رئيس التحرير: عادل صبري 05:58 مساءً | الجمعة 14 ديسمبر 2018 م | 05 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

فورين أفيرز: انشقاقات داعش لا تقل خطرا عن تماسكها

فورين أفيرز: انشقاقات داعش لا تقل خطرا عن تماسكها

صحافة أجنبية

عناصر من تنظيم داعش

فورين أفيرز: انشقاقات داعش لا تقل خطرا عن تماسكها

إكرام يوسف 02 فبراير 2017 04:58

يعتقد كثير من المراقبين أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سبيله للانهيار بعد الانتكاسات التي مُنِي بها في العراق وسوريا.

 

ففي الأسبوع الماضي فقط، أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي منطقة شرق الموصل "محررة بالكامل" من سيطرة التنظيم. ومن الواضح، أن الحملةالعسكرية التي تشنها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من ثلاث سنوات، ضد داعش، تحقق تقدما.

 

ففي عام 2016 وحده، قتل وأسر في العراق وسوريا، العديد من قادة داعش رفيعي المستوى، ومنيت الأحوال المالية للتنظيم بأضرار خطيرة، كما يواصل الانسحاب من الأراضي التي استولى عليها. ومن المتوقع أن يشهد التنظيم انهيارًا أكبر خلال السنوات القليلة المقبلة.

 

    ويرى محللون أن داعش قد تتبع في أحد مسارين: الأول، أن يعطي تفكك التنظيم وزنا أكبر للجماعة المركزية فيه. والاحتمال الثاني: أن تحذو حذو تنظيم القاعدة في العقد الأول من الألفية، وتتحطم بطريقة من شأنها أن تقلل من نفوذها الأساسي في العراق وسورية،  في الوقت الذي توفر الزخم لعملياتها في أماكن مثل أفغانستان وليبيا، وشبه جزيرة سيناء، واليمن.

 

     ويرى بعض المحللين، مثل كلينت واتس، إن حدوث انشقاق في داعش يمثل فوزا محتمل لجهود مكافحة الإرهاب، لا سيما إذا أدى إلى ما يسميه"المنافسة الإرهابية المدمرة" باعتبارها آلية تؤدي إلى تخريب فكر الجماعة ـ ضمنا ـ عن طريق دفع الأذرع التابعة لها إلى التركيز على المناطقية،والتخلي عن النواة المركزية.

 

    فيما يرى آخرون، مثل كولن كلارك وتشاد سيرينا، أن هذه الطريقة إشكالية، يحتمل أن تؤدي إلى ظهور جماعات أصغر حجما، ويحتمل أن تكون أكثر تطرفا مما يجعل الحرب الطويلة بالفعل تدوم فترة أطول..

 

 وربما يفيد في هذه الحالة تذكر مثال تنظيم القاعدة. ففي الفترة التي سبقت 9/11، كان القاعدة كيانا إرهابيا هرميا ومتماسكا نسبيا. ولكن في السنوات الخمس التالية تعهدت الولايات المتحدة بتدمير الجماعة، فتحول تنظيم القاعدة تدريجيا إلى أخطبوط قاتل، له أذرع تصل من شمال أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا. و في نهاية المطاف، تفرق مقاتلوه في جميع أنحاء العالم، حيث أنشأ بعضهم جماعات تشكل تحديات لوجستية وقانونية.

 

ومن المؤكد أن المركز، في أفغانستان وباكستان، صارضعيفا نسبيا، ولكن بدلا من أن تتعامل أجهزة مكافحة الإرهاب الأمريكية مع كيان متآلف واحد، صارت الآن تواجه الجماعات التابعة له في اندونيسيا والعراق ومالي واليمن وأماكن أخرى.

 

فضلا عن أن مسألة التفويض لاستخدام القوة العسكرية، صارت معقدة من الناحية القانونية، بسبب تحول تنظيم القاعدة  إلى مجموعات مختلفة، بعضها يرتبط بالمركز ارتباطا وثيقا،  والبعض الآخر يربطه به خيط رفيع فقط.


وغني عن القول، أنه سيمر  وقت طويل قبل أن يصبح المسار الذي تنتهجه داعش في المستقبل واضحا. ولكن الكاتبين تشارلي وينتر وكولين كلارك يؤكدان ـ في مقال نشرته مجلة فورين أفيرز ـ أن الجماعة لا ترغب في الاعلان عن هذا المسار.

المقياس الإعلامي


     وقام الباحثان بتحليل مجموعة من المواد الإعلامية والدعائية التي تطلقها داعش من حين لآخر من أجل الحصول على فكرة عن كيفية تأثير الانشقاقات على التنظيم.  وعبر دراسة المنتج الإعلامي، والمصدر، ونوعيته أمكن التعرف على دلائل تحول أساليبها الإعلامية من فترة لأخرى، ومدى سهولة تواصل الجماعة مع جمهورها.

 

كما تطرق بحثهما إلى بعض الحركات المتمردة الأخرى. والمعروف أن داعش ظلت لسنوات تغرق الإنترنت بمواد دعائية. وعلى الرغم من أن انتاجها الإعلامي يشهد انحسارا، أظهرتدراسة حديثة أجراها مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، أن قضية الإنتاجية الإجمالية أقل أهمية في هذا السياق من أهمية الأماكن التي يجري فيها إنتاج الرسائل.

 

ومع وضع الباحثين هذا في الاعتبار، والاعتماد على أرشيف شامل للدعاية الداعشية ـ تم جمعه على مدى الأشهر الستة الماضية ـقاما بفحص57 وحدة للإنتاج الإعلامي لداعش من أجل تقييم مستويات الصمت الإعلامي، مع ملاحظة أخر رسالة  أصدرتها وحدة معينة ونوع هذه الرسالة.فبرز اتجاه لا لبس فيه: الشعار الإعلامي لداعش آخذ في الانكماش! ففي الأشهر الأخيرة،  ضاق النطاق الجغرافي لوسائل إعلام داعش ، مع بلوغ مستويات الصمت الإعلامي أعلى مستوياتها عند هوامش هذا النطاق.

 

    وفي أوج نشاطها الإعلامي عام 2015،  كان ما لا يقل عن 40 مكتبا للدعاية تنتج موادا اعلامية. واعتبارا من منتصف يناير 2017، لا يوجد أكثر من 19 نافذة إعلامية. وفي هذه الأيام، ترتبط شارةالخلافة تماما تقريبا بالعراق وسوريا، وتبدو الفروع الإقليمية أكثر بعدا وانفصالا عن المركز.

 

وعلى الرغم من أن تحليل وسائل الاعلام أظهر أن أذرع الخارج لا تزال مهمة لداعش، فمن المؤكد  أن المجموعة الأساسية لم تعد تصدر تقارير عن نشاط البؤر التي احتلتها، مثلما كان الحال من قبل.

 

ومن المؤكد أن وكالة الأنباء الرسمية لداعش"آماق"، قامت ببعض عمل وسائل الإعلام الدولية، ولكن ما لا يمكن إنكاره أن أجهزة التنظيم في سوريا والعراق، التي تقدم تقريرا عن أعمال هذين الفرعين وحدهما،  تتحمل العبء الأكبر من إعلام التنظيم أكثر بكثير مما كان عليه الحال من قبل.

 

        ويشير الباحثان إلى أن إعلام التنظيم الذي، نصب من نفسه دولة الخلافة، كان أداؤه أفضل بكثير،  في تسويق داعش على أنها تمرد عابر  للدول، عامي 2014 و 2015.  فلم تعتمد أذرعه من غرب أفريقيا إلى جنوب آسيا، مشروعه الإرهابي فحسب، بل أنها تبنت أيضا أساليبه في الإدارة. وتم زرع الهياكل القانونية والقضائية، والتربوية، والدعائية للتنظيم ـ التي تم وضعها في سورية والعراق ـ في الخارج،بدرجات متفاوتة من التطوير.

 

واستطاعت داعش بواسطة وسائل إعلامها الرسمية  اكتساب الدعم في جميع أنحاء العالم ليوتوبيا السلفية الجهادية غير الواقعية، وطرحت صورة شاملة ومتسقة لما يجب أن تكون عليه الحياة. ومع ذلك، فمع انخفاض إنتاجها الإعلامي في الخارج، والسيطرة على خروجالمجندين من بلدانهم، انهار معدل التجنيد الدولي في صفوف التنظيم.

 

وعلى الرغم من المفاهيم السائدة، لم تكن دعاية داعش أبدا مجرد وسيلة لجذب المجندين من الخارج.ولكنها استخدمته الإجبار السكان المحليين  على الخضوع في المناطق التي استولت عليها. و بغض النظر عن مدى ضعف وجودها في أي إقليم، كان يمكنها دائما استخدام الدعاية لتأطير خلايا المتمردين باعتبارها مجتمعات مزدهرة، وتضخيم جاذبيتها الأيديولوجية، وبالتالي تقديم نفسها كمنظمة أكثر مرونة ونجاحا مما هي عليه في الواقع .

 

    فعلى سبيل المثال،  عندما تم كسر حصارها على كوبان في2015،  أبعدت  الجماعة ببساطة أنصارها الحقيقيين عن سوريا ووجهت انتباههم نحو ليبيا لإمدادهم بالزخم الذي كانوا يحتاجونه. ولم يهمها بالمرة إن ليبيا، لم تكن الملاذ الآمن الذي تم تصويره من خلال الدعاية، وقد خدع أنصار داعش واعتبروها حصنا مقدسا.

 

      ولا شك أن الاتصالات المنتظمة في الخارج كانت حاسمة، لنجاح هذه الجهود.وكان لابد من الاتصال اليومي بين المركز والاذرع التابعة، للتتنسيق بين الشعار المعلن وشكل الرسالة.

 

ولا يمكن أن تكون الدعاية عفوية - فيجب الإبقاء على الرواية المقدمة دائما، من دون اختلاف، الأمر الذي يتطلب المركزية. من خلال الحفاظ على هذه الاتصالات مستمرة في أواخر عام 2014 وحتى عام 2015، كان  التنظيم قادرا على استهداف المشاهدين على نحو متكرر بفكرته العالمية المتكررة بشكل مذهل.

 

والآن، على الرغم من الأمور مختلفة؛ فليس من المألوف في الوقت الراهن، أن تصادف دعاية تنهمر من أحد الأذرع التابعة للتنظيم في ليبيا، أواليمن، أو جنوب آسيا، مثلا.

 

  ويوضح الباحثان ان انكفاء دولة "الخلافة" على الداخل يمكن أن يكون مرتبطا بضعف إشراف المركز على الرسالة. ومع ذلك، لا  يعني أي من ذلك أن داعش قد تلاشت، فلم يتغير سوى جهة التهديد. فلم يختف أنصارها في الخارج، كما لم يتخلوا عن السلفية الجهادية. كل مافي الأمر أن مركز التنظيم ببساطة يركز على البقاء والنجاة مما هو فيه أكثر من التوسع.

 

    وبينما صارت داعش أقل تماسكا على الصعيد الدولي، يبدو أنها تتماسك بصورة أفضل في المناطق الأساسية: وبالتحديد العراق وسوريا. ويعتمد إعلامها في أغلبه، سواء كان موجها للقتال أو اليوتوبيا، على هاتين الدولتين. وهو ما يعني أن الأمور اذا بقيت على ماهي عليه، فسوف يأتي اليوم الذي تتنافس فيه الجماعات التابعة للتنظيم على إعلاء راية الخلافة الحقيقية.وعلى كل حال، سواء عن طريق الحظ أو القدر، فقد اختارت داعش نموذجا مختلفا عن نموذج تنظيم القاعدة، يسمحللجماعة أن تشهد انشقاقات، وتستمر في نفس الوقت على قيد الحياة. وهكذا، على الأقل على المستوى الأيديولوجي، يمكن ان يتحول مركز ثقل الخلافة، من دون تكلفة كبيرة.

 

مخاطر الانقسام

 

     يؤكد الباحثان أنه مع تركيز اهتمام داعش على الحفاظ على سمعتها الأيديولوجية،  يبدو من المنطقي أن يسعى التنظيم إلى إعادة  إرسال عناصره إلى بلدانهم الأصلية لتنفيذ هجمات. ومن شأن ذلك أن يرفع معنويات الجماعة ويضخم من حجم قدراتها الواهنة.

 

وكما كشف توماس هيجهامر الباحث في شئون الجماعات الجهادية، فإن المقاتلين الاجانب الذين يعودون إلى الوطن لشن هجمات يكونو أكثر فعالية بكثير من العناصر التي لم يسبق لها القتال. في الوقت الذي تعاني فيهالحكومات الأوروبية، عند إنفاذ القانون من عدد من العوائق، من بينها عدم تبادل المعلومات وضعف التعاون وبالتالي يصبحالتحدي اكثر صعوبة.

 

   والأكثر من ذلك،  إذا بدأت أذرع داعش في الخارج التنافس على النفوذ الأيديولوجي، من المحتمل أن يبدأ "المخططون الافتراضيون"، الذين يعتقد أنهم ينسقون الهجمات على الانترنت مع أنصارهم في جميع أنحاء العالم، في العمل من خارج منطقة العراق وسوريا.

 

وفي رسالة صوتية ترجع إلى مايو  2016، تنبأ أبو محمد العدناني قيادي داعش ـ المتوفى الان ـ بعودة المجموعة إلى حرب العصابات، مع استمرار خسارتها للأراضي. ومن شأن المخططين الافتراضيينالأكثر انتشارا المساعدة في تخفيف أثر تدهور القيادة والسيطرة المركزيةالذي قد ينجم عن انهيار التنظيم في العراق وسوريا. على الرغم من استبعاد هذا التوقع بالنسبة لداعش.

 

وينبه الباحثان إلى أن المجموعات المنشقة  يمكن أن يكون لها أهداف وأساليب عمل مختلفة عن المنظمة الأم، وسوف يكون على العالم تكييف استراتيجيات مكافحة الإرهاب لمعالجة هذه الاختلافات.

 

فمع الترحيب بانشقاقات داعش، باعتبارها  نتيجة للنجاح في مكافحة الإرهاب، يجب أن يواصل تحالف مناهضة داعش انتهاج استراتيجية متعددة الجوانب. فمن ناحية، ينبغي استهداف الخلايا المنشقة، بقوة من خلال الكشف عن العمليات ووقفها. ومن ناحية أخرى، لا يمكن اتباع هذا النهج على نحو منعزل؛ ولكن يجب أن يقترن به الجهود الرامية إلى تعزيز الحكم الرشيد والحد من الفساد في الدول الهشة ، مع بناء قدرات الشركاء من قوات الأمن في البلدان الأكثر تضررا.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان