رئيس التحرير: عادل صبري 11:40 مساءً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

إيكونوميست: متى نقول وداعا للناتج المحلي الإجمالي؟

إيكونوميست: متى نقول وداعا للناتج المحلي الإجمالي؟

صحافة أجنبية

هل يتغير معيار الناتج المحلي الإجمالي

إيكونوميست: متى نقول وداعا للناتج المحلي الإجمالي؟

إكرام يوسف 28 أبريل 2016 20:15

"حان الوقت لتغيير معيار الناتج المحلي الإجمالي"

هكذا رأت مجلة الإيكونوميست البريطانية في سياق تحليل مطول، واستندت على أن هذا الناتج لم يعد يصلح كمعيار لتمييز الفروق الاقتصادية بين الدول.

وإلى نص المقال

هل من الأفضل أن تكون ملكا من ملوك القرون الوسطى أم موظفا مكتبيا في العصر الحديث؟ لدى الملك جيوش من الخدم، ويرتدي أفخم المنسوجات الحريرية ويتناول أفخر أنواع الطعام؛ لكنه أيضا ضحية آلام الأسنان، وعرضة لأنواع العدوى المهلكة، كما انه قد يستغرق اسبوعا للانتقال بالعربة ذات الجياد بين القصور، ويشعر بالملل من الاستماع إلى نفس المهرجين!

ولا شك أن الحياة كموظف مكتبي، في القرن الحادي والعشرين، تبدو أكثر جاذبية، بمجرد التفكير في طب الأسنان الحديث، والمضادات الحيوية، والسفر بالطائرة، والهواتف الذكية ويوتيوب.
 

والسؤال هنا ليس لتزجية الوقت، وإنما يظهر مدى صعوبة المقارنة بين مستويات المعيشة عبر الأزمنة المختلفة. غير أن هذه المقارنات تجرى عادة بشكل روتيني، وتعتمد بشكل كبير على مقياس واحد: معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي. وقد أصبح هذا الرقم اختزالا للرفاهية المادية، على الرغم من أنه مقياس معيب للازدهار، ويزداد سوءا مع الوقت. وقد يؤدي ذلك بدوره إلى تشويه مستويات الاهتمام في العالم الغني بشأن كل شيء؛ بداية من ركود الدخل إلى المعدل المخيب للآمال لنمو الإنتاجية.

 

مقياس سرعة خاطئ

ويقول المدافعون عن معيار الناتج المحلي الإجمالي أنه لم يكن مصمما للقيام بما هو مطلوب منه الآن. فقد نشأ من ظروف الركود في الثلاثينيات ومقتضيات الحرب في الأربعينيات، وكان الغرض الأصلي من استخدامه قياس قدرة الاقتصاد على إنتاج. ومنذ ذلك الحين، أصبح نمو الناتج المحلي الإجمالي مؤشرا لتحديد الضرائب وإصلاح البطالة ومعالجة التضخم.
 

بيد أنه غالبا ما يكون خاطئا للغاية: ففي ٢٠١٤ قفز الناتج المحلي الإجمالي في نيجيريا بنسبة 89٪ بعد تعديل الطرق الإحصائية. كما يغلب التخمين عند القياس: حيث يفترض أن يتسع حجم السوق تجارة الجنس في بريطانيا تمشيا مع زيادة عدد السكان الذكور ! وتمثل رسوم أندية الرقص معيار للأسعار! ومن السائد إجراء المراجعات لتعديل الأرقام، التي تميل إلى الارتفاع في الدول الكبرى، الغنية، باستثناء أمريكا.

ويزيد تراجع الاهتمام بالأرقام المنقحة، من الانطباع المبالغ فيه غالبا بأن الوضع في أمريكا أفضل كثيرا منه في أوروبا؛ بما يعني أيضا أن صناع القرار يعتمدون على بيانات خاطئة!
 

وإذا كان معيار الناتج المحلي الإجمالي فاشلا في حد ذاته، كمقياس للقيمة المضافة في الاقتصاد، فإن استخدامه كمعيار للرفاه،  مشكوك فيه بشكل أكبر. حيث كانت مكتسبات الصرف الصحي وتحسين الرعاية الصحية ووسائل الراحة من التدفئة أو تكييف الهواء، تعني دائما أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لا يظهر حجم التقدم الحقيقي في مستويات المعيشة خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية.

فقد شهد الناتج المحلي الإجمالي نموا سريعا، مثلما كان تقدم مستوى المعيشة سريعا كذلك. والآن، مازال الناتج المحلي الإجمالي يشهد نموا (وإن كان على نحو أبطأ)، ولكن مستويات المعيشة تعاني ركودا.

ويعتبر التفاوت في مستوى الدخول جزءا من المشكلة المتفاقمة: فلم يتزحزح متوسط دخل الأسرة في أمريكا، بعد تعديله وفقا للتضخم، لمدة 25 عاما. ولم يعد من السهل حصول الناس، على الأشياء التي يعتبرونها نفيسة وفقا للمعيار الرئيسي للقيمة.
 

ومن المفترض أن يكون ما ينتج ويستهلك من نوعيات ثابتة، باستثناءات قليلة، مثل أجهزة الكمبيوتر. وكان هذا الافتراض صالحا بما فيه الكفاية في عصر السلع ذات الإنتاج الضخم الموحد؛ ولكن لا يمكن الاعتماد عليه عندما تزيد حصة الخدمات داخل الاقتصاد. حيث تتنافس الشركات على نوعية الانتاج وكيفية ملاءمتها الأذواق الفردية.

فإذا كانت المطاعم تقدم وجبات طعام أقل ولكن أكثر تكلفة، فإنها تساهم في ارتفاع التضخم وتخفيض الناتج المحلي الإجمالي، حتى لو كان هذا يعكس التغييرات التي ترضي العملاء، مثل مكونات طازجة اكثر او طاولات أقل.

كما أن الخدمات المجانية التي يقدمها موقع جوجل وفيسبوك، يتم استبعادها من الناتج المحلي الإجمالي. وعندما تصبح السلع مدفوعة الثمن، مثل الخرائط والتسجيلات الموسيقية، ستحذف خدمات رقمية مجانية، من بيانات الناتج المحلي الإجمالي.

ولا شك أن التسوق والخدمات المصرفية عبر الإنترنت، نعمة للمستهلكين. ولكن لو كان ذلك يعني استثمارا أقل في المباني، فسوف يخفض من تقويم الناتج المحلي الإجمالي.
 

التقويم بدلا من الأرقام

ويستلزم القياس الدقيق للازدهار الاقتصادي ثلاثة تغييرات؛ أسهلها تحسين الناتج المحلي الإجمالي كمقياس للإنتاج. فليس من المفيد الغائه تماما: فالميزة الدائمة لمعدل الناتج المحلي الإجمالي أنه يقدم، أو يبدو أنه يقدم، إحصاء موجزا يوضح مدى تحسن أداء الاقتصاد. وبدلا من إلغائه، يجب تحسين كيفية جمع بيانات الناتج المحلي الإجمالي وتقديمها.
 

وللحد من الحاجة الى التعديلات، يجب أن تعتمد أكثر على سجلات الضرائب، والبحث على الإنترنت، وغيرها من كنوز الإحصاءات المعاصرة، مثل معاملات بطاقات الائتمان، عوضا عن التركيز على المسوحات المعتادة للشركات أو للمستهلكين. وبالفعل، تقوم الشركات الخاصة بتوضيح الصورة، فعلى سبيل المثال، تحذف كميات كبيرة من الأسعار من مواقع التجارة الإلكترونية، للتقديم بيانات محسنة عن التضخم.
 

ثانيا، يجب على الدول الغنية التي يهيمن قطاع الخدمات على اقتصادها، طرح مقياس سنوي جديد، أوسع نطاقا، يعبر عن الانتاج ومستوى المعيشة بشكل أكثر دقة. على أن يبدأ هذا المقياس الجديد ـ ولنسميه "الناتج المحلي الإجمالي المطور" ـ بتغيير طال انتظاره في المفاهيم: إدراج العمل بدون أجر في المنزل، مثل رعاية الأقارب، ضمن الناتج المحلي الإجمالي.

كما يقيس "الناتج المحلي الإجمالي المطور" التغييرات في نوعية الخدمات، عبر الإقرار، على سبيل المثال، بزيادة العمر الافتراضي في تقديرات ناتج الرعاية الصحية. ومن شأنه أيضا أن يأخذ في الاعتبار ـ على نحو أكبر ـ فوائد منتجات العلامات التجارية الجديدة، وزيادة فرص الاختيار. و، من الناحية المثالية، سوف يتم تقسيمه إلى شرائح حتى يعكس أنماط الإنفاق الفعلي للمواطنين في أعلى ووسط وأسفل سلم الدخول: فالفقراء يميلون إلى الإنفاق على السلع أكثر من الإنفاق على الرسوم الدراسية في جامعة هارفارد.
 

وعلى الرغم من التحسن الكبير في المقياس الحالي، سوف يقدم "الناتج المحلي الإجمالي المطور" تقييما لتدفق الدخل. كما يحتاج تقييم الازدهار الاقتصادي لأي دولة، مقياسا ثالثا يخصم الأوراق المالية، من ثرواتها، كل عشر سنوات. ومن شأن هذه الموازنة أن تشمل الأصول الحكومية، مثل الطرق والحدائق وكذلك الثروات الخاصة. كما سيتم تثمين المهارات المالية غير الملموسة، والعلامات التجارية والتصميمات، والأفكار العلمية وشبكات الإنترنت. وسيكون دفتر الحسابات مسئولا أيضا عن نضوب رأس المال: استهلاك الآلات، وتدهور الطرقات والأماكن العامة، والضرر الذي يلحق بالبيئة.
 

و لا شك أن بناء هذه المعايير، يتطلب ثورة في هيئات الإحصاء الوطنية تماثل في جرأتها الثورة التي قدمت معدل الناتج المحلي الإجمالي من قبل. وحتى في ذلك الحين، لا يمكن ان تكون المعايير مثالية، نظرا للاختلاف في معايير التقويم البشرية. ولكن المقياس الحالي للازدهار الاقتصادي حافل بالسهو والخطأ. ومن الأفضل تبني نهج جديد بدلا من تجاهل التقدم الذي يسود الحياة العصرية.

اقرأ أيضا

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان