رئيس التحرير: عادل صبري 04:59 صباحاً | الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م | 04 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

رئيس البرازيل السابق يشكو الاضطهاد.. «لولا » يستحق محاكمة عادلة

رئيس البرازيل السابق يشكو الاضطهاد..  «لولا » يستحق محاكمة عادلة

صحافة أجنبية

رئيس البرازيل السابق، لويز ايناسيو لولا دا سيلفا

رئيس البرازيل السابق يشكو الاضطهاد.. «لولا » يستحق محاكمة عادلة

إكرام يوسف 23 أبريل 2017 18:27

لا يزال رئيس البرازيل السابق، لويز ايناسيو لولا دا سيلفا، الشهير باسم لولا، واحدا من السياسيين الأكثر شعبية في البرازيل.

 

والمعروف أنه عامل خراطة الذي لم يتلق تعليما كافيا، ساعد في إنشاء حزب العمال البرازيلي في 1980 قبل فوزه بالرئاسة في 2002 و 2008 بأغلبية كبيرة. وفي عهده أصبحت البرازيل قوة رئيسية، وحصلت على شرف استضافة دورة الألعاب الأوليمبية لعام 2016، وانتشلت 40 مليون من شعبها من براثن الفقر.

 

ويظهر أحدث استطلاع للرأي أنه لا يزال المفضل في سباق الرئاسة لعام 2018. ولكن منذ عام 2016، يتم التحقيق معه ضمن حملة مكافحة الفساد المعروفة باسم "عملية غسل السيارات"، ومن شأن إدانته أن تحول دون ترشحه في الانتخابات.

 

وقد نفى لولا جميع الاتهامات الموجهة اليه. وهو يعتقد أن التحقيق معه له دوافع سياسية، ووفقا لاستطلاع للرأي أجرته مؤسسة أبحاث السوق، فإن 42.7 في المائة من البرازيليين يتفقون على أنه يتعرض للاضطهاد من قبل وسائل الإعلام والسلطة القضائية في محاولة لإخراجه من سباق الرئاسة عام 2018.

 

ولم يجد الادعاء حتى الآن أي دليل دامغ يربطه بالجرائم المزعومة، بيد انهم استخدموا تكتيكات عدوانية مثل تسريب تسجيلات مكالمات هاتفية أجراها مع أفراد اسرته لإحراجه علنا. وبهذه الطريقة ـ وطرق أخرى ـ أثارت قضية لولا تساؤلات حاسمة حول النظام القضائي في البرازيل: وتحديدا ما إذا كان يمكن أن يحظى بمحاكمة عادلة وحماية الحقوق الإنسانية الواجبة للمتهمين بالفساد.

 

ويقول جيوفري روبرتسون ـ أول رئيس للمحكمة الخاصة بسيراليون ومؤلف كتاب: "جرائم ضد الإنسانية: الكفاح من أجل العدالة العالمية"ـ أن البرازيل تطبق نظاما عتيقا للتحقيق في القضايا الجنائية، ورثته من البرتغال في أوائل القرن التاسع عشر (ولكن البرتغال تخلت عنه منذ فترة طويلة).

 

ولا يفصل هذا النظام بين دور قاضي التحقيق، الذي يشرف على عمل الشرطة والمدعين العامين، ودور قاضي المحاكمة، الذي ينبغي أن يستمع إلى القضايا من دون تحيز أو تصورات مسبقة.

 

وفي البرازيل ـ كما يؤكد روبرتسون، الذي يمثل لولا في التماسه للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ـ يؤدي كل من هذين الدورين نفس الشخص، حتى عندما يتضمن التحقيق، كما في قضية لولا، استنتاجات متحيزة ضد المشتبه به.

 

وفي قضية لولا، كان هذا الشخص سيرجيو مورو، الذي يصفه روبرتسون ـ في مقال نشرته مجلة فورين أفيرز ـ بأنه قاض فيدرالي منخفض المستوى. حيث لا يختص مورو فقط بالإشراف على التحقيق، والموافقة على جميع عمليات البحث، والمضبوطات، والتسجيلات، ولكن أيضا يترأس جلسات محاكمة لولا.

 

وذاك، على الرغم من أن قرارات التحقيق السابقة شملت تكهنات له بأن لولا مذنب. بل أنه ذهب إلى حد حضور حفل إطلاق كتاب للصحفي البرازيلي فلاديمير نيتو ، يصور لولا على نحو سلبي. وفي هذا الحفل وقع القاضي نسخا من الكتاب وسمح بالتقاط صور فوتوغرافية له.

 

ولا شك أن مثل هذا السيناريو لا يمكن وقوعه في نظام المحاكم الأنجلو - أمريكية، الذي يعزل قضاة المحاكمة عن عملية التحقيق. وحتى في أوروبا، حيث يقوم القضاة بدور في التحقيقات، لا يجوز لهم محاكمة شخص سبق أن ألمحوا الى انه قد يكون مذنبا.

 

ولا يعتقد أي قاض في أوروبا أو الولايات المتحدة أنه من الجائز له تأييد تشويه رجل، بسبيله لإصدار حكم عليه.

 

 

وتعود مشاركة مورو في القضية إلى عام 2014، عندما اكتشف المسئولون أن مبنى مهجورًا لغسيل السيارات في محيط ولايته القضائية يستخدم لغسل الأموال. وقد اتسع التحقيق الذي قاده مورو، ليشمل 200 من الشرطة والمدعين العامين.

 

ويزعم هؤلاء المدعون أن المسئولين في شركة بتروبراس الوطنية للنفط والغاز قد تواطأوا منذ فترة طويلة مع مجموعة من أكبر مقاولي البناء في البلاد للدخول في تعاقدات مبالغ فيها ومزورة.

 

ويزعم أن هؤلاء المسؤولين في شركة بتروبراس يتلقون الرشاوى ثم يوجهون بعض الأموال إلى عدد من السياسيين، في جميع أنحاء الطيف السياسي، لاستخدامها في تمويل الحملات السياسية.

 

 

وقد جاء التحقيق ليشمل لولا قبل عام، بعد ادعاءات بأنه تلقى منذ تركه الرئاسة هدايا من إحدى شركات الكارتل المتورطة في عملية غسيل الأموال، ومنذ ذلك الحين، أمر مورو بالتحفظ على ممتلكات لولا، وتم فحص حساباته المصرفية، والتنصت على مكالماته الهاتفية مع عائلته والمحامين.

 

غير أن المحققين لم يكتشفوا أي أصول مخفية أو حسابات خارجية. فقد عاش الرئيس السابق ـ منذ ترك منصبه ـ في نفس الشقة الصغيرة والمتواضعة خارج ساو باولو التي كان يسكنها قبل أن يصبح رئيسا.

 

وخلال ولايته، لم يتلق هو وزوجته أي مزايا غير راتبه الرئاسي والمكافآت التي يحصل عليها رئيس الدولة روتينيا. وليس هناك ما يدل على أنه اتخذ أي إجراءات بناء على استلام أموال او هدايا عندما كان رئيسا للبلاد.

 

 

وانتقد العديد من الباحثين وغيرهم من المراقبين أساليب مورو في التدخل، قائلين إن حماسه لتجريم لولا، انتهاك لقانون. ويشير هؤلاء النقاد إلى أن القاضي أصدر في مارس الماضي أمرا بالقبض على لولا لاستجوابه، وهو شكل من أشكال الإكراه لا ينبغي للقضاة أن يستخدموه إلا إذا رفض المشتبه فيه الامتثال لأمر استدعاء للإدلاء بشهادته.

 

وكان لولا تعاونا دائما في الإجابة على أسئلة المحققين، ويقول إنه عندما وصلت الشرطة إلى منزله في الساعة السادسة صباحا، عرض عليهم الرد على استجواباتهم هناك، ولكن الشرطة رفضت وأجبرته ـ تحت تهديد بالزج به في السجن ـ على مرافقتهم إلى مجمع للشرطة في مطار خارج ساو باولو، حيث احتجز للاستجواب لمدة أربع ساعات. و تسربت أخبار احتجازه إلى وسائل الإعلام والمتظاهرين المناوئين له، الذين احتشدوا في المطار.

 

وعلى الرغم من جهوده الحميدة للالتزام بالسلطات، إلا أن المشهد خلق انطباعا بأنه لم يكن متعاونا وأن لديه شيئا يخفيه.

 

وبعد ما يقرب من أسبوعين، سلم مورو وسائل الإعلام ما يقرب من 50 تسجيلا صوتيا لمكالمات بين لولا وعائلته وأصدقائه ومحاميه، على الرغم من أن القانون البرازيلي، لا يسمح بالتنصت على المكالمات إلا كملجأ أخير - وهذا ليس هو الحال هنا - ويجب أن تبقى التسجيلات سرية.

 

والأكثر إثارة للقلق أن الأشرطة شملت محادثة بين لولا والرئيس ـ آنذاك ـ ديلما روسيف تم تسجيلها بصورة غير مشروعة. وكان مورو قد أمر بوقف المراقبة في الساعة 11:00 صباح يوم 16 مارس من العام الماضي لانتهاء مدة الأمر الصادر بالتسجيل، فضلا عن أن أيا من المكالمات التي تم تسجيلها لم تقدم أي أدلة تدينه.

 

ومع ذلك، استمر التنصت بشكل غير قانوني، وتم تسجيل محادثة في ذلك اليوم مع روسيف في الساعة 1:30 بعد الظهر. (وعندما أذيعت المحادثة، أثارت قدرا كبيرا من الجدل، حيث تضمنت مناقشة حول ما إذا كان على الرئيس تعيين لولا كوزير، ومنحه بالتالي نوعا من الحصانة).

 

 

وفي أبريل، أدانت المحكمة العليا في البرازيل مورو لإذاعة المحادثات الهاتفية التي تم التنصت عليها عبر وسائل الإعلام في انتهاك للدستور. وقد رد مورو بتقديم "اعتذار " لانتهاكه القاعدة القائلة بأن المحكمة العليا وحدها - وليس قاضيا بمحكمة اقل درجة، مثله - يمكنها أن تحقق قانونيا مع رئيس جمهورية اثناء ولايته.

 

ومع ذلك لم يتلق مورو مزيدا من اللوم، على الرغم من أنه في أي ديمقراطية أخرى، من شأن هذه الأساليب - التي تزيد من عداء الرأي العام للمشتبه به من خلال المراقبة غير القانونية وبث نتائج المراقبة علنا- تنحية القاضي عن نظر القضية.

 

 

وفي يوليو 2016، قدم لولا شكوى أمام لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة – يمثله فيها كاتب الموضوع - بدعوى أن مورو لم يقتصر على استغلال سلطته، بل انتهك أيضا الحقوق المدنية والسياسية للشخص وضع التحقيق. وقد بدأت محاكمة لولا الأولى في نوفمبر 2016، ومن المحتمل أن يصدر قرار بشأنه في يوليو 2017.

 

وقبل بدء المحاكمة، حاول الرئيس السابق مرارا رد القاضي عن نظر القضية، بناء على تحيزه ضده، ولكن هذه الطلبات رفضت في الغالب من قبل مورو نفسه. وعلى مدى العام الماضي، ظهر على غلاف مجلة فيجا اليمينية عدة مرات صورا مركبة تظهر لولا في ملابس السجن.

 

وظهرت هذه الصور بشكل مكثف على البالونات والدمى، التي شهدتها بعد ذلك المظاهرات اليمينية. ويشير الكاتب إلى أن السلطات لا تبد أي اهتمام بوقف ما أصبح تجارة مربحة تروج لفكرة أن لولا ثبتت إدانته بالفعل.

 

 

ويؤكد الكاتب أن لولا ليس فوق القانون، وأنه يقر بنفسه هذه الحقيقة. لكن أسلوب التعامل معه - احتجازه غير الضروري، ومحاكمته من قبل قاض يبدي تحيزه، وتسجيل مكالماته الهاتفية، وانتهاك خصوصيته من خلال إطلاق النداءات الموجهة إلى وسائل الإعلام ـ قوض الحريات المدنية التي كانت تضمنها له، ولبقية البرازيليين، قوانين البلاد والدستور.

 

 

ويطالب روبرتسون باعتماد نموذج جديد لمعالجة هذه الحالات في البرازيل، من أجل منع تكرار نفس الانتهاكات في المستقبل. ويرى أن هونج كونج تطبق النموذج الأفضل، وتطبقه أيضا أستراليا وسنغافورة، وبلدان أخرى.

 

وتستخدم هذه الأنظمة هيئة مستقلة ذات موارد جيدة ( تسمى اللجنة المستقلة لمكافحة الفساد) للتحقيق في المخالفات المنسوبة للسياسيين والموظفين الحكوميين ومؤسسات الدولة.

 

وتتمتع هذه الهيئات بسلطات كاملة في المراقبة، والاستدعاء للتحقيق، وإلقاء القبض، ويمكنها عقد جلسات استماع علنية. وتشرف على الهيئات لجنة مؤلفة من أفراد متميزين، لضمان أن تظل أعمالها بعيدة عن التحيز. وعندما تقرر اللجنة أن التهم الجنائية جادة، يتولى المدعون التحقيق، ويفحص الأدلة قضاة محايدون لم يشاركوا في التحقيق.

 

ومكن هذا النظام الدول التي تستخدمه من مساءلة الموظفين العموميين، من دون تشويه سمعة المشتبه فيهم أو التشهير بهم علنا ​​خلال هذه العملية، أو محاكمتهم أمام قاض شارك في التحقيقات.

 

وفي النهاية يؤكد روبرتسون على ضرورة محاكمة الفساد، ولا سيما الفساد السياسي. ولكنه يحذر من النتائج العكسية التي يمكن أن تترتب على غياب النزاهة، وعدم مراعاة الحقوق الإنسانية للمشتبه بهم، مما يؤدي إلى إجهاض العدالة والحد من تعاون المتهمين مع السلطات.

 

ويقول الكاتب أنه إذا كان هناك دليل على أن لولا استفاد من الفساد، فيجب مساءلته عن ذلك - ولكن في إطار إجراءات عادلة أمام قاض محايد. غير أن تحيز مورو ووسائل الإعلام البرازيلية، يجعل تحقيق العدالة مستحيلا.

 

ولذلك ينبغي أن تؤخذ القضية بعيدا عن مورو وتعطى للجنة محايدة على غرار لجنة هونج كونج - ليس من أجل حماية السياسيين الفاسدين أو اللصوص ولكن من أجل سيادة القانون وحقوق الإنسان، والحيلولة دون تحول التحقيقات إلى اضطهاد.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان