وعندما احتضن السفير والدة ريجيني باولا ديفيندي، تأكد لها أسوأ مخاوفها.

 

وقالت الأم في تصريحات صحفية لاحقة: "لقد انتهى الأمر، وذهبت سعادة عائلتنا".

 

ووصل ماساري إلى مشرحة زينهم بعد منتصف الليل برفقة فريق صغير من السفارة، بينهم شرطي.

 

وفي البداية، رفض أمن المشرحة دخولهم، فصرخ فيهم ماساري في حالة من الاهتياج: "افتحوا الباب"، قبل أن يدخل أخيرا إلى غرفة باردة كانت تضم جثة ريجيني.

 

كان فم ريجيني مفتوحا، وشعره ملطخ بالدماء، وقد فقد أحد أسنانه الأمامية، مع كسر أسنان أخرى، كما لو أنه ضرب بآلة حادة.

 

ووجد السفير حروق سجائر في جلده، وعددا من الجروح العميقة  في ظهره، وقطعت شحمة أذنه اليمنى، وكسرت عظام رسخيه وكتفيه وقدميه.

 

وانتابت السفير الإيطالي موجة من الغثيان، فقد كان واضحا أن ريجيني تعرض لتعذيب مكثف.

 

وبعدها بأيام، كشف تشريح إيطالي حجم الإصابات بالجثة، وخلص إلى أن ريجيني تعرض للضرب والحرق والطعن وربما جلد على باطن قدمه لفترة زمنية بلغت 4 أيام، ومات بعد كسر رقبته.

 

أحمد ناجي، لذي أشرف في البداية على تحقيق مقتل ريجيني يوجد مكتبه في الطابق السابع من مبنى محكمة متداعى بالجيزة على بعد أميال من ميدان التحرير.

 

وفي الساعات الأولى للتحقيق، أخبر ناجي الصحفيين أن ريجيني مات "موتا بطيئا"، ولم يستبعد تورط الشرطة في ذلك.

 

لكن بعد ذلك، أشار مسؤول المباحث المعني بالقضية أن ريجيني مات في حادث تصادم.

 

وعلى الصحف وشاشات التلفاز، ظهرت تفسيرات صارخة حول ريجيني، مثل الادعاء أنه كان شاذا وقتله أحد محبيه بدافع الغيرة، والزعم أنه كان مدمنا للمخدرات، أو تابعا للإخوان، أو جاسوسا.

 

العديد من التقارير تحدثت عن عمله لدى "أوكسفورد أنالاتيكا" التي أسسها أحد مسؤولى إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، وجعلوا ذلك دليلا على تجنيده من "سي آي إيه" أو جهاز "إم آي 6" البريطاني.

 

وفي مؤتمر صحفي، نفى وزير الداخلية مجدي عبد الغفار أن تكون الشرطة قد احتجزت ريجيني قبل وفاته قائلا: "بالطبع لا، لم يحدث هذا، كلام نهائي".

 

مكتب أحمد ناجي كان باردا ومظلما، لكنه لم يعد يتحدث بنفس الجرأة السابقة.

 

وبعد 30 دقيقة بلا جدوى، أخبرني ناجي: "جرائم القتل يمكن ألا يتم التوصل إلى  لغزها، لكن إن شاء الله سيظهر شي ء ما".

 

المسؤولون المصريون لديهم تاريخ طويل من التعامل مع الأزمات على هذا النحو، إنكار ثم تعتيم، على أمل أن يؤدي الزمن إلى خفوت القضية.

 

وفي سبتمبر 2015، بعد شهور من وصول ريجيني،  أطلقت هليكوبتر مصرية النيران على 8 سياح مكسيكيين وأربعة مصريين أثناء تنزههم في الصحراء الغربية، بدافع اعتقاد خاطئ أنهم إرهابيون.

 

وبدلا من الاعتذار، حاولت  السلطات إلقاء اللوم على المرشدين السياحيين، ثم تعهدوا بتحقيق لم يتوصل إلى نتائج. وشعرت حكومة المكسيك بالغضب.

 

 وبعد ذلك بشهر، رفضت مصر الاعتراف بأن قنبلة داعشية أسقطت طائرة ركاب روسية في سيناء، وقتلت 224 كانوا على متنها بالرغم من أن موسكو وتنظيم داعش أكدا ذلك.

 

ولكن لو كان المسؤولون  المصريون قد راودهم الاعتقاد أن مثل هذا الأسلوب سيجدي نفعا في أزمة ريجيني فقد أخطأوا في حساباتهم.

 

أكثر من 3000 شخص حضروا جنازة ريجيني في قريته فيوميشيلو.

 

وتحول الحزن عبر أنحاء إيطاليا إلى  مشاعر غضب بعد أن تكشفت تفاصيل تعذيبه.

 

وأوردت الصحافة صورا أرشيفية لريجيني وهو يبتسم ويحمل في ذراعيه قطا أليفا.

 

وظهرت لافتات صفراء تحمل شعار "Verità per Giulio Regeni" (الحقيقة من أجل ريجيني) في المدن والقرنز

 

ماتيو رينزي قال للصحفيين آنذاك: "سنتوقف فقط عندما نكتشف الحقيقة".

 

وبعد أسابيع على وفاته، حصلت الولايات المتحدة على معلومات استخبارية متفجرة من مصر: دليل على أن ضباط أمنيين مصريين خطفوا وعذبوا وقتلوا ريجيني.

 

وأخبرني  مسؤول سابق  بإدارة أوباما،  وأحد ثلاث مسؤولين سابقين أكدوا المعلومات الاستخبارية: "لقد تلقينا دليلا لا يقبل الجدل على المسؤولية الرسمية المصرية في وفاة ريجيني، لم يكن هناك أي شك في هذا".

 

ووفقا لتوصية من الخارجية والبيت الأبيض، مررت الولايات المتحدة هذه النتيجة إلى حكومة رينزي".

 

ولكن لتجنب الكشف عن المصدر، لم تشارك الولايات المتحدة تفاصيل المعلومات الخام، كما لم تحدد أي جهاز أمني تعتقد أنه وراء وفاة الطالب الإيطالي.

 

وقال مسؤول سابق آخر: "لم يكن واضحا من أعطى الأمر باختطاف ريجيني وربما قتله".

 

وأخبر الأمريكيون إيطاليا بأن القيادة المصرية تدرك تماما ملابسات وفاة ريجيني.

 

وقال المسؤول السابق الآخر: "لم يراودنا أي شك في  أن ذلك كان معروفا من أعلى القيادات المصرية، ولا أدرى إذا كانوا يتحملون المسؤولية لكنهم كانوا يعرفون، كانوا يعرفون".

 

وبعد أسابيع لاحقة، في أوائل 2016، واجه جون كيري وزير الخارجية الأمريكي آنذاك نظيره سامح شكرى خلال اجتماع بواشنطن.

 

وقال مسؤول سابق بإدارة أوباما: "لقد كان حديثا مشحونا بينهما".

 

بيد أن فريق كيري لم يستطع تحديد إذا ما كان شكري كان يماطل أو أنه لم يكن على دراية بالحقيقة.

 

بيد أن النهج الصريح الذي اتبعه وزير الخارجية الأمريكي آنذاك أثار الدهشة داخل الإدارة، وفقا لمسؤول سابق آخر إذ أن كيري يشتهر بسمعة معاملة مصر كنقطة ارتكاز السياسة الخارجية الأمريكية منذ معاهدة السلام 1979 مع إسرائيل.

 

ووصل فريق من المحققين الإيطاليين القاهرة للمساعدة في التحقيقات المصرية، لكنهم وجدوا معوقات.

 

وبدا شهود العيان كما لو كانوا يتلقون تعليمات، كما حُذفت لقطات كاميرات المراقبة من محطة مترو الأنفاق القريبة من شقة ريجيني، ورفضت السلطات المصرية طلبا إيطاليا بالحصول على البيانات الوصفية لملايين المكالمات الهاتفية على أساس انتهاكها للحقوق الدستورية للمواطنين المصريين.

 

بيد أن بعض شهود العيان الشجعان زاروا المحققين الإيطاليين في مكتبهم المؤقت أسفل السفارة الإيطالية. ولكن لم يشعر المحققون بالراحة.

 

وانتاب ماساري القلق حول أمن السفارة بعد وفاة ريجيني.

 

وتوقف عن استخدام بريده الإلكتروني وهاتفه الجوال في الأمور الحساسة، ولجأ إلى نظام تشفير قديم لبعث رسائل إلى روما.

 

وخاف المسؤولون الإيطاليون أن يمرر المصريون العاملون في السفارة المعلومات إلى الأجهزة الأمنية، وخشوا من زرع أجهزة تنصت.

 

ماساري كان ما زال يشعر بالصدمة بعد رؤيته إصابات جثة ريجيني وأصبح منعزلا، يتجنب عقد لقاءات مع سفراء آخرين وتدهورت علاقته بالحكومة المصرية.

 

وغضب المسؤولون المصريون من مقابلة أجراها السفير لقناة إيطالية، وقالوا إنه يحاول تحميلهم المسؤولية.

 

وأخبرني حسام زكي: "لقد استنتجنا أن مواقفه بالفعل باتت منحازة، وبات مثيرا للجدل".

 

وعندما كان ماساري يخرج على الملأ، كان يبدو عليه علامات الإجهاد، وقال أصدقاء أنه كان يعاني من أجل الخلود إلى النوم.

 

وبدأ تشييد ضغط دولي على المصريين، وأرسلت الصحف الإيطالية أكثر محققيها الاستقصائيين حنكة إلى القاهرة.

 

ونشأ موقع يدعى "ريجيني ليكس" (تسريبات ريجيني)، للحصول على معلومات من مسربين مصريين.

 

وبدأت والدة ريجيني حملتها الخاصة لكشف الحقيقة، وقالت في مؤتمر صحفي إنها لم تتمكن من التعرف على ولدها إلا من أعلى أنفه.

 

واحتشد ممثلون وشخصيات عامة ولاعبو كرة إيطاليون في صفها.

 

وأخبر مصريون ديفيندي أن ابنها "مات كما لو كان مصريا "، في وسام شرف لمصر السيسي.

 

ومرر البرلمان الأوروبي مشروع قرار يدين الظروف المشبوهة لمقتل الطالب الإيطالي.

 

وفي لندن، تقدم نشطاء بعريضة للبرلمان وقع عليا أكثر من 10000 شخص تطالب الحكومة البريطانية بالتيقن من إجراء مصر تحقيق ذات مصداقية في قضية ريجيني.

 

مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي "إف بي آي: ساعد المحققين الإيطاليين، فعندما سافرت  صديقة مصرية لريجيني للولايات المتحدة لقضاء عطلة استجوبها الضباط.

 

وقال مذيع التوك شو البارز عمرو أديب في برنامجه: "هذه المرة لا تجدي المماطلة.

 

هل  تتحدث اللاتينية؟ هكذا سألني لويجي ماكوني، السيناتور الإيطالي الذي يساعد عائلة ريجيني في قضيتهم، عندما زرته في روما في يناير الماضي.

 

وتابع: "ثمة عبارة باللاتينية تقول — arcana imperiiوتعني أسرار السلطة.

وتوقف السيناتور الإيطالي فجأة قائلا لي: "هذا ما نشاهده في مصر: الجانب المظلم لهذه المؤسسات، الأسرار الكامنة في قلوبهم".

 

وكان السيناتور يشير إلى المؤسسات الأمنية المصرية، لكن ما لم يذكره هو أن التحقيق المتعلق بريجيني كشف عن تصدعات مؤلمة داخل الدولة.

 

كانت هناك أولويات أخرى. إذ أن أجهزة الاستخبارات الإيطالية تحتاج المساعدة المصرية في مناهضة تنظيم داعش، وإدارة الصراع في ليببا ومراقبة فيض المهاجرين في أنحاء البحر المتوسط.

 

شركة الطاقة الإيطالية "إيني"  التابعة لسيطرة الدولة كانت قد أعلنت، قبل شهور من وصول ريجيني مصر، عن اكتشاف هائل، حقل غاز ظهر، على بعد 120 ميل  من الساحل الشمالي لمصر، حيث يحوي على 850 مليار متر مكعب من الغاز، أو ما يعادل 5.5 مليار برميل من النفط.

أنشطة شركة إيني الخارجية في 73 دولة جعلها جزءا لا يتجزأ من السياسة الخارجية الإيطالية.

 

واعترف رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماتيو رينزي بذلك واصفا الشركة بأنها "جزء أساسي من سياسة الطاقة والسياسة الخارجية والسياسة الاستخبارية".

 

وفي العديد من البلدان، يعرف الرئيس التنفيذي لإيني كلاوديو ديسكالزي قاداتها أكثر من وزراء الحكومة الإيطالية أنفسهم.

 

وبينما تصاعدت الضغوط لحل أزمة ريجيني، طمأن ديسكالزي، الذي يزور القاهرة بانتظام، منظمة أمنيستي انترناشيونال (العفو الدولية) بأن السلطات المصرية تبذل جهودا قصوى للعثور على قتلة ريجيني.

 

وناقش ديسكالزي القضية ثلاث مرات على الأقل مع السيسي.

 

ووفقا لأحد المسؤولين في الخارجية الإيطالية، فإن الدبلوماسيين راودهم اعتقاد مفاده أن إيني تشترك مع المخابرات الإيطالية في محاولة للوصول إلى حل سريع للقضية.

 

وتمتلك إيني تاريخا طويلا من توظيف مسؤولي استخبارات متقاعدين للإشراف على وحدة أمنها الداخلي، وفقا لأندريا جريكو مؤلف كتاب "الدولة الموازية"، الذي يتناول تاريخ شركة الطاقة الإيطالية.

 

وأردف: "لديهم تعاون قوي، يقيني أنهم تعاونوا في قضية ريجيني".

 

وقالت متحدثة باسم إيني إن الشركة أفزعها موت ريجيني، وبالرغم من أنها لا تملك مسؤولية للتحقيق لكنها استمرت في متابعة الأمر بشكل وطيد جدا خلال تفاعلها مع الحكومة المصرية.

 

التعاون المدرك بين إيني وأجهزة المخابرات الإيطالية بات مصدرا للتوتر داخل الحكومة الإيطالية.

 

وتسبب ذلك في حذر متبادل بين مسؤولي المخابرات والخارجية في إيطاليا، بل ويحجبون بعض المعلومات أحيانا.

 

وقال لي مسؤول:  "لقد كنا في حرب، ليست فقط مع المصريين".

 

وراود الدبلوماسيون الشكوك في أن أجهزة المخابرات الإيطالية في سياق محاولتها لإغلاق القضية توسطت لإجراء مقابلة للرئيس السيسي مع صحيفة لا ريبوبليكا الإيطالية بعد 6 أسابيع فحسب من وفاة رجيني.

 

بيد أن إدارة الصحيفة  تصر على أنها  من طلبت إجراء المقابلة التي أظهر السيسي خلالها تعاطفه مع والدي ريجيني، واصفا موته بالمروع وغير المقبول، ومتعهدا أن يجد الجناة قائلا: "سنحصل على الحقيقة".

 

وفي 24 مارس، بعد 8 أيام من المقابلة، فتحت شرطة القاهرة نيرانها على ميكروباص يقل 5 رجال، معظمهم أصحاب سجلات إجرامية أو تاريخ مع تعاطي المخدرات، بينما كانوا في أحد الأحياء الراقية.

 

وقُتل الرجال الخمسة، وأصدرت الداخلية بيانا واصفا إياهم بعصابة خطف الأجانب.

 

وفي مداهمة لاحقة لشقة ترتبط بالرجال، قالت الشرطة إنهم عثروا على جواز سفر ريجيني، وبطاقة ائتمانه، وبطاقة الهوية الدراسية.

 

وسرعان ما ذكرت وسائل إعلام مصرية رسمية أن قتلة ريجيني تم تحديدهم.

 

المحققون الإيطاليون الذين كانوا في مطار القاهرة للسفر إلى وطنهم من أجل احتفالات عيد الفصح جرى استدعاؤهم، وشكرهم وزير الداخلية على تعاونهم.

 

وفي إيطاليا، قوبلت أنباء إطلاق النار بالتوجس، وانتشر هاشتاج #noncicredo أو "لا أصدق ذلك" عبر تويتر.

 

وسرعان ما انهارت تلك الرواية  المصرية، حيث أخبر شهور عيان العديد من الصحفيين (بينهم أنا) أن الرجال الخمسة قتلوا بدم بارد.

 

أحد الرجال قُتل بينما كان يهرب، ثم وضعت جثته لاحقا داخل الميكروباص.

 

وانهارت أي صلة للرجال المقتولين بريجيني حيث استخدم المحققون الإيطاليون السجلات الهاتفية لإظهار أن قائد العصابة المزعومة طارق عبد الفتاح كان على بعد 60 ميلا شمال القاهرة في يوم خطفه المزعوم لريجيني.

 

الخريف الماضي، أخبر النائب العام المصري نظيره الإيطالي أن ضابطين وجهت لهما اتهامات تتعلق بقتل الرجال الخمسة.

 

لكن يبقى سؤال حرج مفاده: إذا لم يكن الرجال الذين قتلتهم الشرطة هم قتلة ريجيني، كيف إذن وصل جواز سفره إلى شقتهم؟

 

ولم يساور الإيطاليين إلا القليل من الشك في أن القصة برمتها إنما هي إلا محاولة خام للتستر، غير متقنة على نحو جعلت المصريين يجرمون أنفسهم.

 

ومع ذلك، مرت المحاولة، وغادر المحققون الإيطاليون القاهرة وتوقف التحقيق.

 

واستبدل ماساري بسفير جديد لكنه تلقى أوامر أن يبقى في روما.

 

وفي مصر، أصبح ريجيني كلمة تنطق همسا.

 

هدى كامل، منظمة النقابات التي ساعدت ريجيني في بحثه أخبرتني قائلة: "كل شخص يهتم بريجيني يشعر بالخوف، يبدو الأمر أن كافة الدولة بكل قوتها تحاول قتل القضية".

 

وبعد شهور من الروابط الدبلوماسية المتوترة، تصدع جدار الإنكار المصري، أو بدا كذلك.

 

ففي رحلة إلى روما سبتمبر الماضي، اعترف النائب العام المصري نبيل صادق علنا أن جهاز الأمن الوطني  اشتبه في أن ريجيني يعمل جاسوسا، ووضعه تحت المراقبة.

 

وفي سلسلة من اللقاءات خلال الشهور القليلة اللاحقة،’ أمد الإيطاليين بوثائق وسجلات هاتفية وأقوال شهود عيان وفيديو أظهر أن ريجيني خانه العديد من الأشخاص المقربين له.

 

محمد عبد الله مصدر ريجيني في نقابة الباعة الجائلين، كان مخبرا لدى جهاز الأمن الوطني.

 

مستخدما كاميرا مستترة، سجل عبد الله محادثته مع ريجيني حول منحة 10 آلاف إسترليني.

 

وسلمت السلطات المصرية  الفيديو المسجل للإيطاليين.

 

وأدلى عبد الله بأقوال فصل فيها لقاءاته مع عقيد وعده بمكافأة، وفقا لعبدالله، إذا أغلقت قضية ريجيني.

 

هوية الشخص الثاني كانت ربما أكثر مفاجأة.

 

ويعتقد المسؤولون الإيطاليون أنه في الشهور السابقة لاختفاء ريجيني، سمح رفيق السكن المحامي محمد السيد بضباط من الأمن الوطني بتفتيش الشقة.

 

وفي الأسابيع التالية، أظهرت سجلات هاتفية تحدث محمد السيد هاتفيا مع اثنين من ضباط الأمن الوطني.

 

ولم يستجب محمد السيد لطلبات للتعليق، لكنني تحدثت طويلا عبر الفيسبوك مع جوليان سوكي رفيقة السكن الثانية.

 

رواية جوليان تمثل دليلا على مناخ عدم الثقة الذي باتت عليه القاهرة في عهد السيسي.

 

ووفقا لها، فقد عبر محمد السيد عن شكوكه حول ريجيني بعد أيام من انتقال الأخير إلى الشقة.

 

وتذكرت جوليان كيف أن محمد السيد قال :" أعتقد أن جوليو جاسوس".

وبعد اختفاء ريجيني، بدأت جوليان تشارك وجهة النظر هذه.

 

وتوقع الثنائي أن يكون ريجيني يعمل مع الموساد.

 

وأضافت أن ريجيني أخبرها أنه كان لديه صديقة إسرائيلية وسبق له زيارة إسرائيل.

 

جوليان سوكي التي غادرت مصر كانت قد نقلت هذه النظرية إلى المخابرات المصرية.

 

وتذكرت قائلة: "لقد كانوا مندهشين لأن نفس الفكرة هي التي راودتهم".

واستخدم الإيطاليون السجلات الهاتفية المصرية لمعرفة روابط الصلة الأخرى واكتشفوا أن ضابط الشرطة الذي ادعى العثور على جواز سفر ريجيني على اتصال مع أعضاء من فريق الأمن الوطني الذين كانوا يتتبعون ريجيني.

 

وفجأة قال والدا ريجيني إن الحقيقة ربما تطفو على السطح.

 

وأضافا في رسالة نشرتها صحيفة لا ريبوبليكا في الذكرى الأولى لاختفائه: "الشر يتكشف ولكن ببطء مثل كرة من الصوف".

 

وبالرغم من اعتراف السلطات المصرية بمراقبة ريجيني، لكنهم يصرون على عدم ضلوعهم في اختطافه أو قتله.

 

وحتى لو جرى إثبات ذلك، يبقى لغز جوهري: "لماذا قتلوه كما لو كان مصريا؟".

 

إحدى النظريات المألوفة أشارت إلى أن ذلك من عمل ضابط مارق.

في وزارة الداخلية ، التي تتحكم في الأمن الوطني، يستمتع حتى الضباط منخفضو المستوى باستقلالية كبيرة، ونادرا ما يخضعون للمساءلة، بحسب يزيد صايغ، كبير الباحثين بمركز كارنيجي الشرق الأوسط في بيروت.

 

وأردف صايغ: "ربما تحدث أشياء لا يوافق عليها السيسي".

 

ثمة الكثير من الأمور الأخرى التي تحمل القليل من المعقولية.

 

إذا كان ضابط مصري ظن أن تعذيب أجنبي فكرة جيدة، لماذا ألقى جثته على طريق سريع مزدحم بدلا من دفنه في الصحراء وعدم العثور عليه ربما إلى الأبد؟

 

ولماذا ظهرت جثة ريجيني وقت وصول وفد إيطالي رفيع المستوى القاهرة؟

 

وكشف خطاب مجهول أرسل إلى السفارة الإيطالية في برن بسويسرا العام الماضي ونشرته لاحقا صحيفة إيطالية عن تفسير آخر.

 

وبحسب الخطاب، فإن ريجيني كان ضحية حرب غامضة بين الأمن القومي والمخابرات الحربية، حيث سعى أحد الجهازين إلى استغلال وفاة الطالب الإيطالي لإحراج الآخر.

 

تفاصيل الخطاب أشارت إلى أن صاحب تلك الرواية وطيد الصلة بالجهاز الأمني المصرين لكن لا يبدو محتملا أن شخصا واحدا يستطيع معرفة الكثير.

 

مسؤولون أمريكيون بارزون أخبروني أن الخطاب بدا متناسقا  مع التقارير الاستخبارية واسعة النطاق حول صراع السلطة العنيف بين الأجهزة الامنية المتنافسة في مصر.

 

وقال مسؤول أمريكي: "إنهم يحاولون استغلال القضايا كرافعة لإحراج بعضهم البعض".

 

الاحتمال الأكثر  إثارة للقلق هو أن يكون موت ريجيني رسالة متعمدة، مفادها أنه تحت حكم السيسي، فإنه حتى الشخص الغربي يمكن أن يتعرض إلى أكثر التجاوزات وحشية.

 

وفي روما، أخبرني مسؤول أنه عندما جرى العثور على جثة ريجيني، كانت مستندة إلى  جدار.

 

وتساءل المسؤول: "هل أرادوا تسهيل مهمة العثور عليه؟

 

أحد مسؤولي إدارة أوباما تحدث عن اعتقاده بأن شخصا ما في المناصب العليا للحكومة المصرية ربما أصدر أمرا بموت ريجيني "لبعث رسالة إلى الأجانب والحكومات الأجنبية بالتوقف عن العبث بالأمن المصري".

 

ولم يوافق أي مسؤول مصري أمني بارز على التحدث معي حول تلك القضية.

 

حسام زكي، نائب وزير الخارجية السابق، الذي يشغل الآن منصب مساعد الأمين العام للجامعة العربية أخبرني أن المسؤولين المصريين يعتقدون بأن جريمة قتل ريجيني ارتكبها "طرف ثالث" يسعى لتخريب علاقة القاهرة بروما.

 

وواصل زكي: "المصريون لا يعاملون الأجانب بشكل سيء".

 

وأخبرني أحد الدبلوماسيين الأوروبيين الذي طلب مني وضع الهاتف الجوال في صندوق حاجب للإشارات لعدم التنصت على المحادثة : "ريجيني وقع ضحية البارانويا تجاه الأجانب في المجتمع المصري، حتى التفاعلات الصغيرة أصبحت مصدرا للرعب".

 

وتابع الدبلوماسي: "أثناء غداء في مقر إسلامي مصري،  انفعل رجل على ضيف أجنبي لمجرد التقاطه صورة للوجبة المكونة من فول وخبز وطعمية".

 

وصرخ الرجل في الضيف: "أنت أجنبي، وستستخدم هذه الصورة لإظهار أننا نأكل فول وخبر فحسب".

 

وفي بلدة فيونيشيلو التي ترعرع فيها الطالب الإيطالي، تظهر لافتة "الحقيقة من أجل ريجيني" في الكنيسة الرئيسية، لكن قليلا من الأشخاص يعتقد أن الحقيقة ستكتشف.

 

وفي المقر الإيطالي للعمليات الخاصة في مكافحة الإرهاب والمافيا بروما، قال لي الجنرال جيوسيبي جوفرنالي إن الأمل ما زال باقيا لحل لغز الجريمة.

 

وزاد قائلا: "العقلية العربية تعتمد على المماطلة حتى ينسى الجميع، لكننا لن نتوقف حتى العثور على إجابة".

 

الإيطاليون يملكون ما وصفه كارلو بونيني، الصحفي بجريدة لا ريبوبليكا "الرصاصة الأخيرة" في قضية ريجيني.

 

وبحسب الصحفي، يستطيع الإيطاليون توجيه اتهامات في محكمة إيطالية ضد حفنة من الضباط الأمنيين المصريين الذين يعتقدون بمسؤوليتهم عن وفاة ريجيني.

 

لكن مصر لن تسلم أبدا أي شخص لإيطاليا لمحاكمته، كما أن الاحتمالات ضئيلة لنجاح الضغوط على السيسي لإظهار الحقيقة.

 

وفي روما الشهر الماضي، اعترف المسؤولون بانخفاض وتيرة التحقيقات في القضية ولفتوا إلى  أن السياسة وليست البوليس هي من ستحدد ختام القضية.

 

وفي الشهر الثامن العشر منذ مقتل ريجيني، تناول السيسي العشاء مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أمام الهرم.

 

وفي أبريل، تلقى الرئيس المصري ترحيبا شديدا في البيت الأبيض من نظيره الأمريكي دونالد ترامب.

 

وفي 14 أغسطس، أعلنت الحكومة الإيطالية اعتزامها إعادة سفيرها إلى مصر. ويبدأ حقل غاز ظهر إنتاجه  ديسمبر المقبل.

 

 

رابط النص الأصلي 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان