رئيس التحرير: عادل صبري 05:47 مساءً | الأربعاء 19 ديسمبر 2018 م | 10 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

"البدون" في الخليج.. جزر القمر ليست حلا

البدون في الخليج.. جزر القمر ليست حلا

صحافة أجنبية

حواز سفر إماراتي

"البدون" في الخليج.. جزر القمر ليست حلا

إكرام يوسف 06 يوليو 2016 09:05

في العام الماضي، تسلمت سميرة (19عاما) من حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، جواز سفر جزر القمر، وتم منحها مهلة ١١ شهرا لمغادرة البلاد. على الرغم من أنها ولدت ونشأت في دبي واعتنقت تماما ثقافتها، كما انها لم تكن ترغب في أن تصبح الجزر الاستوائية وطنا لها، فلا يوجد لها جذور عائلية هنا، لكنها لا تملك خيارا أخر، لأنها ليست حتى من مواطني دولة الإمارات ، ولا يمكنها تحدي الحكومة، التي تدفع أموالا لجزر القمر الفقيرة، كي تخفف عنها عبء "البدون" عديمي الجنسية.

 

أصبحت سميرة من البدون نتيجة لسياسات دولة الإمارات العربية المتحدة بخصوص المولودين على أرضها؛ فقد جاءت والدتها الى دبي من الهند للعمل في المنازل، ولكنها حملت بها بعد اغتصابها من مخدومها، الذي أنكر بنوة الطفلة. والقت الشرطة القبض على الأم وعوقبت بالسجن لمدة عام بعد الولادة، انتهى بترحيلها إلى الهند. ونظرا لأن المواطنة تكتسب من الأب في كل من الهند (وقت ولادة سميرة) والإمارات العربية المتحدة، التي لا تعترف بحق المواطنة المكتسب بالميلاد، ولم تستطع الأم الحصول على جواز سفر لسميرة لاصطحابها معها إلى الهند، اضطرت الى ترك الطفلة وراءها.

 

وتقول برديس مهدوي في تقرير لمجلة فورين افيرز من دبي، ان حارسة بالسجن كانت قد عقدت صداقة مع والدة سميرة نجحت في ارسالها الى احد أفراد اسرة الشيخ زايد بن سلطان الرئيس السابق لدولة الإمارات، حيث كان يتم ارسال نحو ثلث أطفال الملاجئ لتلقي التربية في قصور الأسرة الحاكمة، ويتم توفير التعليم والغذاء والإقامة والدعم كشكل من اشكال العمل الخيري الإسلامي، ويعرف هؤلاء الأطفال باسم "أطفال الأمير". وتشير مهدوي الى انه ليس من المعروف الأن ما اذ كانت علاقات سميرة حمتها من الترحيل، أم انها وصلت بالفعل الى جزر القمر.

 

وكانت مهدوي قد وثقت في كتاب سابق لها قصص "البدون" في شبه الجزيرة العربية، التي تضم بعض الدول الأكثر استقبالا للهجرة في العالم. غير أن دول الخليج، ترفض منح حقوق المواطنة والرعاية، حتى لأولئك الذين ولدوا داخل حدودها.

 

وخلال السنوات العشر الماضية، شهدت منطقة الخليج تدفق نساء من أسيا وأفريقيا للعمل كخادمات في المنازل، او مربيات أطفال، او متخصصات في تجميل، وغيرها من الخدمات. ولما كان معظم النساء اللواتي يفدن الى الخليج ، اغلبهن في ذروة سنوات الخصوبة النسائية، وربما يمضين خمس او عشر سنوات في البلد المضيف، يصعب الالتزام بقواعد التعاقد تماما، وعلى الرغم من ان بعضهن ينخرطن في علاقات اختيارية، هناك أخريات يتعرضن للاغتصاب من مخدوميهن.؛ وغالباما تعاقب المرأة وحدها لمخالفتهاقواعد الكفالة، او الشريعة.

 

ونتيجة لذلك، صار شائعا أن تلد النساء مثيلات والدة سميرة في السجن، ثم يرسل المواليد إلى الملاجئ قبل ترحيل الأمهات، بصرف النظر عن ان الجنسية في الإمارات وفي عدد من البلدان التي تنتمي لها هؤلاء الأمهات تسمح بانتقال الجنسية عبر الأب. ولكن إذا لم يتم الاعتراف بالطفل ـ وهو ما يحدث غالبا، لأن المعترف بالبنوة سيواجه عقوبة الزنا ـ يصبح الطفل بلا جنسية، وهو حال المئات، وأحيانا الألاف من الأطفال الذين خلفتهن وراءهن امهاتهن من بنجلاديش والهند ونيبال وباكستان وسريلانكا، جميعها بلدان تكتسب فيها الجنسية عبر الأب.

 

ولا تقتصر مأسي انعدام الجنسية على أطفال أنجبتهن وافدات عن غير الطريق الشرعي فحسب، فهناك ما يزيد عن مائة ألف شخص في الكويت يعرفون باسم "البدون"، لا يحملون جنسية اما بسبب أخطاء بيروقراطية، حدثت وقت تحول الكويت إلى دولة عام ١٩٦١ (ولم يسجل بعضهم اسمه كمواطن) أو بسبب التمييز القديم بين أولئك الذين كانوا في السابق مواطني بلدان مجاورة، لكن الكويت ضمتهم بعد تغيير الحدود.

 

أما رانيا (٢١عاما) فقد ولدت في مدينة الكويت لأم خادمة من إثيوبيا، ربما تم ترحيلها عقب الولادة، وامضت الفتاة عمرها في ملجأ بضواحي المدينة، ولكن باعتبارها من "البدون" لم تستطع العثور على عمل، أو استئجار شقة، رغم انها مازالت تعتبر الكويت وطنها، وقد صدمت عندما تلقت جواز سفر جزر القمر الشهر الماضي، وأبلغت بضرورة المغادرةال عام واحد. وتقول رانيا "هذا ظلم بالغ. لم أستطع الذهاب مع والدتي الى موطنها، والأن لا استطيع البقاء في المكان الذي اعتبره وطني!".

 

وتقول كاتبة المقال إن سميرة ورانيا جزءا من صفقات عقدتها كل من الإمارات والكويت، مع جزر القمر في ٢٠٠٨ و ٢٠١٦ . ففي مقابل شق طرق وتقديم مساعدات لتنمية للجزيرة التي تعاني من الفقر، تشتري الإمارات والكويت المواطنة للمقيمين لديهما بلا أوراق ثبوتية. وفي البداية، كانت هذه الاتفاقات تقتصر على اصدار جوازات سفر لهؤلاء المقيمين، من دون اشتراط مغادرتهم للخليج. غير انه صار واضحا في الشهور الأخيرة، أن عددا متزايدا منهم سوف يضطر الى الرحيل الى جزء القمر. وعلى الرغم من ان السياسة الرسمية مازالت غير واضحة، يقول بعض المسئولين ان جزر القمر بدأت تطالب بانتقال هؤلاء المواطنين الجدد إليها، بينما يعتقد أخرون ان دول الخليج ترغب ببساطة في التخلص من السكان معدومي الجنسية.

 

غير أن النشطاء يدينون هذه الممارسة، ويربطونها بالعبودية. وكما ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "للجميع الحق في الحصول على جنسية" و"لا يجوز حرمان شخص من جنسيته قسرا، او حرمانه من الحق في تغيير جنسيته" كما احتج مواطنو جزر القمر أيضا، لشعورهم ان الحكومة تقوم ببيع "روح" أمتهم، بينما يرى السكان في الخليج أن هذا الحل فشل في معالجة قضية البدون الشائكة.

 

ومن ناحية أخرى، أصدرت الفلبين، التي يسافر العديد من مواطنيها للعمل في الخليج قانونا عام ١٩٨٧ يتيح لمواطنيها اكتساب الجنسية عبر كل من الأب والأم، وهو ما أتاح للفلبينيات اصطحاب اطفالهن عندما يضطررن للرحيل. كما توفر السفارة الفلبينية في كل من الإمارات والكويت ملاذا للأطفال عند سجن امهاتهم او محاكمتهن بتهمة الزنا، وتؤمن اصدار جوازات سفر لهؤلاء المواطنين الجدد.

 

وبدلا من ترحيل المشكلات إلى جزر القمر، تقترح مهدوي على دول الخليج، التفاوض على الاقل مع الدول المرسلة للعمالة بشأن سبل نقل المواطنين، أو تشجيعها على ان تحذو حذو الفلبين، كبداية. وتتوقع صعوبة استمرار سياسة ترحيل السكان عديمي الجنسية طويلا، وترى ان مواطني جزر القمر سوف يدركون ذات يوم انها صفقة سيئة؛ فدول الخليج تضم نحو مليون مواطن بلا جنسية، بينما لا يزيد عدد سكان جزر القمر عن ٣٧٠ الف مواطن، وهي غير مهيأة للتعامل مع زيادة ضخمة في عدد السكان، وتؤكد ان بلدان الخليج ستجد نفسها في المربع رقم واحدة مرة أخرى في غضون سنوات.

 

اقرأ أيضا:-

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان