رئيس التحرير: عادل صبري 09:52 صباحاً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية
 الطغاة الجدد

صحافة أجنبية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

عندما تحكم الشخصانية

الطغاة الجدد

إكرام يوسف 29 سبتمبر 2016 20:54

يوجد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كل مكان، على ما يبدو. حيث باتت وسائل الاعلام منشغلة بكل ما يخصه، من مواقفه الأخيرة في سوريا وأوكرانيا،  إلى التعديل المفاجئ كل فترة في دائرة المقربين منه في الكرملين.

وفي الوقت نفسه، حظيت إجراءات التطهير السياسي التي يتبعها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أعقاب انقلاب عسكري فاشل باهتمام متواصل. وحتى في الصين، النظام الذي يؤكد باستمرار على القيادة الجماعية، ووصفت وسائل الإعلام الرئيس شي جين بينج بأنه "رئيس كل شيء" بما يعكس نفوذه  المتعاظم على نحو يفوق نفوذ أي زعيم صيني منذ ماو تسي تونج.



صور الرئيس الصيني شي جين بينج

 

وبصرف النظر عن تفاصيل كل حالة على حدة. من الواضح أن هذه الأمثلة ترسم صورة مقلقة ـ حيث صارت الأنظمة التي ترتكز على شخص بعينه، تتصدر النظم السياسية في جميع أنحاء العالم. فإلى جانب الأمثلة المعروفة، يبدو أن القادة في كل مكان من بنجلاديش الى الاكوادور، والمجر، وبولندا يظهرون ميلا متزايدا نحو تركيز السلطة السياسية في أعلى قمتها.

 

وقد أعدت تيلور أندريا كندال مسئولة شئون روسيا وأوراسيا في مجلس الاستخبارات القومي، وهي شريك غير مقيم في مبادرة حقوق الإنسان في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية وأستاذ مساعد في العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية، ومعها إريكا فرنتز الأستاذ المساعد في ولاية ميتشجن، وجوزيف رايت الأستاذ المشارك في قسم العلوم السياسية في جامعة ولاية بنسلفانيا، دراسة عن الديكتاتوريين المعاصرين ـ نشرتها مجلة فورين أفيرز ـ أوضحت أن الظاهرة تتطلب أكثر من مجرد ملاحظتها.

وتشير البيانات إلى أن النزوع نحو الشخصانية آخذ في الارتفاع في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من انتشار ذلك الاتجاه على نطاق واسع، يبدو أكثر وضوحا في بيئة سلطوية.


كما أفادت بأن  الأنظمة الدكتاتورية الشخصانية أو الفردية ـ حيث تتركز السلطة بدرجة كبيرة في يدي فرد واحد، تتزايد  بصورة ملحوظ منذ نهاية الحرب الباردة. وفي عام 1988، شكلت الأنظمة الشخصانية 23 في المائة من جميع الديكتاتوريات. واليوم، يسيطر رجال أقوياء على 40 في المائة من جميع الأنظمة الاستبدادية.
 

ومن السهل أن نفترض أن كل الأنظمة الديكتاتورية تناسب نموذج الرجل القوي. ويعزز هذا التصور الحكايات الحية عن قادة سيئي السمعة وغريبي الأطوار من الزعيم الليبي معمر القذافي إلى جوزيف موبوتو في زائير.



ولكن الواقع الأكثر دقة يشير الى أن معظم الديكتاتوريات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يكن يديرها أفراد أقوياء، ولكن أحزاب سياسية قوية، مثل الحزب الثوري المؤسساتي في المكسيك، أو المجالس العسكرية، كما في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية في السبعينيات والثمانينيات. غير أن السياسة الاستبدادية تطورت، منذ نهاية الحرب الباردة، و على نحو مطرد، صارت الدكتاتوريات الشخصانية تمثل الشكل السائد للاستبداد.

 

ويرى معدو الدراسة أن ارتفاع معدلات الشخصانية يخلق عددا من التحديات للمصالح الخارجية للولايات المتحدة. وتوضح عدة بحوث في العلوم السياسية أن الديكتاتوريات الشخصانية تقدم أسوأ النتائج في أي نوع من النظام السياسي: حيث تميل إلى اتباع السياسات الخارجية الأكثر خطورة وعدوانية. كما أنها الأكثر ميلا للاستثمار في الأسلحة النووية، وخوض الحروب ضد الديمقراطيات، والأكثر احتمالا لبدء الصراعات بين الدول.


كما توضح السلوكيات المغامرة للرئيس العراقي السابق صدام حسين، أو عيدي أمين في أوغندا، وكيم يونج أون في كوريا الشمالية. ويسفر انعدام المساءلة في كثير من الأحيان عن القدرة على اتخاذ المخاطر التي لا يمكن ان تتحملها الأنظمة الديكتاتورية الأخرى.
 

وتعتبر الدراسة أن نموذج روسيا يؤكد العلاقة بين ارتفاع الشخصانية والعدوان. وعلى الرغم من أن تحركات بوتين في شبه جزيرة القرم وسوريا تهدف إلى تعزيز عدد من الأهداف الروسية الرئيسية، من المرجح أيضا أن اطمئنان بوتين لغياب القيود المحلية رفع مستوى الخطر الذي كان على استعداد لقبوله في سعيه لتحقيق تلك الأهداف.

وتضمن سيطرة بوتين المشددة على وسائل الإعلام أن الرأي العام الروسي لن يتلقى سوى الرواية الرسمية للأحداث الخارجية. ونظرا لمحدودية فرص الحصول على المعلومات الخارجية، يصعب على الروس للوصول إلى روايات غير متحيزة لما يجري في بقية العالم، وتقييم نجاح بوتين في الساحة السياسة الخارجية. كما ضمن بوتين عبر القضاء على الأصوات المنافسة داخل نظامه، أن يواجه الحد الأدنى من المساءلة عن سياسته الخارجية.
 

وفي السياسة الصينية، يظهر الكثير من هذه الاتجاهات. حيث يتزايد سلوك شي العدواني في بحر الصين الجنوبي مع زيادة حدة الشخصانية في النظام السياسي.

وتشير الأبحاث أيضا إلى أنه إذا واصل توطيد سيطرته، وتقييد حدود المساءلة بشكل خاص على السياسة العسكرية والخارجية، فقد لا يتردد في تصعيد خطابه العدواني وتحركاته العدوانية في بحر الصين الجنوبي.

ولا يقتصر الأمر على اتباع الديكتاتوريات شخصانية سياسات خارجية عدوانية، بل أنها تكون صعبة المراس، وتصرفاتها غير متوقعة، حتى بالنسبة لحلفائها. ويؤكد البحث أن ضعف القيود على صنع القرار ومحدوديتها، يجعل الديكتاتور الفرد عموما مستعدا لتغيير أرائه لمجرد نزوة، وطرح سياسات متقلبة وغير متسقة.

وعلاوة على ذلك، يعتبر القادة الديكتاتوريون ـ بوتين، الرئيس البوليفي ايفو موراليس والرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ـ من بين أكثر المستبدين تشككا في نوايا الولايات المتحدة، الذين يرون في خلق عدو خارجي وسيلة فعالة لتعزيز تأييد الراي العام المحلي لسياساتهم. ومن ثم يكون الخطاب المعادي للولايات المتحدة الأكثر وضوحا من بين سماتهم الشخصية.
 

و أخيرا، تعتبر الأنظمة الشخصانية الأكثر فسادا و تكاد تنعدم احتمالات تطبيق الديمقراطية فيها. وتعتمد ديكتاتوريات الرجل القوي، أكثر من أي نوع آخر من أنواع ، على توزيع الحوافز المالية للحفاظ على السلطة. ومن ثم، فقادتها الأكثر عرضة لتبديد المساعدات الخارجية التي يتلقونها.

فعلى سبيل المثال، سرق كل من فرديناند ماركوس في الفلبين، وموبوتو في زائير ما يقدر بنحو خمسة مليارات دولار عندما كان في السلطة. كما يعتبر ميل هذه الديكتاتوريات إلى تفكيك المؤسسات وتهميش الكفاءات خشية تهديدها لنفوذهم، نذير سوء على الديمقراطية. وعادة ما يفسح انهيار الأنظمة الشخصانية المجال لدكتاتوريات جديدة (كما في جمهورية الكونغو الديمقراطية بعد موبوتو) أو الدول الفاشلة (كما في الصومال منذ سياد بري).
 

ونظرا لتزايد الاضطرابات العالمية وغياب الأمان، تشير التوقعات السياسية إلى أن العالم من المرجح أن يشهد اضطرابات متزايدة على مدى السنوات العشر أو العشرين المقبلة ، ومع تزايد مستويات العنف، والتفاوت الاقتصادي، والاستقطاب، من المرجح أن يستمر الاتجاه نحو الشخصانية.

ويمكن أن يثير عدم الاستقرار رد فعل عنيف على نطاق واسع ضد القيم الديمقراطية الأساسية من حرية التعبير وتمكين الأفراد إذا كانت نسبة أكبرمن المواطنين في جميع أنحاء العالم سوف تعتبر وجود قادة أقوياء خيارا أفضل من التذبذب والفوضى. وفي الواقع، تشير الأبحاث، إلى أنه مع تنامي المخاوف إزاء التغيير المجتمعي والتهديدات الخارجية ، يزايد أيضا تفضيل القادة الأقوياء المستعدين لاستخدام القوة من أجل الحفاظ على النظام.
 

ولا يعتبر حكم الفرد ظاهرة جديدة. فقد كان سائدا خلال فترات طويلة من التاريخ، بداية من فراعنة مصر إلى ملوك أوروبا. وعلى الرغم من أن القرن الماضي شهد انتشار أشكال ديكتاتوية أكثر جماعية ، عادت ديكتاتورية الفرد بقوة منذ نهاية الحرب الباردة. الأمر الذي ينذر بالخطر بالنسبة لواضعي السياسات الامريكية والغربية. فلا توجد حلول سهلة لمشكلات الحكم الفردي. ولكن يبدو اكتساب فهم أفضل لهذا الاتجاه المتنامي وآثاره على السياسة الخارجية للولايات المتحدة أمرا ضروريا، تأخر الانتباه له من وجهة نظر معدي الدراسة.

 

اقرأ أيضا

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان