رئيس التحرير: عادل صبري 09:46 مساءً | الاثنين 17 ديسمبر 2018 م | 08 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

الصحوة الصينية الكبرى.. عودة إلى الدين

الصحوة الصينية الكبرى.. عودة إلى الدين

صحافة أجنبية

تحول صيني إلى الدين

فورين أفيرز

الصحوة الصينية الكبرى.. عودة إلى الدين

إكرام يوسف 27 فبراير 2017 17:52

ظل الغرباء عن الصين طوال عدة عقود يرون دور الدين والعقيدة هامشيا في البلاد.

 

وهيمن الاقتصاد والسياسة على تصوراتهم عن الشعب الصيني: انتشار المدن الضخمة، والعمال يعملون بدأب في المصانع الهائلة، والأثرياء الجدد يتباهون بثرواتهم، والمزارعون يكدحون في الحقول الملوثة والمعارضون يقبعون في السجون.

 

وتميل القصص عن الإيمان في الصين إلى الحديث عن الضحايا، مثل المسيحيين الصينيين الذين اضطروا إلى ممارسة العبادة سرا، أو في جماعات مثل جماعة فالون جونج التي تتعرض للقمع على أيدي الحكومة.

 

غير أن مثل هذه التصورات ليست دقيقة في وصف الصين حاليا، حيث تناوشت الشكوك في المجتمع مئات الملايين من الأشخاص الذين يتحولون إلى الدين والإيمان للعثور على الإجابات التي لا يمكنهم العثور عليها في مجتمعهم العلماني الراديكالي.

 

وباتوا يتساءلون عما يمكن أن يصنع الحياة الصالحة، وما إذا كان هناك ما هو أكثر من مجرد الكسب المادي. وفي كتابه "أرواح الصين: عودة الدين بعد ماو" ينقل إيان جونسون - المتخصص في شئون الصين، في عدة مطبوعات أمريكية منها نيويورك تايمز ونيويوركر وغيرها - قول قس بالغ من العمر 42 عاما من كنيسة في مدينة غرب تشنجدو "كنا نظن أننا سعداء لأننا فقراء. ولكن الآن الكثير منا لم يعودوا فقراء، وما زلنا غير راضين. نحن ندرك أن هناك شيئا مفقود، وهذا هو الحياة الروحية ".

 

وتفتتح كل عام عبر الصين، مئات من المعابد والكنائس والمساجد، تجذب ملايين المصلين الجدد. ولا توجد أرقام مؤكدة، غير أن حتى الزائر العارض للصين لا يمكن أن تفوته علامات: كنائس جديدة تنتشر في الريف، ومعابد يجري بناؤها أو توسيعها، وحتى السياسات الحكومية الجديدة التي تشجع القيم التقليدية. ولا شك أن القيم والعقيدة تعود إلى مركز النقاش الوطني، حول كيفية تنظيم حياة الصينيين.

 

ونشرت مجلة فورين أفيرز ملخصا تفصيليا لكتاب جونسون الذي بسبيله للصدور، ويوضح الكاتب بداية، أن الأقليات الدينية في الصين – لا سيما البوذيين في التبت واليوجور المسلمين – ظلوا يقدرون الدين زمنا طويلا، أحيانا كشكل من أشكال المقاومة ضد الدولة المركزية القمعية. لكن خطوة مماثلة أو أقوى نحو الروحانية، تتشكل الآن بين الصينيين الهان، المجموعة العرقية التي تشكل 91 في المائة من سكان البلاد. ولم يعد البحث عن معنى أعمق للحياة، مجرد مسكن للمهمشين في الصين، ولكن شاغلا رئيسيا للصينيين الأكثر استفادة من الصعود الاقتصادي في بلادهم.

 

ولا يعتبر من قبيل المبالغة القول بأن الصين تشهد نهضة روحية على غرار الصحوة الكبرى التي وقعت في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر. فقد تعرضت أمريكا وقتها، كما هو الحال في الصين الآن، لهزة بسبب التغيير الاجتماعي والاقتصادي الكبير.

 

واندفع الناس إلى المدن المكتظة بالسكان حيث لا يوجد لديهم أصدقاء فيها، ولا توجد نظم للرعاية. ويوفر لهم الدين والإيمان سبلا للنظر في التساؤلات القديمة التي يسعى الناس في كل مكان للإجابة عليها: لماذا نحن هنا؟ ما الذي يجعلنا سعداء حقا؟ كيف يمكننا تحقيق الرضا كأفراد، وكمجتمع، وكأمة؟

 

وتطرح هذه الموجة من النشاط الديني والروحي مخاطر في مواجهة الحزب الشيوعي الصيني. ولكن قادة الصين استفادوا أيضا من ذلك، بل وشجعوا عليه وعززوه في بعض الأحيان. وحتى الآن، تمكن الحزب من إحداث توازن دقيق؛ التسامح مع الصحوة الروحية من دون تجاوز أو إثارة رد فعل خطير. ولكن مع مساعي بكين نحو التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، قد يصبح من الصعب الحفاظ على هذا التوازن.

 

الشيوعيون ليسوا البداية

 

يؤكد الكاتب أن الحملة ضد الدين لم تبدأ بوصول الشيوعيين للحكم 1949. بل، بدأت قبل قرن، مع بداية انهيار الحضارة الصينية التقليدية. فقد أسفر تراجع الصين في القرن التاسع عشر عن أزمة ثقة. فطوال معظم تاريخ الصين، كانت تهيمن على جيرانها. وفي بعض الأزمنة، كان بعض الجيران أقوى عسكريا، خصوصا الشعوب البدوية في شمالها، مثل المغول والمانشو. ولكن حتى عندما احتلت هذه الشعوب الصين، لم يتشكك الصينيون في تفوق ثقافتهم. وكانوا يمارسون في كثير من الأحيان النقد الذاتي، لكنهم يعتقدون أن طريقتهم في الحياة سيكون لها الغلبة.

 

غير أن مواجهة الصين مع الغرب هزت تلك الثقة بالنفس. فقد منيت الصين بسلسلة من الهزائم العسكرية التي بدأت مع حرب الأفيون الأولى 1839-1842، حيث هزمت القوات البريطانية سلالة تشينج. ومع تقدم القرن، شاهد العديد من الصينيون كيف قسم الغرب أفريقيا والأمريكتين وأخضع الهند. وبحلول نهاية القرن التاسع عشر، وصل عدد متزايد من الصينيين إلى الاعتقاد بأن بلادهم بحاجة للتغيير إذا أرادت البقاء على قيد الحياة. وكانت بلادهم تفتقر إلى العلم الحديث، والهندسة، والتعليم، والصحة العامة، والأساليب الزراعية المتقدمة؛ وكلها منتجات الحياة الغربية المختلفة بشكل كبير، التي تستند أساسا على العلم بدلا من الدين والتقاليد.

 

ومع تعمق أزمة الصين، تزايدت سيطرة الأفكار الراديكالية؛ فلم تعد البلاد بحاجة فقط إلى سياسات جديدة، أو حتى أسرة ملكية جديدة، وأراد الإصلاحيون إسقاط المؤسسة السياسية الإمبراطورية كلها، وهذا يعني تدمير النظام الديني الذي يدعمها.

 

فلم يكن الدين مؤسسة منفصلة عن المجتمع العلماني، ولم تكن الطقوس الدينية أمرا يمارسه الشعب الصيني مرة واحدة أسبوعيا أو مرتين، في مكان معين، بتوجيه من كتاب مقدس. ولا يكاد الدين الصيني يحتوي على اللاهوت ويكاد لا يوجد رجال الدين. ولكن هذا لا يعني أنه كان ضعيفا. بل كان يتوغل كل جانب من جوانب الحياة كغشاء رقيق يربط المجتمع بعضه بالبعض. ومع منعطف القرن كانت البلاد تضم نحو المليون معبد، ويحوي العديد من القرى خمسة من أماكن العبادة في كل منها.

 

 

وظلت أهمية العقيدة في الصين تتميز طويلا بتعقد الهوية الدينية بين الصينيين. فالناس اليوم يميلون إلى التفكير بشكل حصري عن الدين: هذا الشخص كاثوليكي، وهذا يهودي، أو مسلم. ويبدو السؤال عن الانتماء الديني بسيطا بالنسبة لأصحاب الديانات السماوية. لكن بالنسبة لمعظم التاريخ الصيني، كان هذا النوع من الأسئلة يبدو غريبا. فتاريخيا، كان الدين يتعلق بالمجتمع وليس الهوية.

 

وكان لكل قرية معبد واحد على الأقل حيث يعبد السكان إله معين في أيام مقدسة معينة. و كان في الصين ثلاثة مذاهب دينية "جياو" رئيسية: فوجياو ( البوذية)، وروجياو "الكونفوشيوسية"، وداوجياو "الطاوية". ولكنها لم تكن تعمل كمؤسسات منفصلة مع أتباعها. وكان الناس يؤمنون في مزيج من هذه الديانات، فيما يمكن تسميته ببساطة باسم "الدين الصيني."

 

وكانت الطقوس، التي ساعدت في تنظيم المجتمع الصيني، أكثر أهمية من العلامات أو الهويات الدينية. ففي الإمبراطورية الصينية، كانت البيروقراطية المركزية صغيرة نسبيا، وكان معظم المسؤولين الذين ترسلهم بكين إلى المقاطعات يقيمون في مقر المقاطعة، وهو ما يعني أن شخصا واحدا يشرف على مئات القرى وعشرات الآلاف من الناس. وكانت الحياة المحلية تديرها لجان برئاسة شخصيات محلية، وتدير أهم هذه اللجان المعابد المحلية. وغالبا ما تدير هذه الأجهزة مشروعات أخرى أيضا، مثل بناء نظم الري أو زيادة الميليشيات لمحاربة قطاع الطرق.

 

وقدمت المعابد أيضا أماكن الحكم الفعلية: فكثيرا ما تكون أماكن اجتماعات كبار المسئولين المحليين، وإعلان القرارات الحكومية، وتنفيذ العقوبات. وعلى حد تعبير المؤرخ براسنجيت دوارا، كانت المعابد تمثل الصلة بين المجتمع الصيني والسلطة.

لكن الدين قدم أكثر من المساعدة العملية في إدارة الإمبراطورية الصين. كان شريان الحياة في النظام السياسي.

 

فكان الإمبراطور يسمى "ابن السماء" ويترأس طقوسا أخرى تؤكد طبيعته شبه الإلهية. ولذلك، عندما انتفض الإصلاحيون والثوريون إلى إعادة إنشاء الصين في أواخر القرن التاسع عشر، كان عليهم أولا هدم النظام السياسي والثقافي القديم، لبناء نظام جديد.

 

وفي نفس الوقت تقريبا الذي بدأ فيه الإصلاحيون هجومهم على الدين الصيني، كانت عقيدة أجنبية – المسيحية - تكتسب أتباعا وتمارس تأثيرا خفيا ولكنه قوي.

 

وبحلول أواخر القرن السادس عشر، كانت المسيحية اكتسبت موطئ قدم في الصين، لكنها بقيت ظاهرة طفيفة حتى بدأ المبشرون الوصول في القرن التاسع عشر نتيجة هزيمة الصين في حروب الأفيون.

 

وعلى عكس الإسلام، الذي دخل الصين في الألفية السابقة، ولكنه اقتصرت إلى حد كبير على أطراف البلاد، بدأت المسيحية تنتشر في القلب الاقتصادى للصين وبين الطبقات الأكثر نفوذا. و تسبب هذا في قلق كبير: فانتشر المثل الشعبي في ذلك الوقت "كلما زاد المسيحيون شخصا، نقص الصينيون شخصا."

 

ولكن المسيحية مثلت جاذبية قوية لدعاة التحديث الإصلاحيين، الذين غالبا ما يستلهمون الغرب، و أعجبهم ما يبدو من التوافق بين الدين و الدول الحديثة هناك. حتى أن بعض الإصلاحيين، ومنه زعيم الحزب القومي تشيانج كاي شيك، تحول إلى المسيحية.

 

ولكن الأهم كان قرار جميع المحدثين الصينيين تقريبا تبني ما اعتبروه تمييزا على غرار البروتستانتية بين الدين والخرافة. وخلصوا إلى أن الممارسات الدينية الوحيدة التي تشبه المسيحية هي "الحقيقية" وينبغي السماح باستمرارها. أما البقية مجرد خرافات ويجب التخلي عنها.

 

وظهر التطهير الديني بعد ذلك بشكل عشوائي، من خلال ممارسات فردية في كثير من الأحيان. فعلى سبيل المثال صن يات صن، الذي ساعد في إسقاط سلالة تشينج وإقامة جمهورية الصين في عام 1912ك كن من أوائل مشاركاته في التمرد، اقتحام المعبد المحلي في مسقط رأسه في محافظة شيانجشان وتحطيم التماثيل.

 

وعندما تولى الحزب القومي برئاسة صن السلطة، تسارعت وتيرة التغيير، وأطلق شيانج، الذي خلف صن عام 1926، حركة "الحياة الجديدة" لتطهير الصين من سبل الحياة القديمة. و إلى جانب محاولة القضاء على تعاطي الأفيون، والمقامرة، والدعارة، والأمية، أطلق القوميون "حملة لتدمير الخرافات." وفي الفترة التي تلت نهاية حكم الإمبراطورية حتى انتصار الشيوعيين في الحرب الأهلية 1949، تم تدمير آو أغلاق نحو نصف مليون معبد في أنحاء الصين ، أو تحويلها إلى استخدامات أخرى.

 

العقيدة فحسب

 

وبعد تولي الشيوعيين الحكم، تعاملوا مع الدين في البداية الدين مثلما فعلوا مع العناصر غير الشيوعية الأخرى في المجتمع، عبر المشاركة في الاستقطاب. فأنشأ الحزب جمعيات للديانات الخمس التي انبثقت من حطام النظام القديم: البوذيين والطاويين والمسلمين والكاثوليك، والبروتستانت. وسمح لهؤلاء الخمسة بإدارة المعابد، والكنائس، والمساجد الباقية، تحت إشراف حازم من الحزب، ولكن الدين لم يحظر.

 

واستمر هذا النظام بضع سنوات فقط. ففي أواخر الخمسينات، شرع ماو تسي تونج في قمع معظم النشاط الديني، وبحلول الثورة الثقافية في عام 1966، كان الحزب الشيوعي الصيني يشن واحدة من أشرس الهجمات على الدين في تاريخ العالم.

 

وأغلقت تقريبا كل دور العبادة، وطرد جميع رجال الدين منها. وفي معقل الكاثوليكية في تايوان فى مقاطعة شانشى، تحولت الكاتدرائية المركزية إلى "معرض حي" للتدليل على تخلف الدين: فوضع الكهنة والراهبات في أقفاص، وصدرت الأوامر للسكان المحليين بالمرور عليهم ومراقبتهم.

 

وفي جميع أنحاء البلاد، أجبر الكهنة البوذيون، والطاويون، ورجال الدين الكاثوليكي على لزواج بعدما كانوا قد أخذوا وعودا بالرهبنة. وتم تفكيك أضرحة العائلات، وهدمت المعابد ، أو احتلتها المصانع أو المكاتب الحكومية. وألقت الكوادر الماوية المتحمسة بالتماثيل المقدسة إلى النيران أو قامت بتهريبها إلى هونج كونج ليتم بيعها من خلال تجار التحف. (وذلك من أسباب افتقار الكثير من المعابد في الصين اليوم إلى الأعمال الفنية العظيمة التي تميز أماكن العبادة القديمة في بقية أنحاء العالم.

 

 

وردا على هذا القمع، انتقل الدين الى التستر، وبدأ رواد الكنيسة الاجتماع في السر، وحاول البوذيين والطاويين حفظ الكتب والكتيبات والطقوس عبر دفنها أو حفظها في الذاكرة. ومنعت السلطات الممارسات الروحية العلنية، مثل التأمل والعديد من فنون الدفاع عن النفس.

 

وفي العلن، كان النوع الوحيد من أنواع العبادة الذي سمح الحزب باردهارها: عبادة ماو. وارتدى الناس شارات ماو، وتمسكوا بكتاباته وأقواله كما لو كانت نصوصا مقدسة، وكانوا يسافرون إلى مسقط رأسه في شاوشان كما لو كانوا يحجون. بل أن بعض الناس كانوا يتضرعون إلى ماو، طلبا لتوجيهاته في الصباح، ويرفعون إليه تقارير عن أعمالهم، في المساء.

 

وأجبر الكثيرون على هذه الحماسة، حيث كان يمكن أن يؤدي عدم إظهار الحماسة الثورية الكافية إلى السجن أو الموت. ولكن هذه الظاهرة كانت تنطوي على عاطفة حقيقية متدفقة خاصة بين الشباب؛ كدين مصطنع لهذا البلد الذي دمر دينه.

 

المعبود الذي خاب

 

كانت هناك مشكلة مع اعتبار ماو إلها حيا: لكنه مات! وعندما حدث ذلك، في 1976، أصيبت البلاد بحالة صدمة. فقد غمرت البعض سعادة طاغية، فأخيرا رحل الطاغية الذي سحق كثيرين منهم. لكن الكثيرين أصيبوا بهستيريا، فتدفقت الدموع، وتوقفت مظاهر الحياة في البلاد. فمع القضاء علىالدين التقليدي، وموت ماو كان الناس غير متأكدين من كيفية توجيه آمالهم ومخاوفهم.

 

وردا على ذلك، حاول الحزب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء؛ إلى أوائل الخمسينيات. ففي عام 1982، وكجزء من المحاسبة العامة على هذا الدمار الذي أحدثته الثورة الثقافية، أصدر الحزب الشيوعي الصيني ورقة من 20 صفحة بعنوان "الرؤية السياسية الأساسية حول المسألة الدينية خلال الفترة الاشتراكية في بلدنا." عرفت باسم وثيقة الـ 19، وطرحت تحليلا صريحا مذهلا لأزمة الصين الدينية، وفر الأساس القانوني للصحوة الدينية الجارية الآن.

 

وتشير الوثيقة إلى أن 19 عاما من بين 27 عاما قضاها ماو في السلطة، شهدت "أخطاء اليسارية" ـ في إقرار مفاجئ بمدى الضرر الذي تسبب فيه تخبط سياسة الحزب نحو الدين خلال العقود الثلاثة الأولى في السلطة. و اعترفت بأن المتطرفين الماويين "حظروا الأنشطة الدينية الطبيعية"، و"لفقوا مجموعة من الأخطاء والمظالم للشخصيات الدينية"، و "استخدموا تدابير عنيفة ضد الدين أجبرت الحركات الدينية علي العمل تحت الارض".

 

واستمرت الوثيقة في وصف الدين بلغة متعاطفة، بحجة أنه يختفي ولكن بشكل تدريجي. وفي غضون ذلك، فإن سياسة الحزب "احترام وحماية حرية الاعتقاد الديني." وإمكانية إعادة فتح دور العبادة، وتدريب جيل جديد من رجال الدين.

 

 

وقاد هذا النهج الموضح في وثيقة الـ 19 سلوك الحزب منذ ذلك الحين. ونتيجة لذلك، لم تعد الصين معقل الشيوعية الملحدة أكما لا يزال يتصورالكثير من الأجانب.

 

غير أن ذلك لا يعني أن الدين ليس مصدرا للتوتر شديد في المجتمع الصيني. حيث يستاء أهل الإيمان بشدة من سيطرة الحكومة على المعابد الكبرى، والكنائس، والمساجد، وتحول العديد منهم  إلى العبادة سرا. وفي المجال العام، لا يزال الدين مقيدا بإحكام. ويحظر تناوله في وسائل الإعلام. وعلى سبيل المثال، لا يعلق الزعماء الدينيون، على القضايا الكبرى الحالية، أو حتى يتباحثون فيها مع بعضهم البعض. كما لا يوجد حوار بين الأديان.

 

وأسفرت الاضطرابات التي شهدتها فتر القرن ونصف القرن الماضية إلي إحساس الناس بعدم الارتياح إزاء التعبير عن تدينهم. وفي الواقع، يتجنب معظم الناس ذكر كلمة "الدين" (تسونجشياو)، التي ينظر إليها على أنها مصطلح حساس.

 

و يؤدي هذا إلى سوء فهم هائل عندما يحاول الأجانب قياس الحياة الدينية أو الروحية في الصين. ففي عام 2014، على سبيل المثال، أصدر مركز بيو للأبحاث دراسة هامة عن وجهات النظر حول الدين في العالم، وأظهر أن 14 في المائة فحسب من أفراد العينة في الصين يؤمنون أن الأخلاق ترتبط بالاعتقاد في الدين. وفي عام 2015، أفاد استطلاع للرأي أجرته مؤسسة جالوب الدولية أن 61 في المائة من الصينيين ذكروا أنهم ملحدون، فيما يزيد كثيرا عن المعدل العالمي البالغ 11 في المائة فقط.

 

غير أن الكاتب يرى ان هذه الدراسات كانت معيبة، لأنها سألت الناس عما إذا كانوا يؤمنون بالدين "تسونجشياو" وكان من الأفضل سؤالهم عن أفكار محددة (وعلي أي حال تسببت أمور تتعلق بالترجمة في حذف الجزء الخاص بالصين من تقرير بيو في نهاية المطاف).

 

وقال 77 في المائة من بين ثلاثة آلاف صيني شاركوا في استطلاع عام 2007 أجراه باحثون بريطانيون وصينيون إنهم يعتقدون في السببية المعنوية، وهي ركيزة أساسية من ركائز الدين الصيني التقليدي؛ تتلخص في فكرة ان الناس يحصدون ما يزرعون، وأن ما تفعله في هذه الحياة سيكون له تداعياته في الحياة التالية. واتفق أربعة وأربعين في المئة مع فكرة أن "الحياة والموت يتوقفان على إرادة السماء"، وقال 25 في المائة انهم تعرضوا لتدخل "بوذا" في حياتهم خلال الأشهر ال 12 السابقة، وهذا يعني أن إلها أو روحا أثرت على حياتهم.

 

وتمكنت استطلاعات أخرى أيضا من تقدير حجم الطفرة الدينية. فقد أجرت جامعة شرق الصين في شنغهاي استطلاعا عام 2005، أظهر أن 31 في المائة من سكان البلاد، أي نحو 300 مليون نسمة، متدينون.

 

وينتمي نحو 200 مليون صيني إلى البوذية،أو الطاوية، أو الممارسات الشعبية مثل عبادة الأجداد أو الشخصيات التاريخية ، مثل قادة الجيش أو الأطباء المشهورين. ووجد الاستطلاع أيضا أن حوالي 60 مليون من الصينيين يدينون بالمسيحية. وكان السبب الرئيسي لارتفاع معدل الاستجابة للاستطلاع أن الباحثين استخدموا كلمة "اكسينيانج" أو "الإيمان"، بدل من "تسونجشياو".

 

وفي 2007 أدت دراسة أخرى تحت إشراف العلامة فنجانج يانج من جامعة بوردو، إلى نتائج مماثلة: وجدت أن 185 مليون صيني يعتبرون أنفسهم بوذيين و17.3 مليون على علاقات رسمية بمعبد (بما يجعلهم يعادلون البوذيين العاديين). كما وجدت أن 12 مليونا يعتبرون أنفسهم طاويين، و173 مليون أخرين يمارسون طقوسا طاوية.

 

ولعل أبرز علامات الصحوة دينية في الصين تزايد عدد أماكن العبادة، وزيادة عدد رجال الدين. وكشف مسح حكومي في عام 2014 أن نصف المليون من الرهبان والراهبات البوذيين يعلمون في 33 ألف معبد بوذي، ويتبع 48 الف من الكهنة والراهبات الطاويين تسعة آلاف من المعابد الطاوية، بما يزيد مرتين عن عدد المعابد في التسعينيات.

 

 

وعلى الرغم من أن مثل هذا النمو السريع يبدو مستحيلا، إلا آن الكاتب يؤكد أنه يتطابق مع ما لاحظه شخصيا في عشرات المدن في مختلف أنحاء الصين. وحتى في بكين، المدينة الأكثر تسييسا وإلحادا، ازداد عدد المعابد الطاوية من اثنين فقط في عام 1995 إلى أكثر من 20 معبدا اليوم. وعلى الرغم لا يزال يعتبر ضئيلا بالنسبة لمئات المعابد التي كانت موجودة في الماضي، ولكنه يشير إلى زيادة سرعة التغيير.

 

أما بالنسبة للمسيحية، فتنقسم الصورة إلى شقين: تبقى الكاثوليكية، لعدة أسباب، الأضعف والأقل تأثيرا بين الأديان الرسمية الخمس في الصين. وحتى لو قبلنا أعلي التقديرات التي تشير إلى أن أتباعها يبلغون 12 مليون صيني، فلا تزال نسبتها أقل من واحد في المائة من السكان. بخلاف البروتستانتية، التي ظهرت في الصين بعد 1949، وغالبا ما توصف بأنها أسرع الأديان نموا في الصين.

 

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن 20 مليون من البروتستانت ينتمون إلى الكنائس التي تديرها الحكومة، بزيادة هائلة عن مليون في عام 1949.

 

ومع ذلك، تشير كل التقديرات المستقلة تقريبا، إلى أن العدد الحقيقي للبروتستانت أعلى من ذلك بكثير، خصوصا بسبب انتشار العبادة سرا في البيوت آو الكنائس التي ليست جزءا من البنية التي تديرها الحكومة. وفي 2008، أشار عالم الاجتماع الصيني يو جيانرونج إلى أن عدد البروتستانت يتراوح بين 45 مليون و60 مليون نسمة؛ وفي 2011، قدر منتدى بيو حول الدين والحياة العامة الرقم بنحو 58 مليونا. وبصرف النظر عن دقة العدد، تبقى الحقيقة أن البروتستانتية أصبحت جزءا من دينامية المشهد الديني في الصين، خاصة في المدن الكبرى، وبين المواطنين الأفضل تعليما.

 

الوسط الضائع

 

وراقب الحزب الشيوعي الصيني عن كثب هذه الطفرة من المشاعر والممارسات الدينية، وحرص على التأكد من ألا يستغل أحد هذا التحرير المتواضع، من أجل تحقيق الحرية الدينية الكاملة. وربما يتسامح مع الأنشطة السرية، ولكنها لا تزال غير قانونية. كما تم حظر العلاقات مع المنظمات الدينية الأجنبية.

 

ووقعت أهم حوادث القمع الرسمي في 1999، عندما حظرت الحكومة حركة فالون جونج الروحية، التي اعتبرتها السلطات تحديا للحكومة. وعندما رفضت فالون جونج الانصياع للحل، تم شن حملة قمع ضدها؛ وتقدر جماعات حقوق الإنسان وفاة نحو مائة من أتباعها أثناء احتجازهم لدى الشرطة، وتم سجن الآلاف دون محاكمة، وأمضى كثيرون سنوات عديدة في معسكرات العمل.

 

وبصرف النظر عن شراسة قمع فالون جونج، إلا أنه أتاح مساحة حركة لمنظمات دينية أخرى. فمنذ بدأت الحملة، خففت الحكومة سياستها تجاه الديانات الخمس القائمة، ربما لشعورها أنه من الأفضل للسماح بتوجيه التدين إلى إلى جماعات يمكن التحكم بدلا من رؤيتها تتفجر في حركات مستقلة. وقد أظهرت الحكومة تفضيلا معينا نحو الطاوية، والممارسات الشعبية، ومعظم أشكال البوذية.

 

وكان تسامحها اقل كثيرا بالنسبة للجماعات التي لها علاقات مع الخارج، مثل البوذيين في التبت الذين يؤكدون علاقاتهم مع الدالاي لاما في المنفى، والمسلمين الذين يستوحون الحركات الإسلامية العالمية، أو المسيحيين الذين يبحثون في الخارج عن التوجيه والقيادة، ولذلك شنت الحملة الأخيرة التي شهدت إزالة الصلبان من أبراج الكنائس في منطقة تضم كثافة سكانية مسيحية. لكن المنظمات الدينية التي توجد قيادتها وتمويلها من داخل الصين، منحت مساحة حركة كبيرة.

 

بيد أن السلطات تخشى أيضا أيضا الإيمان باعتباره قوة أيديولوجية بديلة ـ لا يمكن السيطرة عليهاـ لرؤية الحكومة للكيفية التي ينبغي أن يدار بها المجتمع. ففي الماضي، اتحد الدين والدولة، مشكلا المركز الجاذبية الروحي بالنسبة للصين. وقد ذهب النظام القديم الآن، ولم يحل محله نظام جديد.

 

وتعقدت الحالة عبر الجدل الذي يدور داخل الحزب الشيوعي الحاكم حول كيفية حكم البلاد بصورة أفضل. ومع عدم وجود مسار واضح، تنهمر على الصين الأفكار واقتراحات الأنقاذ لا يوجد نظام يجمع كل هذا معا. وقد وصف المؤرخ فنسنت جوسايرت وعالم الاجتماع ديفيد بالمر، الصين اليوم بأنها "المملكة الوسطى التي فقدت وسطها."

 

الكنيسة والدولة

 

أصبحت صحوة دينية الصين رائدة لتغييرات أوسع في المجتمع الصيني. فعندما توفي ماو وتولى المعتدلون الحكم أواخر السبعينيات، حاولوا إعادة بناء مصداقية النظام بين السكان من خلال تخفيف السيطرة. كان هدفهم دفع عجلة التنمية الاقتصادية وترك الناس تفعل الكثير مما يحلو لها طالما لا يتحدون حكم الحزب.

 

وخلال فترة الإصلاح هذه، التي استمرت نحو ثلاثين عاما، حتى 2010، اعتقد المراقبون، أو على الأقل كانوا يأملون، أن يستمر هذا الاسترخاء إلى أجل غير مسمى، ويؤدي إلى مجتمع أكثر حرية. واتسمت هذه الفترة بالتفاؤل في جميع أنحاء العالم. فعندما انتهت الحرب الباردة، بدا أن المجتمعات تسير حتما نحو الحرية والديمقراطية.

 

وخلال معظم هذه الفترة، شهد المجتمع الصيني حريات على نحو متزايد. وقادت الحكومة جزءا من هذه العملية. وعقب انهيار الاتحاد السوفييتي، أدرك الحزب الشيوعي الصيني أن الإصلاحات والانفتاح في الواقع يمكن أن تعزز قبضته على السلطة من خلال خلق المزيد من فرص الازدهار وبالتالي إضعاف المعارضة.

ولكن في السنوات الأخيرة، غيرت الحكومة النج. وبأ القادة اتخاذ مواقف أكثر تشددا، ربما لأنهم يشعرون أن المزيد من التحرير قد يهدد حكمهم. وتعرض المعارضون، حتى المعتدلين منهم للحبس. وتم تقييد الإنترنت. وصدرت تعليمات للحركات الاجتماعية بالامتثال لطاعة الحكومة أو مواجهة القمع. وبدأت حركة من الجمود.

 

وفي مجال الدين والإيمان، سعت الحكومة لاستمالة الجماعات الدينية بدلا من سحقها. واستغلت بذكاء بعض تعبيرات وأفكار الدولة السياسية والدينية التقليدية التي أدارت الصين منذ أكثر من ألفي عام. ومن المتوقع ان تستمر هذه الاتجاهات نحو السيطرة: فلن تخفف الدولة من قبضتها على الحياة الفكرية في البلاد.

 

ومن المرجح أن تدعم الحكومة الديانات الصينية التقليدية: البوذية والطاوية، والدين الشعبي. وسوف تعطيها الدولة مساحة حركة أوسع، إدراكا منها لسهولة قيادتها حتى تضمن أنها تتبع سياسات الحكومة. ولا يعني هذا أن الصين سوف تصبح مثل روسيا، ذات الكنيسة الأرثوذكسية التابعة الدولة. ولن يتحول الحزب الشيوعي الصيني إلى ما يشبه حزب بهاراتيا جاناتا في الهند (حزب الشعب الهندي)، الذي يدعو إلى أجندة قومية دينية. حيث يتمتع الحزب الشيوعي الصيني بدرجة عالية من الدعم الشعبي، لذلك لا يحتاج إلى اللجوء إلى استغلال الدين بصورة صارخة.

 

بدلا من ذلك، سوف تستمر في تبني أشكال مقبولة من التدين، كوسيلة لتعزيز مكانتها باعتبارها الحكم في القيم الأخلاقية والروحية للأمة، مثلما فعلت السلالات الإمبراطورية في الماضي.

 

بعيدا عن السماء

 

إذا أردنا تلخيص التطلعات الجماعية للشعب الصيني في كلمة واحدة، فستكون "السماء" (تيان)، وهو المفهوم الذي الأساسي لكيفية تصور الصينيين لمجتمع منظم بشكل جيد. حيث تعني تيان شكلا من أشكال العدالة والاحترام وتدل على وجود سلطة أعلى من أي حكومة.

 

ولكن التطلع إلى تيان لا يؤدي دائما إلى المعارضة السياسية. فطوال عقود من الحكم الشيوعي، كان في الصين معارضين، منهم شخصيات ملهمة مثل الحائز على جائزة نوبل للسلام ليو شياو بو. ولكن بشكل عام، لم يقدم هؤلاء النشطاء خلال سعيهم للحصول على الحقوق العالمية، ما يفيد المواطنين الصينيين العاديين. وينظر معظم الصينيين إلى النشطاء السياسيين باعبارهم أشخاصا طيبين ولكنهم غير واقعيين.

 

عندما يفكر المواطنون العاديون في التغيير السياسي، تكن أهدافهم ضيقة إلى حد ما: المزارعون يحتجون على الضرائب غير العادلة، أو سكان المدن يعارضون هدم منازلهم. وتكون دوافعهم شخصية ونادرا ما تكون جزءا من أيديولوجية شاملة أو توقا لتغيير النظام.

 

 

وتعتبر الرغبة الجديدة للتحول الروحي أعمق وأكثر تعقيدا من هذه التعبيرات من عدم الرضا. فلدى كل الحركات الدينية والروحية أهداف تتعلق بالمصلحة الذاتية، لكنها تقدم أيضا انتقادات منهجية للوضع الراهن. صحيح أن الإيمان يمكن أن يكون هروبا من السياسة، أو رحلة تطهرية من مجتمع فوضوي: "معظم الناس ليسوا جديرين بالثقة، ولكن على الأقل كنيستي / معبدي / مجتمع الحجاج الذي أنتمي إليه، ذاخر بالناس الطيبين". بيد أن الإيمان يمكن أيضا أن يلهم العمل الاجتماعي.

 

وليس من قبيل الصدفة أن يكون من بين محامي حقوق الإنسان الصينيين المحامين مجموعة من المسيحيين تعاني حاليا من القمع الشديد، أو أن يجد النشطاء الآخرين الإلهام في البوذية والطاوية.

 

وفي الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي، وثق الباحث ريتشارد مادسن في كتابه "بوذية الديمقراطية"، كيف لعبت الأعمال الخيرية البوذية والطاوية دولا مهما في تحول تايوان الديمقراطي. وليس من المتوقع أن يحدث في الصين شيئا من هذا القبيل، على المدى القريب.

 

وقد أوضح الحزب الشيوعي أنه لن يسمح بقيام المنظمات غير الحكومية؛ دينية أو علمانية. ويقتصر عمل الجماعات الدينية على تقديم الخدمات ـ مثل توفير الإغاثة في حالات الكوارث ـ وتمنع من متابعة أهداف أوسع نطاقا، مثل محاولة لإصلاح المجتمع. ولكن يتضح من النظرة التاريخية الأوسع نطاقا، أن التنظيمات الدينية تساعد وضع الأساس لتحول أوسع نطاقا.

 

وقد أصبحت الصين أكثر من قوة عظمى ضعيفة مهووسة بالسياسات الميركنتيلية. فهي بلد يشارك في الحوار العالمي حول كيفية استعادة التضامن والقيم، للمجتمعات التي جعلت الاقتصاد أساس معظم قراراتها. ولعل الهجوم الشرس على التقاليد الدينية الصينية على مدى العقود الماضية، ثم استبدال هذا النموذج بالرأسمالية الواضحة، وراء تصدر الصين قوي العالم الباحثة عن القيم. وهي تطلعات عالمية، حيث يعتقد الصينيون، مثل غيرهم في بقية أنحاء العالم، أن آمالهم معلقة على ما هو أكبر من حكومة أو قانون معين: يعتقدون أنها مؤيدة من السماء.

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان