رئيس التحرير: عادل صبري 11:33 صباحاً | الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م | 15 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

أمريكيون يرفضون التنازل عن قيادة العالم

أمريكيون يرفضون التنازل عن قيادة العالم

صحافة أجنبية

د.إكرام يوسف

دراسة في واشنطن بوست

أمريكيون يرفضون التنازل عن قيادة العالم

د.إكرام يوسف 23 أبريل 2016 15:03

على الرغم من كافة التحليلات والدراسات التي طرحها خبراء العلوم السياسية والمفكرون- ومنهم أمريكيون- منذ أكثر من عقدين، وتنبأت بأفول نجم الولايات المتحدة كقوةٍ عظمَى وحيدة في العالم، وظهور نظام عالمي جديد متعدد القطبية؛ وعلى الرغم من ظهور دلالات تؤكّد بالفعل بزوغ أقطاب جديدة تتنافس على قيادة العالم؛ يرفض عدد من الساسة والمفكرين الأمريكيين الإقرار بالفكرة حتى الآن، متشبثين بنظام عالمي تسيطر فيه بلادهم على مقدرات العالم!  ومن هؤلاء، إيفو دادلرـ سفير الولايات المتحدة لدى حلف الناتو من ٢٠٠٩ الى ٢٠٠٣، رئيس مركز شيكاغو للشئون العالميةـ وروبرت كيجان زميل معهد برونجز، اللذين كتبَا مقالاً في العدد الأخير من مجلة واشنطن بوست تحت عنوان "ليس بإمكان الولايات المتحدة التخلي عن دورها القيادي العالمي".

 

    ويقر الكاتبان بأنّ الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية والأمنية التي اتبعتها الولايات المتحدة لأكثر من سبعة عقود في ظل الإدارات الجمهورية والديمقراطية على السواء، صارت اليوم محل تشكُّك من قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي، وهجوم من كبار المرشحين السياسيين من الحزبين.
 

 ويبدو أنَّ العديد من الأمريكيين تخلوا عن تثمينهم للنظام الدولي الليبرالي الذي أنشأته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، واستمرّ طوال فترة الحرب الباردة وما بعدها.

 

كما بات الرأي العام الأمريكي يتعامل مع الوضع باعتباره أمرًا مفروغًا منه. ويزعم دادلر وكيجان، أنَّ الدور الأمريكي الريادي في أنحاء العالم كان وراء الازدهار الاقتصادي غير المسبوق، بفضل الأسواق الحرة والمفتوحة وانتعاش التجارة الدولية، وانتشار الديمقراطية؛ وتجنب نشوب صراع كبير بين القوى العظمى؛ إلا أنَّ الساسة في كل من الحزبين يُروِّجون لفكرة أمريكا المتحررة من أعباء القيادة.
 

    ويرى الكاتبان أنَّ هؤلاء الساسة لا يفهمون أن تكلفة إنهاء الدور القيادي الأمريكي في العالم، تفوق تكلفة استمراره! مشيرين إلى أنَّ النظام الدولي الذي أنشأته الولايات المتحدة، يُواجه اليوم تحديات أكبر من أي وقت مضى منذ ذروة الحرب الباردة: حيث تهدّد القوى الاستبدادية الصاعدة في آسيا وأوروبا بتقويض الهياكل الأمنية التي حافظت على السلام منذ الحرب العالمية الثانية.

 

فقد غزت روسيا أوكرانيا وسيطرت على بعض من أراضيها. وفي شرق آسيا، تسعى الصين إلى السيطرة على الممرات البحرية لتحتكر حصة كبيرة من تدفقات التجارة العالمية.

 

وفي الشرق الأوسط، تهدف إيران إلى الهيمنة من خلال دعم حزب الله وحماس والحكم المستبد الدموي في سوريا. وتسيطر داعش على مساحات من الأراضي تزيد عما سيطرت عليه أي جماعة إرهابية في التاريخ، وتفرض بوحشية رؤية متطرفة للإسلام وتستهدف مناطق في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا.
 

      ويحذر المقال من أنَّ أيًا من هذه التهديدات لن تتوقف، ولن تكون الولايات المتحدة بمنأًى في حال انهيار النظام الدولي، كما حدث مرتين في القرن العشرين. فلن توفر المحيطات، ولا إقامة الحواجز على طول الحدود الأمن في القرن الحادي والعشرين. ولن يفيد عزل الولايات المتحدة عن الاقتصاد الدولي عبر إلغاء الاتفاقات التجارية وإقامة الحواجز أمام التجارة.

   

وينصح الكاتبان باستعادة توافق الحزبين الجمهوري والديمقراطي على سياسة خارجية تجدد القيادة العالمية للولايات المتحدة، بدلا من اتباع مشورة الديماجوجيين، على حد قولهما! ويشددان على ان قدرات الولايات المتحدة مازالت ضخمة على الرغم من التوقعات التي تبشر بـ "عالم ما بعد أمريكا،" فلا يزال الاقتصاد الأمريكي الأكثر ديناميكية في العالم. كما أن ما يتردد عن "نهوض بقية العالم"، وتفوق اقتصادات البرازيل وروسيا والهند والصين، على الولايات المتحدة، ليس سوى أسطورة، من وجهة نظرهما!  ويدللان على ذلك بأن الدولار مازال عملة الاحتياط في العالم، كما يتطلع الناس من جميع أنحاء العالم إلى الاستثمار الأمريكي ومهارات تنظيم المشروعات لمساعدة اقتصاداتهم الوطنية. ولا تزال مؤسسات التعليم العالي الأمريكية هي الأفضل وتجذب الطلاب من كل ركن من أركان المعمورة. ومازالت القيم السياسية التي تدعمها الولايات المتحدة قوى صالحة للتغيير  "فعلى الرغم من عودة نهوض الديكتاتورية، يمكنك أن تستمع إلى المطالبة الشعبية بالحرية في روسيا والصين وإيران وغيرها، وتتطلع هذه الشعوب إلى الولايات المتحدة للحصول على الدعم، سواء المعنوي أو المادي". كما يؤكد المقال على موقف أمريكا الاستراتيجي القوي؛  فلديها أكثر من خمسين حليفا وشريكا في جميع أنحاء العالم. بينما لا تملك روسيا والصين سوى قلة من الحلفاء.

 

    ويطرح الكاتبان تصورا للمهمة الأمريكية المقبلة، يتمثل في اللعب على نقاط القوة القائمة وتقديم نوعية القيادة، التي يتطلع اليها الكثيرون في أنحاء العالم، ويمكن  أن يدعمها الرأي العام الأمريكي. ويكشف الكاتبان انهم عملا على مدى العامين الماضيين، مع مجموعة من أعضاء الحزبين الأمريكيين وممثلي الدول الأخرى، تحت رعاية المنتدى الاقتصادي العالمي، من أجل وضع الخطوط العريضة لاستراتيجية تجديد القيادة الأمريكية. مشيرين، إلى أن استراتيجيات الحفاظ على النظام الدولي الحالي هي إلى حد كبير نفس الاستراتيجيات التي خلقته؛ ولكنها تحتاج إلى تعديل وتحديث لمواجهة التحديات الجديدة والاستفادة من الفرص السانحة.

 

    وعلى سبيل المثال، يعتبر تعزيز الاقتصاد الدولي، بما يحقق العديد من المكاسب للشعب الأمريكي، من المهام الرئيسة اليوم، وهو ما يعني إقرار اتفاقيات التجارة التي تعزز العلاقات بين الولايات المتحدة والاقتصادات الكبرى في شرق آسيا وأوروبا. ويؤكد المقال، أن المواطن الأمريكي العادي سوف يستفيد بشكل كبير من الشراكة التي تم الاتفاق عليها مؤخرا، عبر المحيط الهادي مؤخرا، على عكس ما يدعي من يسميهم الديماجوجيين في كل من الحزبين. فوفقا لمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي، سوف يزيد الاتفاق  من الدخل السنوي الحقيقي في الولايات المتحدة بنحو ١٣١ مليار دولار. كما ينصح الكاتبان بإصلاح المؤسسات الدولية القائمة، مثل صندوق النقد الدولي، بحيث تسمح بحصة اكبر للقوى الاقتصادية الصاعدة مثل الصين، في الوقت الذي تعمل أيضا مع مؤسسات جديدة مثل البنك الأسيوي لاستثمارات البنية التحتية لضمان أنها تعزز القواعد الاقتصادية الليبرالية، بدلا من تقويضها.

 

    وتقدم الطفرة في مجال الطاقة، التي جعلت الولايات المتحدة كبار الموردين في العالم، ميزة أخرى قوية. فقد صار من الممكن للولايات المتحدة مساعدة الحلفاء في أوروبا وآسيا تنويع مصادرها من العرض ومن ثم تقليل فرص تعرضهم للتلاعب الروسي  ومن شأن ذلك إضعاف الدول التي تعتمد بشكل كبير على صادرات البترول والغاز مثل روسيا وإيران، شأنها شأن منظمة أوبك. وستكون النتيجة الإجمالية زيادة نسبية في قوة الولايات المتحدة وقدرتها على الحفاظ على النظام القائم.

 

    ويواصل الكاتبان إبراز ما يرونه من نقاط القوة الأمريكية، موضحين أن العالم أدرك أن التعليم والإبداع والابتكار، مفاتيح الرخاء، ويتطلع إلى الولايات المتحدة باعتبارها رائدة في هذه المجالات؛ حيث ترغب بقية الدول في الوصول إلى السوق الأمريكية، والتمويل الأمريكي والابتكار الأمريكي. ويسعى رجال الأعمال حول العالم إلى بناء  أودية السيليكون الخاصة وغيرها من  مراكز الاستثمار على النمط الأمريكي . ويريان أن الحكومة الأمريكي تحسن صنعا إذا سعت مع القطاع الخاص إلى التعاون مع البلدان النامية. كما يقدمان النصح للأمريكيين بزيادة الترحيب بالمهاجرين، على أساس أن الطلاب الذين يدرسون في الجامعات الأمريكية، ورجال الأعمال الذين يقدمون الابتكارات في مجالات التكنولوجيا الفائقة والمهاجرين بحثا عن فرص جديدة لأسرهم، يعززون صورة الولايات المتحدة ويظهرون للعالم الفرص التي تتيحها الديمقراطية.

 

    ثم يدعو الكاتبان الولايات المتحدة إلى بذل المزيد من الجهد لطمأنة الحلفاء إلى استعدادها لمساندتهم في حال تعرضهم لعدوان، وتنبيه الخصوم لى أنه من الأفضل لهم دمج أنفسهم في النظام الدولي الحالي بدلا من محاولة تقويضه. غير أن تحقيق هذا الهدف، يتطلب زيادة الإنفاق على الدفاع وعلى غيره من جميع أدوات السياسة الدولية. وسوف يجلب هذا الأداء مكاسب للأمن العالمي تفوق ما يتم إنفاقه.

 

     ويؤكد المقال على ترابط كل هذه الجهود، ويحمل القادة السياسيين مسئولية توضيح هذا الترابط: كيف يمكن للتجارة تعزيز الأمن، وكيفية تدعم القوى العسكرية الازدهار الاقتصادي، وكيف يؤدي توفير سبل الحصول  على التعليم الأمريكي، إلى ظهور قوى تعمل من أجل علم أكثر انفتاحا  وحرية.

 

  وأخيرا يزعم الكاتبان أن ملايين عديدة في جميع أنحاء العالم  استفادت من النظام الدولي القائم، بدعوى انه رفع مستويات المعيشة، ساهم في انفتاح الأنظمة السياسية والحفاظ على السلام العالمي.  غير أنهما يعترفان أن الدلة الأمريكية والشعب الأمريكي اكثر المستفيدين من هذا النظام.

 

    ولا شك أنه من الصعوبة بمكان أن تتنازل الولايات المتحدة طواعية عن وضعها كقوة عظمة وحيدة تهيمن على العالم، غير أن دوام الحال من المحال؛ وتجمع دروس صعود وسقوط القوى العظمى في التاريخ، وكافة المؤشرات السياسية والاقتصادية والعسكرية على الساحة العالمية، على ان المسرح بات مهيأ لنظام عالمي جديد، تكون فيه الولايات المتحدة قوة كبرى ضمن عدد من القوى العالمية الكبرى.

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان