رئيس التحرير: عادل صبري 09:25 مساءً | الاثنين 15 أكتوبر 2018 م | 04 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

الانقلاب ربما يكون خيرًا لتركيا

الانقلاب ربما يكون خيرًا لتركيا

صحافة أجنبية

الانقلاب الفاشل قد يصب لصالح تركيا

فورين أفيرز

الانقلاب ربما يكون خيرًا لتركيا

إكرام يوسف 31 يوليو 2016 20:18

سارع المراقبون ـ بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا ـ إلى التباكي متوقعين أن تسرع حكومة رجب طيب أردوغان الخطى على طريق الاستبداد، والانجراف بعيدا عن حلف شمال الأطلسي، وربما تجد نفسها منغمسة في حرب أهلية لفترة طويلة.


وعلى الرغم من أنه لا يزال هناك العديد من الأسباب تدعو للقلق من أن تتجه تركيا نحو منعطف خاطئ، يرى سليم جان ساجاك، في مقال نشرته مجلة فورين أفيرز، أن هناك فرصة للأمل، إذا استغلتها القيادة السياسية في البلاد، ربما يمثل صيف 2016 قد يمثل نقطة تحول نحو الأفضل.
 

صعود أردوغان

كان الأتراك دائما يفخرون بتحقيق حلم كمال أتاتورك بإقامة مجتمع حديث ناهض، ولكن تركيا اليوم شيء آخر. وتصف أنقرة نفسها بأنها جسر بين الحضارات ولكنها لا تنتمي للشرق ولا للغرب. ويدافع الأتراك عن فكرة أن بلدهم عبارة عن فسيفساء ثقافية، ولكن الحكومة كتمت أصوات العديد من تلك الثقافات، حرفيا ومجازيا، للحفاظ على الحوار العام في تناسق رتيب.
 

ويعتبر الإحساس بغياب الأمن في أنقرة مفهوما إلى حد ما،  حيث تعيش تركيا في محيط مضطرب، وتطارد أشباح الإمبراطورية الذاكرة الجماعية للبلاد، كما أن جذور ثقافتها الديمقراطية ضحلة. فلم تشهد تركيا، قبل تأسيس الجمهورية في 1923، سوى 14 عاما من الديمقراطية البرلمانية.
 

ويرى الكاتب أن أنقرة لو كانت استغلت تلك المرحلة للبدء في بناء دولة ديمقراطية قوية، كان من الممكن أن تحل بعضا من هذه التوترات الاجتماعية في الساحة السياسية. لكنها بدلا من ذلك، كرست الاستبداد الذي حافظ على وحدة البلاد من خلال تدمير أي شيء يهدد بتمزيقها. ومن ثم، لم يتوحد الأتراك خلف الهوية المشتركة ولكن وحدتهم المظالم المشتركة ضد النظام.
 

وجاءت الإثارة في البداية، والسخط في نهاية المطاف، حول الصعود السياسي لأردوغان من حقيقة أنه ربما كان أول سياسي وعد علنا ​​بالقضاء على الفساد في أنقرة.  وتزامن ظهوره مع واحدة من أشهر الفضائح السياسية في تركيا.

ففي نوفمبر 1996، بعد انتخاب اردوغان رئيسا لبلدية اسطنبول بأقل من عامين، كشف حادث تحطم سيارة أن مسئولا بارزا في الشرطة، صدم رجلا وتبين أن مهرب مخدرات دوليا، وعضوا في البرلمان يقود ميليشيا موالية للحكومة كانوا يستقلون نفس السيارة. وكشفت الفضيحة عن شبكة سرية من المسئولين والساسة يعملون لتحقيق مصالحهم الخاصة.
 

وعلى الرغم من أنه لم يتم ابدا الكشف عن الحجم الحقيقي لهذه الدولة داخل الدولة، إلا أن الفضيحة أججت الغضب الشعبي ضد "الدولة العميقة" في تركيا مما ساعد إلى حد كبير في زيادة اسهم اردوغان سياسيا.
 

ومن جانبه، تعهد أردوغان بتطهر الحكومة أنقرة، ووضع حد لأساليبها المستترة، وبناء المستقبل الأوروبي لتركيا. وكان على أجندته السياسية أيضا فتح المجالات الحصرية، مثل العمل في القطاع العام، والتعليم العالي، وإيجاد أدوار في المؤسسات الاستثمارية والنخبة الفكرية، للمحافظين الدينيين. دورا مركزيا في تحقيق هذا الهدف. ورحب تابعي أردوغان، وكثير منهم يتعاطف مع أو ينتمي إلى هذه التيارات، بأن التدين لم يعد يعتبر عائقا في الحياة العامة.
 

غير أن المواطنين العلمانيين، اعتبروا تحركاته تمهيدا لاستيلاء التيار الديني على الجمهورية العلمانية. وذكروا أن أردوغان وصف ذات مرة الديمقراطية باعتبارها ترامما تستقله حتى وصولك إلى وجهتك، ثم تترجل عنه.
 

ولم يفعل أردوغان شيئا لتخفيف تلك المخاوف. والكلام للكاتب،  فهو شخص انتهازي مكنه التحول من موقف الى آخر بسرعة، ويمكن أن يكون تقدميا أوروبي المنحى في لحظة، أو معاديا للتنوع، في لحظة أخرى. واتفق في أوقات مختلفة، مع العلمانيين والديمقراطيين الاشتراكيين والليبراليين المؤيدين لأوروبا، وفي أوقات اخرى مع الإسلاميين المتشددين والقوميين الأكراد، أو مع الفاشيين من اليمين المتطرف.
 

وبالنظر الى رحلة أردوغان الشاقة نحو السلطة، ربما يكون مفهوما أن ما يدفعه غريزة البقاء، وليس الحنكة. وفي أعقاب وصوله للسلطة، كانت تركيا في وضع لا يساعد على حشد الناس معا، حتى من أجل لحظة مشتركة من الحزن أو انتصار.
 

تركيا الموحدة
 

ولكن الآن، ربما للمرة الأولى منذ عقود، توحدت تركيا في الغضب ضد الانقلاب الفاشل والعقل المدبر المزعوم: فتح الله جولن، رجل الدين المقيم في ولاية بنسلفانيا. ويعتقد أن حركة الإسلام الحديث بزعامة جولن، لديها الملايين من الأتباع في جميع أنحاء العالم وأرصدة تبلغ مليارات الدولارات. وكان حليفا قويا لاردوغان في سنواته الأولى.

واشتهرت حركة جولن في الخارج، بأنها تنتهج نهجا اسلاميا يبدو ليبراليا وعلمانيا. أما في داخل تركيا، ومع ذلك، فقد خلق ماضيها المظلم نفورا عميق الجذور. (في استطلاع عام 2014 الذي أجرته، مؤسسة متروبول لاستطلاع الراي، وبلغت نسبة تأييد جولن ثلاثة في المائة، ليأتي متأخرا حتى عن الزعيم الإرهابي الكردي عبد الله أوجلان.)

ولم تكن الحركة تحتمل النقد، فبعد اغتيال نجيب هابليميت أوغلو، الأستاذ بجامعة أنقرة في 2002 على سبيل المثال، اتهمت عائلته جولن، بالتورط في اغتياله وكشفت عن أنه كان يعمل على فضح حركة جولن وتلقى تهديدات بالقتل. ولا يزال الكتاب، الذي نشر بعد وفاته، من أكثر الأعمال مصداقية على الحركة. وظل لغز مقتله دون حل.

وفي 2011 اعتقل ايضا نديم سينر، الحائز على جائزة مؤسسة القلم في 2010، بعد نشر كتاب يفضح دور حركة جولن في محاكمات ايرجينيكون وباليوز التي فضحت مؤامرة الانقلاب . وكان سينر، الذي زعم أيضا مشاركة جولن في اغتيال للصحفي الأرمني هرانت دينك، عام 2007 ضمن العديد ممن تعرضوا الى محن مماثلة، ومنهم رئيس استخبارات الشرطة السابق حنفي اوجي والمحقق الصحفي أحمد سيك.
 

وقد أدت محاكمات ايرجينيكون وباليوز، التي وجهت الاتهام إلى تحالف من كبار ضباط الجيش وسماسرة السلطة العلمانية بالتآمر للإطاحة بالحكومة المنتخبة في البلاد، إلى طرد الآلاف من الضباط العلمانيين وجنرالات من الجيش. وكان العديد من الخبراء القانونيين والشرعيين يشككون في أدلة المحاكمة، وينظرون إليها على أنها عمل من أعمال الانتقام التي يقوم بها الإسلاميون في تركيا، بمن فيهم رئيس الوزراء، ضد قيادات الجيش، التي كانت تقوم بقمعهم في السابق . ورأى العديد من النقاد، أن جولن كان يدير هذه المحاكمات من وراء الكواليس.
 

وفي عام 2014، بعد صدور مجموعة من الأشرطة المسربة والتحقيقات التي طالت الدائرة المقربة من أردوغان، الذي انقلب على حليفه، وتبرأ من المحاكمات، التي وصفها أحد كبار مستشاري أردوغان، بأنها "مؤامرة ضد الجيش الوطني." وفي غضون بضعة أشهر، أفرج عن المتهمين، وانهارت القضية.
 

ويشير الكاتب إلى صعوبة معرفة دوافع أردوغان. غير أنه يبدو من الواضح أن المحاكمات مهدت الطريق لانقلاب تركيا الفاشل. فقد ترقى العديد من قادة هذا الانقلاب بفضل هذه المحاكمات. وفي الشهر الماضي، وجه متهم سابق في محاكمات ايرجينيكون الاتهام علنا لأكثر من عشرة جنرالات بأنهم شاركوا في المؤامرتين السابقتين، ومن ضمن الأسماء التي ذكرها عدد من المعتقلين حاليا لدورهم في محاولة الانقلاب الفاشلة.

 

فرصة ذهبية

ويرى ساجان ان اكثر ما يثير الاهتمام في محاولة الانقلاب الفاشل، أن أشد أعداء أردوغان ـ الجنرالات العلمانيين والمعارضة الديمقراطية  ساعدوا في إنقاذه من خيانة صديقه السابق جولن واتباعه الذين نشطوا في عهده.

وفي مؤتمر صحفي عقد مؤخرا، قدم نائب رئيس الوزراء محمد شيمشك تقييما صريحا لهذه المفارقة، قائلا "من الصحيح أن حركة جولن، تمتعت بحرية مطلقة في عهدنا خلال عهدنا، ونحن نقر بذلك" وأضاف "لماذا؟ لأنه لم يكن لدينا تجربة إدارة هذا البلد في الماضي. لم يكن لدينا الكثير من الناس الذين يعملون في الجهاز الحكومي التركي".
 

على الرغم من طبيعة شبكة جولن السرية، وهيكلها المعقد، وما لها من تاريخ طويل ومعقد يجعل من الصعب كشف حجم مشاركتها، إلا أن بعض الأدلة تشير بالفعل نحو جولن. وفي شهادت، قال رئيس هيئة الأركان العامة خلوصي عكار، الذي اختطف خلال محاولة الانقلاب، أن واحدا من قادة الانقلاب عرض أن يطلب جولن هاتفيا لكسب تأييده. كما اعترف العديد من الانقلابيين، بولائهم لجولن.
 

وهناك أدلة أخرى، فقد اعتقل قائد الشرطة الذي كان قد تم إقالته في إطار التحقيقات التعلقة بجولن في دبابة وهو يرتدي الزي العسكري المموه. وكان بحوذة عضو في فرقة القوات الخاصة التي اقتحمت فندق أردوغان، مذكرة مكتوبة بخط اليد بها أدعية دينية إلى "معالي هوتشا أفندي"، وهي التسمية التي يطلقها اتباع جولن عليه. وقد أظهر استطلاع للرأي أجري في تركيا مؤخرا أن ما يقرب من ثلثي الأتراك يعتقدون أن جولن كان وراء محاولة الانقلاب.
 

و لو كان الانقلاب حظي بدعم الجنرالات أو حشد المعارضة العلمانية وراءه، لكان من الممكن أن تنجح. فعلى الرغم من ازدراء جولن المعروف لأتاتورك، فقد استدعى تلاميذه واضحة كل الشعارات الكمالية . فدعا قادة الانقلاب الى "السلام في الوطن"، في اشارة الى شعار أتاتورك الشهير"السلام في الوطن والسلام في العالم."
 

وكانت الحكومة والمعارضة، قد تخلتا قبل الانقلاب، عن أبسط مظاهر حسن النية، مثل المصافحة علنا. غير انهما الآن، يتحدثان معا مرة أخرى. ففي البرلمان، استقبل رئيس الأركان العامة خلوصي عكار بحفاوة بالغة. وشكر رئيس الوزراء بن علي يلديريم علنا ​​جميع أحزاب المعارضة لوقفتها مع حكومته.

ونظم حزب المعارضة العلماني "حزب الشعب الجمهوري" مسيرة مؤيدة للديمقراطية في ساحة تقسيم في إسطنبول، التي كانت أغلقت في وجه التجمعات العامة بعد احتجاجات حديقة جيزي 2013 . وحضر الفعالية شخصيات رفيعة المستوي موالية للحكومة مثل وزير الصحة محمد موزين أوغلو وعمدة إسطنبول قدير توباس.
 

ويؤكد ساجان أن أنقرة لو نجحت في استغلال هذه النغمة التصالحية غير المعهودة، يمكن أن يصبح الانقلاب الفاشلة نعمة مقنعة. ومن الممكن ان يبدأ اردوغان ومعارضيه ـ بدلا من استغلال هذه الأزمة لتحقيق مكاسب سياسية ـ في استكشاف أرضية مشتركة بشأن القضايا المثيرة للجدل مثل خطط أردوغان للرئاسة، وارتفاع التهديدات الإرهابية من داعش وحزب العمال الكردستاني، وأزمة اللاجئين السوريين، وتزايد ضعف الاقتصاد .

 

ويوضح الكاتب أن تركيا دافعت عن ديمقراطيتها، وعليها الأن أن تعيد بنائها، بدءا من البرلمان القوي، ووسائل الإعلام الحرة والمحاكم المحايدة، والحوار العام الصحي الذي يشمل ويحترم كل مواطن. ويؤكد أن أردوغان إذا نجح في تحقيق هذا الانجاز، سيكتب لاسمه الخلود في تاريخ تركيا السياسي. وما لم يفعل، ذلك يمكن يمكن أن تتمزق تركيا إربا.
 

اقر أيضا

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان