رئيس التحرير: عادل صبري 06:54 مساءً | الاثنين 17 ديسمبر 2018 م | 08 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

هكذا تطور حزب النهضة في تونس

هكذا تطور حزب النهضة في تونس

صحافة أجنبية

راشد الغنوشي رئيس حزب النهضة

من الإسلام السياسي إلى الديمقراطية الإسلامية

هكذا تطور حزب النهضة في تونس

إكرام يوسف 12 يونيو 2016 20:41

" البلد الصغير الذي فجر الربيع العربي، هو الوحيد الذي لا يزال على طريق التعرف إلى الديمقراطية"، بحسب  سارة فوير الباحثة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، متحدثة عن مراحل تطور حزب النهضة التونس.


وأضافت في مقال نشرته مجلة فورين أفيرز : "جزء كبير من الفضل في ذلك إلى الطبيعة التصالحية لحزب النهضة"

ورأت سارة فوير  أن الحزب ذا الجذور في جماعة الإخوان المسلمين، ميز نفسه عن جماعات الإخوان الأخرى عن طريق تقديم تنازلات في لحظات مهمة إلى معارضيه العلمانيين بغرض الحفاظ على الاستقرار. بل ووصل به الأمر إلى التنازل عن السلطة السياسية لحكومة تكنوقراط في انتخابات حرة ونزيهة. فيما تراه خطوة غير مسبوقة لحزب إسلامي، ربما يصنع التاريخ مرة أخرى الأن.

 

وفي أواخر مايو، عقد أكثر من ألف عضو من حزب النهضة المؤتمر العاشر للحزب؛ حيث ناقش المندوبون وصوتوا على سبعة من الإجراءات الداخلية للحزب.

و يمكن القول إن أهم نتائج المؤتمر، اعتماد اقتراح للفصل بين أنشطة النهضة السياسية والدينية. الأمر الذي احتل عناوين صحف العالم. وقبيل التصويت الحاسم، أصدر زعيم النهضة راشد الغنوشي (الذي أعاد الحزب انتخابه رئيسا) سلسلة من التصريحات تشير إلى أنه من المفترض أن يتجاوز حزب النهضة مرحلة "الإسلام السياسي" ليتبني "الديمقراطية الإسلامية ."
 

وصارت التصريحات ونتيجة الاقتراع محل تفسيرات مختلفة، بداية من كونها خروجا جذريا عن الحركة الإسلامية، ونهاية للإسلام السياسي في تونس، إلى اعتبارها حيلة ذكية تهدف إلى تهدئة المخاوف الغربية بينما تنتهج النهضة نهجا طويل الأجل يتمثل في إقامة دولة إسلامية.
 

وترى سارة إن قراءة تصريحات الغنوشي وقرارات المؤتمر، بصورة متعمقة، تشير إلى حالة أكثر تعقيدا. لكنها توضح أنه من السابق لأوانه أن يبدأ المراقبون نعي صياغة الإسلام السياسي في مهد الربيع العرب على الرغم من أن خطوة التمييز بين الوظائف الدينية والسياسية لحزب إسلامي، خطوة كبيرة.
 

وأكد الغنوشي في مقابلة مع صحيفة لوموند الفرنسية، أن النهضة " ترك الإسلام السياسي من أجل الديمقراطية الإسلامية" وقال إن "النهضة حزب مدني ديمقراطي مرجعيته الإسلام والقيم الحضارية الحديثة".

وفي اجتماع مندوبي الحزب وصف النهضة بأنه " الحزب الوطني الديمقراطي المكرس للإصلاح، على أساس مرجعية وطنية مستمدة من قيم الإسلام".

كما أشار الغنوشي في مقابلته مع لوموند إلى أن جماعات العنف مثل القاعدة وما يسمى الدولة الإسلامية (داعش) تنتسب إلى مصطلح "الإسلام السياسي" مما يعطى دلالة سلبية بالتأكيد.

ويمكن لحركة النهضة عندما تصف أعضاءها "بالديمقراطيين المسلمين" أن تميز نفسها عن جماعات العنف التي تسمى أيضا اسلامية.

وترى سارة أنه ربما كان يهدف من التسمية الجديدة إلى طمأنة قراء صحيفة لوموند أن النهضة لا يجب تصنيفها مع المسئولين عن الهجمات الإرهابية في باريس، وبروكسل، وغيرها. وتوضح مع ذلك، إن حزم القروض السخية التي أعلنتها فرنسا، والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، حتى قبل قرار النهضة تشير إلى أن اهتمام الحزب يجب أن ينصب على طمأنة التونسيين العلمانيين الذين ما زالوا متشككين بشأن أهداف النهضة بعيدة المدى، أكثر من الانشغال بطمأنة الغرب.

ومنذ اندلاع الربيع العربي في تونس قبل خمس سنوات، ترك نحو ستة ألاف تونسي البلاد للانضمام إلى الجماعات الجهادية في العراق، وليبيا، وسوريا. وتعرضت حركة النهضة خلال فترة توليها الحكومة 2011-2013، إلى انتقادات عنيفة علنية بسبب ما اعتبره كثيرون تراخيا مع التطرف الإسلامي في الداخل. ومن ثم، توقعت الكاتبة ان التوصيف الجديد ربما يهدف جزئيا إلى إقناع الناخبين المحليين أن الحزب الاسلامي الرئيسي في البلاد يتبنى موقفا حازما ضد التطرف.

وأشارت  في هذا السياق، إلى قول الغنوشي أمام مندوبي حزبه، أن الحزب مؤهل بشكل فريد لمكافحة الإرهاب في الداخل لأنه حدد " خطا واضحا ونهائيا بين الديمقراطيين المسلمين والمتطرفين أصحاب التوجهات العنيفة التي ينسبون أنفسهم زورا إلى الإسلام."
 

كما اعتبرت سارة أن قرار التنصل من مصطلح "الإسلام السياسي" يعكس أيضا حجة مفاهيمية، مفادها: أن الإسلام السياسي لم يعد ضروريا في تونس، بعدما حقق ما كان يهدف لتحقيقه.

وأكد الغنوشي للصحيفة الفرنسية أن الإسلام السياسي ظهر كرد فعل على اتجاهين في المنطقة: الدكتاتورية وشكل متطرف من العلمانية، النوع الفرنسي من العلمانية الذي يحظر فيه التعبير عن الهوية الدينية، في الأماكن العامة.

ونظرا إلى أن الانتفاضة التونسية أقامت الديمقراطية ونأت عن كل من الدكتاتورية والعلمانية "لم يعد هناك مبرر للإسلام السياسي في تونس". بحسب الغنوشي، الذي أوضح ضمنا في خطابه أمام مندوبي النهضة، أن الإسلام السياسي يأخذ مجراه الطبيعي عبر تطور حزب النهضة "من حركة أيديولوجية تشارك في النضال من أجل الهوية ـ عندما كانت الهوية تحت التهديد ـ إلى حركة احتجاج شاملة ضد نظام استبدادي، ثم إلى حزب وطني ديمقراطي يهدف للإصلاح".

وتشير الكاتبة إلى أن رئيس حزب النهضة، بتقليله من الجوانب الأساسية للأيديولوجية الإسلامية، يصور الحزب بوصفه أقرب إلى منظمة حقوق مدنية تتحدث نيابة عن المسلمين الذين، لم يتمكنوا، على مدى عقود، من ممارسة عقيدتهم في حرية. ففي ظل النظام السابق حظرت حركة النهضة، وألقي المئات من أعضائها في السجون، وتعرضوا للتعذيب، أو أجبروا على المنفى.

وعلى هذا النحو، كان زيادة الاعتراف الديني والثقافي بأعضائها، وتحقيق العدالة الاجتماعية بشكل عام، من مكونات المشروع المجتمعي للنهضة. ولكن نظرا لأن جذور الحزب في جماعة الإخوان المسلمين العابرة للحدود الوطنية، سعى حزب النهضة أيضا إلى إقامة دولة إسلامية، على أساس الشريعة.

وبدا أن انتفاضة 2011 وصعود حركة النهضة لاحقا، أتاح للحركة فرصة تحقيق طموحاتها الأيديولوجية بعد عقود من القمع. لكن سرعان ما واجهت النهضة العقبات؛ فعندما اقترحت الكتلة البرلمانية للحزب مادة دستورية من شأنها أن تجعل الشريعة "مصدرا" من مصادر القانون (أرادها البعض أن تكون "المصدر")، لقيت معارضة شرسة من الأحزاب العلمانية أجبرتها على سحب الاقتراح.

وطمأن الغنوشي أنصاره أن الحزب سيبقى لهويته الإسلامية، لأن الإسلام يعني في الأساس تعزيز أهداف للشريعة أوسع نطاقا، مثل العدالة والحرية، وليس النصوص المحددة الواردة في القرآن والسنة. وقال إن مواد الدستور الجديد، تؤكد أن الإسلام "دين الدولة" وتلزم الدولة بغرس "هوية عربية-إسلامية" في شبابها. وأكد أن أعضاء الحزب يتمسكون بالالتزامات الأيديولوجية، وكشف عن قدرة النهضة على التكيف مع القيود السياسية.

 

و إزاء ضغط الرأي العام، تنحى الحزب عن الحكم في 2013 بعد انتقادات الأداء السيئ في الحكومة. وفي انتخابات 2014 التشريعية ، صوت 70 في المئة من الناخبين للأحزاب أخرى وفقدت الحركة الاسلامية 20 مقعدا في البرلمان، ليتفوق عليها حزب نداء تونس العلمانية. وقول سارة أن هذه النكسات ربما تفسر لجوء الغنوشي إلى إبراز الهوية وتعزيز الديمقراطية.

 

الانفصال أو التخصص؟

وأثارت هزيمة النهضة في انتخابات 2014 ما يقرب من عامين من المناقشات الداخلية بشأن الاتجاه المستقبلي للحزب.

ويقال إن التأجيل المتكرر لمؤتمر الحزب نابع من صعوبات تواجه القيادة في إقناع القواعد الحزبية أن النهضة يجب أن يكون حزبا سياسيا، ويترك النشاطات الدينية العلنية الى هيئة منفصلة، ​​وإن كانت مرتبطة بالحزب.

وبموافقة أعضاء الحزب رغم الرفض الأولي؛ لم يعد في إمكان قادة النهضة الوعظ في المساجد أو شغل مناصب قيادية في الجمعيات الدينية.
 

وترى سارة أن هذه التطورات تعكس جزئيا اعتبارات سياسية. ولذلك قال الغنوشي:  "يريد هذا الحزب الذي يتحدث عن المشاكل اليومية، من حياة الأسر والأفراد، وليس هذا الحزب الذي يحدث (الناخبين) عن يوم القيامة، والجنة، وما إلى ذلك."
 

و لإثبات ما كان يقصده، كرس النصف الثاني من كلمته التي ألقاها في المؤتمر لوضع الخطوط العريضة لسلسلة من الإصلاحات الرامية إلى مكافحة الفساد، وتحفيز النمو الاقتصادي، والحد من البطالة، وتحسين ظروف الشباب؛ وهي الأهداف التي يعتبرها التونسيون أهم أولويات البلاد. مع الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في مارس 2017 والانتخابات البرلمانية في 2019،يدرك حزب النهضة أنه يحتاج إلى توسيع قاعدته الشعبية للتعافي من هزيمة 2014، عبر التركيز على "المشكلات اليومية".

غير ان رئيس الحزب كان حريصا على التأكيد على أن الفصل بين الدين والسياسة لا يعني فصل الدين عن الحياة العامة. واضاف "اننا نشعر بالدهشة إزاء إصرار البعض على استبعاد الدين من الحياة العامة".

وترى سارة أن ما قاله يطرح تساؤلا عما سيحدث عندما تتعلق الصراعات السياسية بمكانة الدين في الحياة العامة، و على وجه التحديد مازالت على الحركة رسم الحدود بين الحياة العامة والسياسة والدين.

 

ماذا بعد؟

وتخلص الكاتبة الى أن مدى التغيير الذي سيحققه مؤتمر النهضة قد يتوقف على مدى تغير حركة النهضة نفسها. وربما يكون هناك تشابه مع تجربة تركيا في بدايات العقد الأول من القرن الحالي عندما أعاد حزب العدالة والتنمية الإسلامي صياغة نفسه كحزب محافظ اجتماعيا، وركز على الإصلاحات الاقتصادية في محاولة لتوسيع قاعدة مؤيديه.

ولكن سارة ترى أن نموذج المغرب أكثر أهمية اليوم، حيث يتولى حزب إسلامي ينتمي الى الإخوان التشريع في البرلمان، بل أنه يحتل رئاسة الوزراء لكنه يترك الأنشطة الدينية العلنية لمنظمة شقيقة في المجتمع المدني.

وسواء قام الحزب تغيير هياكله الداخلية، أوالقضاء على مسببات الخلاف التشريعية، فمن شأن موقف الحزب من الموضوعات ذات التوجه الديني في الدورات الانتخابية المقبلة، أن يعطي المراقبين صورة أكثر وضوحا عن خطط النهضة على المدى الطويل، كما سيتيح المزيد من فرص النقاش حول تطور الإسلام السياسي في تونس والشرق الأوسط الكبير .

اقرأ أيضا

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان