رئيس التحرير: عادل صبري 06:26 مساءً | الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م | 12 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

السعودية وأمريكا .. المصالح تتحطم

 السعودية وأمريكا .. المصالح تتحطم

صحافة أجنبية

العلاقات بين الدولتين تحكمها المصالح

السعودية وأمريكا .. المصالح تتحطم

إكرام يوسف 09 يوليو 2016 20:02

تتعرض العلاقة بين الولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة لضغوط لم يسبق لها مثيل. 


فقد شكك باراك أوياما علنا في قيمة الرياض كحليف، متهما إياها بإثارة الصراع الطائفي في المنطقة، ووفقا لما ذكر جيفري جولدبرج في صحيفة أتلانتك؛ وقال أوباما، عندما سأله رئيس الوزراء الأسترالي مالكولم تيرنبول عما إذا كان يعتبر السعوديين أصدقاء أجاب "الأمر معقد".

ومازال العديد من الأمريكيين يعتقدون أن الحكومة السعودية كانت متورطة في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، رغم ان لجنة التحقيق في الأحداث لم تجد دليلا على دعم سعودي للإرهابيين سواء على المستوى المؤسسي أو مستوى كبار المسئولين.
 

بل أن مجلس الشيوخ أصدر قرارا يتيح للأمريكيين مقاضاة الحكومة السعودية في المحاكم الأمريكية بسبب مزاعم دعمها للإرهاب.


وتعطي تصريحات السعوديين في الآونة الأخيرة نفس الانطباع، فقد هدد مسئولون في المملكة ببيع أصول أمريكية بمئات المليارات من الدولارات إذا أقر الكونجرس مشروع القانون، رغم أن مثل هذه الخطوة ستضر المملكة العربية السعودية أكثر بكثير من إضرارها بالولايات المتحدة.

ولم يبذل السعوديون جهدا لإخفاء احتقارهم لأوباما، الذي يرونه على استعداد أيضا للتخلي عن الأصدقاء القدامى من أجل التقرب إلى الأعداء، واتهم الأمير تركي الفيصل ـ الرئيس السابق للاستخبارات الخارجية السعودية والسفير السابق لدى أمريكا ـ الولايات المتحدة "بالتخلي عن السعودية " لأنها "انحازت إلى إيران".

وأضاف الأمير أن السعوديين" سوف يواصلون التعامل مع الشعب الأمريكي كحليف "- ملمحا إلى أنهم لم يعودوا يعتبرون الرئيس الأمريكي الحالي حليفا.


وبدأت عدة ركائز للعلاقة بين البلدين، بنيت بعد الحرب العالمية الثانية، تتحطم فقد انتهت منذ فترة طويلة الحرب الباردة، التي وحدت بينهما ضد السوفييت.

ومع سقوط نظام صدام حسين في العراق، تلاشى خطر وقوع هجوم عسكري صريح على المملكة العربية السعودية أو جيرانها الأصغر في الخليج، ومع تصاعد إنتاج البترول الأمريكي المحلي انتعشت أحلام الاستقلال في مجال الطاقة الأمريكية.



ويقول جريجوري جوس، في تحليل للعلاقة بين البلدين نشرته مجلة "فورين أفيرز" مؤخرا، ان الانتقادات الأمريكيين للسعودية صارت أكثر جرأة مع تداعي أسس العلاقة بينهما، فهم يشيرون إلى أن الوهابية تتناقض مباشرة مع القيم الأمريكية، وان السعودية تقع قرب القاع على أي تقييم للديمقراطية، أو الحرية الدينية، أو حقوق الإنسان، وحقوق المرأة.  

ويعتبرون أن النظام السعودي، بصورته الملكية المطلقة، عفا عليه الزمن، ولن يعيش طويلا في عصر ديمقراطي. ويؤكدون على عدم وجود أولويات مشتركة تذكر بين السعودية والولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وبينما تسعى واشنطن إلى إقامة علاقة جديدة مع طهران، يتخوف السعوديون من تعرضهم لتطويق إيراني. كما رفضوا تخصيص موارد سعودية للإنفاق على الحرب ضد الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة، وبدلا من ذلك طالبوا الولايات المتحدة بدعم المغامرات العسكرية ضيقة الأفق في اليمن وأماكن أخرى.


ويميل الكاتب الى اعتبار العلاقة بين الدولتين ضرورية، تفرضها عوامل الواقع الحالي، وعمد إلى تفنيد الحجج التي يثيرها منتقدو استمرار التحالف بينهما، مؤكدا ان ما يثير استياء هؤلاء النقاد، أن كلا البلدين مازالا يعملان معا بشكل وثيق.

فقد ذهب أوباما إلى الرياض في ابريل لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي، حيث كرر التزامه بأمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى. وواصلت واشنطن بيع كميات كبيرة من الأسلحة إلى الرياض. وأيد السعوديون علنا، وإن كان على مضض، الاتفاق النووي مع إيران. ومازال تبادل المعلومات الاستخباراتية على قدم وساق.


وعلى الرغم من امتعاض النقاد، إلا أنه يعتبر هذا التعاون مفيدا للبلدين؛ فلدى الولايات المتحدة مصلحة حيوية في الحفاظ على علاقة حذرة ولكن وثيقة، مع المملكة العربية السعودية.

ومع انهيار السلطة السياسية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، تحتاج واشنطن علاقة جيدة مع واحدة من البلدان القليلة في المنطقة، التي يمكنها السيطرة على أراضيها وممارسة بعض النفوذ في المناطق التي لم يعد بها حكم حقيقي.

وعلى الرغم من أن الرؤى الاستراتيجية قد تختلف، إلا أن البلدين مازالا يتشاركان العديد من الأهداف. فكلاهما يعتبران داعش والقاعدة تهديدا مباشرا، ولا يريد أي منهما هيمنة إيرانية على المنطقة، بينما ترغبان في تحاشي أي اضطراب في إمدادات الطاقة الهائلة التي تتدفق عبر الخليج. وكلاهما ترغبان في رؤية حل تفاوضي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وما زالت العوامل التي توحد بين واشنطن والرياض أكثر من تلك التي تفرق بينهما.


التباعد التدريجي


وحدث التقارب بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية أعقاب الحرب العالمية الثانية، اول الحروب التي ظهر البترول فيها كسلعة استراتيجية. وشعر المخططون العسكريون الأمريكيون بالقلق حول إمكانية الوصول إلى ابترول في أي صراع مستقبلي. وكانت الشركات الأمريكية بدأت تطوير صناعة البترول السعودية.

وكان الحصول على الطاقة الرخيصة ضروري أيضا من أجل خطط الولايات المتحدة لإعادة بناء الاقتصادات المدمرة في أوروبا الغربية واليابان. ومن جانبهم، أدرك السعوديون أن القوة البريطانية، التي شكلت الشرق الأوسط ما بعد الحرب العالمية الأولى، تنحسر، وأن لديهم قواسم مشتركة مع واشنطن أكثر مما مع موسكو، في الحرب الباردة الناشئة.

وعلى الرغم من أن البلدين اختلفا بشكل حاد بشأن الصراع العربي-الإسرائيلي  (وكانت أكبر أزمة في العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية قبل هجمات 11/9 الحظر البترولي السعودي خلال حرب 1973) إلا أن المصالح الجيوسياسية والاقتصادية المشتركة كانت كافية للحفاظ على العلاقة، على الرغم من الخلافات.


ولكن الوضع تغير اليوم، وصارت أولويات كل منهما مختلفة. فتمثلت أولويات إدارة أوباما الأولى في المنطقة في دحر وتدمير الجماعات الجهادية، وعلى رأسها داعش والقاعدة. وربما لا تمثل هذه الجماعات تهديدا وجوديا للولايات المتحدة، لكنها تشكل خطرا فوريا على البلاد وحلفائها.
 

ويعتبر الحد من قدرة إيران على تطوير سلاح نووي،  الهدف الرئيسي الآخر لإدارة أوباما، وهو الهدف الذي حققه الاتفاق الأخير. بعد هذه الصفقة، تأمل واشنطن في إشراك طهران في الدبلوماسية الإقليمية، لا سيما بشأن سوريا، بل وربما تطبيع العلاقات بين البلدين. ويرى الكاتب أن أوباما يريد بشكل واضح التعاون مع ايران حتى وهو يسعى إلى الحد من نفوذها.


وتراجع اهتمام واشنطن كثيرا عن أهداف إقليمية أخرى. فمنذ تعثرت جهود الإدارة المبكرة لإطلاق عملية السلام الاسرائيلية-الفلسطينية، تراجعت القضية على أجندة الحكومة الأمريكية. وفيما يتعلق بسوريا، لم تفعل إدارة أوباما شيئا يذكر لتحقيق ما قاله الرئيس الأمريكي مرارا وتكرارا عن ضرورة تنحي بشار الأسد كجزء من تسوية للحرب الأهلية عن طريق التفاوض. 


ولم تقدم الولايات المتحدة دعما يذكر للمعارضة السورية، منذ أغسطس 2013، ومنذ تراجع أوباما عن إعلانه أن استخدام الأسلحة الكيميائية خط أحمر،  توقف التهديد بمهاجمة الأسد مباشرة، وصارت داعش، وليس نظام الأسد، بؤرة اهتمام واشنطن.


بينما تكاد أولويات المملكة العربية السعودية، تكون على  العكس من ذلك تماما،  ونادرا ما يحدد الملوك السعوديين أولويات السياسة الخارجية في خطاباتهم، أو يعلنون استراتيجيات الأمن القومي في مطبوعات. لكن تصرفات النظام توضح أن أولويته القصوى، تتمثل في دحر النفوذ الايراني في المنطقة.

وهكذا، يوجه السعوديون مواردهم المالية، والاستخبارات، والموارد الدبلوماسية في المقام الأول ضد ضد نظام الأسد، وليس داعش. وتحول اهتمام سلاح الجو السعودي، الذي انضم في البداية إلى حملة الولايات المتحدة ضد داعش في 2014، إلى المتمردين المدعومين من إيران في اليمن.


ويرى السعوديون جميع السياسات الاقليمية من خلال عدسة التحركات الإيرانية و ـ في لحظات أكثر صدقا ـ من خلال عدسة فشلهم  في مواجهة مثل هذه التحركات مبكرا.

وحتى قبل الربيع العربي، كان السعوديون يتبعون مسارا خاسرا؛ ففي العراق، الذي حال من قبل دون وصول الإيرانيين إلى العالم العربي، تزايد نفوذ طهران إلى مستويات غير مسبوقة بعد غزو 2003. وفي لبنان، بعد انسحاب القوات السورية في  2005، ساند السعوديون ائتلاف الأحزاب السياسية المعروف باسم قوى 14 آذار، ضد حزب الله الموالي  لإيران، ومختلف السياسيين المؤيدين لسوريا.

ولكن على الرغم من أن قوى 14 آذار فازت بالانتخابات البرلمانية لعامي 2005 و 2009، واصل حزب الله السيطرة على الحياة السياسية اللبنانية، وإدارة سياستها الخارجية وتحدي إرادة الحكومة. أما بالنسبة للأراضي الفلسطينية، فبعد فوز حماس في الانتخابات البرلمانية لعام 2006 هناك، رعى السعوديون صفقة بينها وبين السلطة الفلسطينية، ولكن الاتفاق سرعان ما انهار، بل وتقاربت حماس من إيران.


واثار الربيع العربي مخاوف الرياض من الحصار. عندما أطاح المتظاهرون الرئيس المصري حسني مبارك، فقد السعوديون واحدا من شركائهم المضمونين. وألقوا باللوم على الولايات المتحدة، لاعتبارها تخلت عن حليف مخلص. وتمثل رد فعلها  في  دعم الدول المحطة بها، وإرسال قوات إلى البحرين لدعم الأسرة الحاكمة السنية ضد انتفاضة شعبية قامت بها الغالبية الشيعية.

وعلى الرغم من أن لجنة تحقيق مستقلة برعاية الحكومة البحرينية لم تجد دليلا على تورط إيران المباشر في الاحتجاجات، واصل السعوديون إلقاء اللوم على طهران للتحريض على الاضطرابات بين الشيعة في دول الخليج، بما فيها المملكة العربية السعودية نفسها.

 

ويرى السعوديون في الانتفاضة السورية ضد الأسد أفضل فرصهم لتقويض مكاسب إيران الجيوسياسية. وعلى الرغم من عدم رضا الرياض عن الدور البارز الذي تلعبه داعش والقاعدة في الحرب الأهلية، إلا أنهم يعتبرون التخلص من الأسد الخطوة الأولى في تقليل جاذبية هؤلاء" المتطرفين "بين أهل السنة في سوريا وأماكن أخرى.

ويتشكك السعوديون أيضا في تقاعس إدارة أوباما عن دعمهم في هذا الصراع، على الرغم من إعلان أوباما من أن الأسد يجب أن يرحل، يتشكك كثير من السعوديين في صدقه، بل ـم البعض يتساءل عما إذا كان قد قرر سرا دعم ايران الشيعية ضد السنة حلفاء الولايات المتحدة التقليديين.

 

ويرجع التدخل السعودي في اليمن أيضا، إلى تخوفات السعوديين من إيران. فبعد انتفاضة الربيع العربي 2011 هناك، قادت المملكة العربية السعودية جهودا دبلوماسية ضمنت استقالة الرئيس علي عبد الله صالح وتشكيل حكومة وحدة وطنية. ثم، في 2014، استولت ميليشيا المتمردين الحوثيين المدعومين من الشيعة في شمال البلاد، على العاصمة صنعاء.

وعلى الرغم من أن الشيعة في اليمن ينتمون إلى الطائفة الزيدية، التي تمارس شكلا مختلفا من التشيع عما يعتنقه الإيرانيون، وهيمنة الهوية القبلية والإقليمية، وليس الطائفية، على السياسة اليمنية، اعتمد الحوثيون ـ الذين ظهروا في العقد الأول من هذا القرن ـ خطاب الثورة الإيرانية وتطلعوا إلى طهران للحصول على مساعدات. ويؤكد الكاتب إن إيران ـ بكل المقاييس ـ لم يكن لها أي دور في أصول الحركة، ولم يقدم لها الإيرانيون سوى دعم محدود فقط منذ ذلك الحين.

ومع ذلك، يرى السعوديون في نمو قوة الحوثيين في اليمن جزءًا من محاولة إيرانية للسيطرة على العالم العربي وتطويق المملكة. ويفسر هذا التصور شن السعودية غارات جوية، وارسال الإمارات ـ التي تسعى أيضا لاحتواء إيران ـ قوات عسكرية لوقف تقدم الحوثيين عندما كانوا بسبيلهم للاستيلاء على ميناء عدن مارس 2015.

 

وتغلف الفوضى في اليمن المصالح المشتركة والأولويات المختلفة التي تحدد العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية. فقد ركزت إدارة أوباما على محاربة تنظيم القاعدة وأطلقت هجمات الطائرات بدون طيار المتكررة ضد المتشددين في اليمن.

ولكن الحملة السعودية ضد الحوثيين فتحت أراضيها، لا سيما في جنوب اليمن، أما داعش والقاعدة لتعملا الآن بحرية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ليس بينها وبين الحوثيين نزاعا معينا، لكنها قدمت الدعم اللوجستي للحملة التي تقودها السعودية ضدهم. فقد تغلبت رغبة واشنطن في رأب الصدع مع الرياض بعد الاتفاق النووي الإيراني، والحفاظ على علاقات التعاون معها، على التوجس منها.

الأمر معقد

ويشير منتقدو السياسة الخارجية للولايات المتحدة  إلى مثل هذه التناقضات الاستراتيجية عندما يطالبون بالتخلي عن المملكة العربية السعودية حليفا. ولكن أقوى حججهم تتعلق بالدعم السعودي للوهابية الأصولي، أو التفسير السلفي للإسلام.

ويقول كريس ميرفي، عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي، في خطاب ألقاه يناير من هذا العام "على الرغم من أن داعش تعتبر انحرافا عن الإسلام، فإن بذور هذا الانحراف متجذرة إلى حد كبير، في تعاليم الوهابية. " ويطالب واشنطن بالوقف عن" إذعانها لتصدير التعصب الإسلامي من السعودية. "


ويعتبر محللون أن حجة ميرفي ضد المملكة لها ما يبررها؛ حيث تمثل الوهابية في الواقع التعصب، والمتزمت، وكراهية الأجانب، وقد أنفقت المملكة العربية السعودية مليارات الدولارات على الترويج لها منذ الطفرة النفطية منذ السبعينيات. فضلا عن أن داعش والقاعدة تشتركان في العديد من العناصر مع الفكر الوهابي، خاصة ما يتعلق بدور الإسلام في الحياة العامة.


غير أن ميرفي أغفل حقيقة أن المملكة العربية السعودية لم تسيطر على الحركة العالمية السلفية الوهابية منذ الثمانينيات، وأن الحركة حولت أنظارها منذ التسعينيات إلى النظام السعودي نفسه. فقد كانت السلفية التي بدأت المملكة العربية السعودية تصدرها إلى العالم الإسلامي في السبعينيات، من نفس النسخة التي يمارسها السعوديون في الداخل، سلبية سياسيا؛ تطالب المؤمنين بقبول حكامهم طالما أنهم مسلمون اسميا على الأقل.

وأثناء الجهاد ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان ـ الذي كانت تدعمه كل من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ـ  تحولت السلفية إلى حركة ثورية. ونشأت القاعدة، وكذلك داعش، من تلك الحركة غير أن الجماعتين تحتقران السعوديين، من ناحية بسبب علاقاتهم مع الولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى بسبب إدانة رجال الدين الرسميين السعوديين للجماعتين واتهامهما "بالانحراف" عن المسار صحيح.


ويعني ذلك، أن أي ضغط أمريكي على المملكة العربية السعودية لن يغير مسار السلفية الجهادية، حيث أنها مستقلة الأن عن السيطرة السعودية. صحيح أن بعض الشباب السعوديين، الذين نشأوا في ظل الوهابية المحافظة، انضموا إلى الجماعات الإرهابية. لكن السعودية ليست المورد الرئيسي للتجنيد لداعش اليوم.


ومن ثم، يرى محللون أن هذه الأسباب، توضح ضرورة العمل مع السعوديين لمحاربة داعش وتنظيم القاعدة، والمنظمات المماثلة. والمعروف أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية تتعاون بالفعل مع الرياض على نطاق واسع، ففي 2010، أحبطت الاستخبارات السعودية مؤامرة لإرسال متفجرات من اليمن إلى الولايات المتحدة عن طريق البريد.

وفي أغسطس الماضي، أدى التعاون بين وكالات الاستخبارات من لبنان، المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة إلى إلقاء القبض في بيروت على أحمد المغسل، المتهم بتدبير تفجير أبراج الخبر عام 1996 في المملكة العربية السعودية الذي قتل فيها 19 من افراد القوات الأمريكية. ولم يتم الإعلان عن العديد من النجاحات الأخرى.

وعلى الرغم من أن أفرادا سعوديين واصلوا إرسال الأموال إلى المنظمات الجهادية السلفية، يقول ديفيد كوهين، وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية حتى فبراير 2015 (حاليا نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية)، ان الحكومة السعودية هي "ملتزمة التزاما عميقا بضمان عدم وصول أي مبلغ من المال إلى داعش أو تنظيم القاعدة او جبهة النصرة.

 

وفي ساحة المعركة الأيديولوجية، تبدو  جهود  رجال الدين السعوديين لنزع الشرعية عن السلفية الجهادية تملقا للغربيين، نزرا لوجهات النظر الرجعية التي يعتنقها رجال الدين هؤلاء. لكن الهجوم على الفكرة الجهادية من داخل رجال الدين أفضل كثيرا من جهود الدعاية التي يقودها الغرب.

 

وجدت، لتبقى   


ويستشهد النقاد أيضا بارتفاع في إنتاج البترول الأمريكي كدليل على أن التحالف بين الولايات المتحدة والسعودية عاش اكثر من اللازم. لكن العلاقات بين البلدين لم تكن أبدا ترتبط بوصول الأمريكيين إلى الهيدروكربونات السعودية. ففي الواقع، عندما بدأت العلاقة في العقود الأولى من الحرب الباردة، لم تستورد الولايات المتحدة قطرة من بترول شبه الجزيرة العربية. ولكن أهمية بترول السعودية (وبقية المنطقة) للسوق العالمية، دعمت العلاقة.

ومازالت منطقة الخليج  تنتج نحو 30 في المائة من بترول في العالم، وتستأثر المملكة بأكثر من ثلث هذا الناتج. ومن ثم، فإن الاضطرابات في الخليج يتردد صداها في جميع أنحاء العالم.

 

ولمعرفة مدى أهمية وجود الدور السياسي الذي مازالت السعودية تلعبه في السوق العالمية، علينا فقط أن نسأل منتجي البترول الصخري في نورث داكوتا وتكساس عن تأثيرالانهيار الأخير في الأسعار العالمية على أعمالهم. فعلى الرغم من أن انهيار كان إلى حد كبير نتيجة زيادة المعروض الناجمة عن أعمال الحفر نفسها، لعب قرار السعودية عدم خفض انتاجها استجابة لتلك الزيادة دورا كبيرا أيضا.

فلا يوجد بلد آخر يمتلك هذا القدر من النفوذ في السوق العالمي للبترول، وهو سبب آخر يفسر استمرار حاجة واشنطن إلى الرياض.


ونأتي الى الحجة الأخيرة التي يرفعها، منتقدو التحالف الأمريكي السعودي، وتتعلق بهشاشة النظام السعودي نفسه، مما يجعل الرياض اضعف من أن تكون شريكا موثوقا به على المدى الطويل، حيث يتوقع محللون انهيار نظام ال سعود في وقت قريب بسبب التوترات داخل الأسرة الحاكمة واضطرابات أسعار البترول، والأزمات الإقليمية.


وليس هناك شك في أن المملكة العربية السعودية تواجه بعض المشاكل الخطيرة. أولها، أن البلد لا يزال يعتمد تماما على البترول في الوقت الذي تحطمت فيه الأسعار. غير أن هذه الحجة تتجاهل احتياطيات نقدية كبيرة في الرياض تبلغ أكثر من 550 مليار دولار، ساعدت الحكومة على تحمل الأزمات حتى الآن.


ويقول الكاتب أن أسعار البترول اذا واصلت الانخفاض مع استقرار معدل انفاق المال في المملكة تحافظ عند مستواه الحالي، يمكن أن تستمر هذه الاحتياطيات لمدة حوالي خمس سنوات. ومع ذلك، فالواقع أن المملكة لا تواجه أزمة مالية فورية، ويمكنها أن تقترض بسهولة بضمان احتياطياتها البترولية.


فعندما انهارت أسعار البترول في الثمانينيات، حافظ السعوديون على استقرار مستوى العجز في الميزانية لأكثر من 20 عاما، عبر اللجوء إلى احتياطياتهم المالية، والاقتراض محليا، وإلى حد أقل، من الأسواق الدولية.
 


وبحلول نهاية التسعينيات، كان الدين العام السعودي ارتفع إلى أكثر من 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أما اليوم، فقد تراجع إلى أقل من عشرة في المائة. ومن ثم، فم يكون الخطر قريبا، لكنه ليس ماثلا.



ويعترف الكاتب بأن النظام الملكي يمر بمنعطف حاد من منعطفات انتقال القيادة التي استمرت منذ عام 1953، في أيدي أبناء الملك عبد العزيز بن سعود مؤسس المملكة. ولكن الملك الحالي، سلمان ( 80 سنة) سيكون آخر عاهل من هذا الجيل. لسنوات، وتدور التكهنات منذ سنوات حول الكيفية التي سيتم بها نقل القيادة الى الجيل القادم.


وللاجابة على هذا السؤال، وضع الملك سلمان قوة هائلة في يد ابن أخيه الأمير محمد بن نايف وابنه الأمير محمد بن سلمان.
 


والأول، سياسي سعودي مخضرم في منتصف الخمسينيات، بينما يعتبر الثاني جديدا نسبيا على الساحة السياسية. ورغم ان محمد بن سلمان يبلغ 30 عاما فقط، فقد صار مسئولا  ليس فقط عن وزارة الدفاع ولكن أيضا عن السياسة الاقتصادية والبترولية، مما يجعل منه الشخص الثاني الأكثر نفوذا في البلاد.
 

ولم يتردد محمد بن سلمان في استغلال هظه السلطة، فأعلن عن خطط  لخصخصة جزء من شركة أرامكو السعودية الحكومية، وجعل من نفسه الوجه العلني لحملة المملكة في اليمن، وكشف النقاب مؤخرا عن خطة طموحة، "الرؤية السعودية 2030" للحد من اعتماد البلاد على البترول.

واتخذ السعوديون بعض التحركات الأولية لتنفيذ الخطة ـ عبر تخفيض دعم استخدام المياه والكهرباء، وأقال سلمان في مايو الماضي وزير البترول الذين ظل سنوات طويلة في الوزراة، واعاد تنظيم عدد من الدوائر الحكومية ـ ولكن يبقى من غير الواضح ما إذا كانوا سيحققون كل هذه الأهداف الطموحة.


وقد سبب قرار سلمان تركيز السلطة في أيدي اثنين فقط من أفراد الأسرة تذمرا بين أبناء العمومة، الذين كانوا  يتوقعون وراثة بعض ما كان لآبائهم من نفوذ، وفقا للتقاليد التوافقية القديمة. وأسفر هذا التذمر عن ظهور الكثير من الشائعات، ولكن لم تظهر حتى الأن، أي دلائل على وجود عداء خطير.

ولا يماثل التنافس اليوم ما حدث  أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، عندما تنازع الملك سعود وولي العهد الأمير فيصل السلطة علنا، مما أدى إلى تغييرات كثيرة في كبار المسؤولين وابعاد أمراء كبار عن البلاد فترة طويلة، ونشر وحدات عسكرية موالية لأمراء مختلفين، وتدخل المؤسسة الدينية في سياسة الأسرة.


وذكر الكاتب بأن العديد من المراقبين في الشرق الأوسط، وقتها ـ كما هو الحال الآن، تقعوا أن هذا الصراع سوف يعني نهاية النظام السعودي. ومع ذلك، استمر النظام حتى الأن،  ومن المحتمل أن يستمر كذلك لبعض الوقت.

 

أصدقاء مع تبادل المكاسب


ولن تجد علاقة واشنطن مع الرياض الكثير من المدافعين المتحمسين في الولايات المتحدة؛ نظرا لانتهاكات حقوق الإنسان في السعودية، وتعزيز الأصولية الدينية، وهواجسها تجاه إيران، ورفضها التركيز على محاربة أعداء الولايات المتحدة.


غير أن التعاون الاستخباراتي ضد الجماعات الجهادية السلفية، اثبت فائدته لكل من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، وعلى نحو خاص، نجحت الجهود المبذولة للحد من الموارد المالية المتاحة للإرهابيين.
 

وفي مجال الطاقة، سوف لا يعني استمرار العلاقة أن  يفعل السعوديون دائما ما تريد واشنطن، عندما يتعلق الأمر بتعديل مستويات الإنتاج، ولكن ذلك لا يعني أنهم سوف يستمعون على الأقل إلى حجج الولايات المتحدة.

ثم، هناك عشرات الآلاف من السعوديين المتعلمين في الولايات المتحدة، وكثير منهم يعملون لتحقيق الإصلاح التدريجي، ويرغبون في الحفاظ على علاقة قوية مع الولايات المتحدة. وإذا بدأت واشنطن التباعد عن المملكة، سوف يعني ذلك ضربة قاصمة لهذه الفئة المؤثرة.


الأهم من ذلك أن على الولايات المتحدة ألا تنأى بنفسها عن واحدة من الدول العربية القليلة، التي لا تزال قادرة على حكم نفسها والتأثير على الأحداث في المنطقة. فلا شك أن جذور الأزمات في الشرق الأوسط، تكمن اليوم في الدول الضعيفة والفاشلة.

فقد خلقت الفراغات السياسية من ليبيا إلى العراق وسوريا إلى اليمن، الحروب الأهلية، وجرت إليها القوى الإقليمية، ووفرت الملاذات الآمنة للإرهابيين والمتطرفين.


وفي هذا السياق، تعتبر مبادرات إدارة أوباما تجاه إيران منطقية من الناحية الجيوسياسية. حيث تحكم إيران أراضيها بصورة فعالة إلى حد ما، وتمتلك نفوذا في العديد من تلك الحروب الأهلية. كما ان طهران جهة ذات حيثية معروفة على العكس من داعش وتنظيم القاعدة، تمكن الأمريكيين من التحدث الى الايرانيين والتعامل معهم باستخدام أدوات دبلوماسية طبيعية: الحوافز والروادع، والعصا والجزرة، وهو ما أدى إلى الاتفاق النووي.


وينطبق الشيء نفسه ينطبق على المملكة العربية السعودية؛ التي تحافظ على الاستقرار الداخلي النسبي في منطقة تسودها الفوضى، وتساعد على تشكيل المعارك السياسية التي تحدد مستقبل المنطقة.

غير أن الرياض، على العكس من طهران، تشارك  الولايات المتحدة، بعض أهداف السياسة الخارجية، كما أنها اكثر رغبة في التعاون. فعلى واشنطن ان تحافظ على العالاقة معها الأن مع الاعتراف بحدودها. فلن تتفي الخلافات في الولويات بين البلدين قريبا.

وربما لا يتخذ الرئيس الأمريكي القادم إجراءات أقوى ضد نظام الأسد ولا شك أن سيركز على محاربة داعش والقاعدة اكثر التركيز أكثر من إيران وحلفائها. ولكن تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية لن يحتاج سوى إدارة أفضل.

ويرى الكاتب ان على واشنطن التأكيد على أهمية العلاقات الأمنية ورعاية التعاون اليومي حول القضايا المهمة مثل مكافحة الإرهاب، وتشجيع نوع من المصارحة، من كلا الجانبين، حول الأهداف المختلفة، بحيث لا تقع مفاجأة أخرى. حيث ان تراجع أوباما عن فكرة الخط الأحمر في سوريا أثار قلق السعوديين كثيرا لأن التراجع كان مفاجئا تماما.


وفي اليمن، ويمكن أن تستخدم الولايات المتحدة تأثيرها على المملكة  لمساعدتها في العثور على مخرج. وقد زار وفد الحوثيين الرياض في أبريل 2016، مما يشير إلى أن السعوديين لا يعارضون الوصول لحل سياسي للأزمة.

 

وسيكون الاتفاق على تشكيل حكومة مقبولة من الطرفين في صنعاء يحد من القدرة العسكرية للحوثيين ويحصرها قي قاعدتها الطبيعية في شمال اليمن، تحسنا بالمقارنة مع الوضع الحالي. وقد تسمح أيضا الحكومة اليمنية الجديدة بمنع وجود داعش وتنظيم القاعدة في البلاد.

وهناك علامات مشجعة على أن السعوديين والإماراتيين يركزون الآن بعض جهودهم العسكرية في اليمن ضد القاعدة.


ولا يزال السعوديون بحاجة إلى الأسلحة الأمريكية والتدريب العسكري. ويرى الكاتب أن على أمريكا تقديم هذه المساعدات، ولكن بطريقة تدفع السعوديين نحو علاقة أكثر ملاءمة مع الحكومة العراقية.

رغم أن السعودية أعادت مؤخرا سفارتها في بغداد، فقد رفضن تقديم دعم سياسي أودبلوماسي، أو مالي ملموس لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الذي يعتمد في جهوده لبناء حكومة عراقية على إيران.

ومن شأن تغيير التعامل السعودي أن يؤتي ثماره على المدى الطويل، سواء في مكافحة داعش، أو الحد من العداء بين العراقيين السنة والحكومة المركزية. وبذلك تستفيد الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وتخسر ايران تخسر نفوذها الحصري في بغداد.

 

كما يحذر جوس واشنطن من تشجيع السعوديين على "اقتسام"  المنطقة مع إيران، مثلما أشار أوباما، لأان السعوديين سوف يفسرون أي جهود أمريكية للتوسط بين الرياض وطهران، أو حتى أي دعوات للمملكة العربية السعودية كي تتوصل إلى اتفاق مع إيران، على أنها محاولة لتعزيز المكاسب الإيرانية على حساب السعوديين وحلفائهم.
 

ودعا واشنطن إلى مواصلة الجهود الحذرة لتحسين علاقاتها مع طهران. ورأة ان القيادات السعودية العليا تتسم بالواقعية وسوف يتكيفون مع الأمر من تلقاء أنفسهم. فضلا عن أن وانهيار أسعار البترول سوف يدفع كلا من الرياض وطهران إلى طاولة المفاوضات في العام المقبل، أكثر من أي جهد يمكن ان تفعله أو تقوله واشنطن.

 
اقرأ أيضا 
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان