رئيس التحرير: عادل صبري 05:11 صباحاً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

روبرت فيسك: ريجيني ضحية دولة السيسي

روبرت فيسك: ريجيني ضحية دولة السيسي

صحافة أجنبية

الكاتب البريطاني روبرت فيسك

روبرت فيسك: ريجيني ضحية دولة السيسي

وائل عبد الحميد 18 أبريل 2016 15:54

“الطالب الإيطالي المقتول جوليو ريجيني دفع الثمن المطلق لتحقيقه في مصر السيسي".

هكذا عنون الكاتب البريطاني الشهير روبرت فيسك مقالا له بصحيفة الإندبدنت محللا الأسباب التي أدت إلى وفاة باحث الدكتوراه الذي عثر على جثته في الثالث من فبراير الماضي وعليها علامات تعذيب.
 

وإلى نص المقال
 

لقد ترعرعنا جميعا معتادين على كلمة "الإرهاب الإسلامي" التي تمثل السرد المعتاد لطغاتنا المفضلين، وأعني عبد الناصر والسادات ومبارك، ومعهم الآن بالطبع الفيلد مارشال عبد الفتاح السيسي، لكن تصديقهم يجعلنا في خطر.
 

الإخوان المسلمين و حملتها "الإرهابية"( رغم حقيقة أن العنف في مصر لا يمت بأي صلة بالجماعة) سمحا لبلطجية السيسي بالضرب والحبس والتعذيب ووالقتل بخلاف أحكام إعدام ضد الآلاف من شعبه الذين يعترضون على سلوكيات دولته البوليسية المشينة.
 

لكن الخطر الحقيقي لنظام السيسي، وكذلك الحكومات المصرية منذ الحكم البريطاني إلى السادات ومبارك دائما ما يأتي من المعارضة العلمانية والاشتراكية والتي ترمز إليها الحركات النقابية المستقلة الشجاعة للغاية والصارمة.
 

العلمانية والاشتراكية الحقيقية، لا "الإرهاب الإسلامي" تمثل العدو بالنسبة للطغاة المصريين.
 

منذ أسابيع قليلة، كتب  طالب دكتوراه شاب أن "تحدي النقابات المصرية لحالة الطوارئ، ومناهضتها لمبررات النظام للحرب على الإرهاب بدعوى الاستقرار والنظام الاجتماعي. يمثل تساؤلات جريئة للخطاب الأساسي الذي تستخدمه الأنظمة لتبرير وجودها وقمعها للمجتمع المدني".
 

طالب جامعة كامبريدج الذي كتب هذه الكلمات هو جوليو ريجيني، الذي وجدت جثته وعليها علامات تعذيب وحشية، بلغ تشوهها حدا لم تستطع والدته حياله التعرف على نجلها إلا من خلال أنفه.
 

الجثة وجدت ملقاة في حفرة بالقرب من طريق القاهرة الإسكندرية السريع في فبراير الماضي.
 

وخلال الأيام التسعة التي سبقت العثور على الجثة، تعرض ريجيني للضرب والتعذيب بالكهرباء والطعن، بالإضافة إلى نزيف حاد في المخ.
 

رجال شرطة السيسي قدموا روايات مختلفة، أولها أن ريجيني لقي مصرعه جراء حادث مروري، ثم ذكروا أنهم تعرض للاختطاف والتعذيب والقتل على أيدي "عصابة إجرامية"، بل زعم البعض أنه قتل بسبب مشادة مع محب.
 

إيطاليا انفجرت من الغضب جراء وفاة ريجيني.
 

الخارجية البريطانية تذمرت من مقتل الباحث الإيطالي  فقط بعد تلقيها 10000 توقيع من داخل المملكة المتحدة من الذين يعتقدون أن "العصابة الإجرامية" ما هي إلا شرطة أمن الدولة التابعة للسيسي.
 

أعذار حكومة السيسي مروعة، فقد ألقى الرئيس المصري باللوم على "مؤامرة" ارتكبها "أهل الشر"، كما عاب على صحفيين يؤمنون بالسوشيال ميديا، كوسيلة لمناهضة للصحف الحكومية والتلفزيون الرسمي التي ما زالت مستمرة في تزلف الفيلد مارشال.
 

الأمر يحتاج إلى تولية المزيد من الاهتمام للمؤسسات التي كانت محل دراسة ريجيني في القاهرة، وأعني النقابات المستقلة التي تشكل على المدى الطويل عدوا أكثر خطورة على حكومة السيسي.
 

تحقيق الدكتوراه لريجيني قد يكون أدى مباشرة إلى مقتله.
 

وحتى تحت حكم البريطانيين، احتج عمال الصناعة المصريون على ظروفهم المروعة، وأجورهم التي لامست خط الفقر.
 

عمال التبغ والطباعة والسكة الحديدية وموظفو الترام كانوا قد نظموا إضرابا في عشرينيات القرن المنصرم،  كما أغلقت مصانع الغزل أبوابها على نحو متكرر.

 

وبات الأمر تقريبا بمثابة عادة محلية، حتى أن إحدى أولى ممارسات عبد الناصر قبل إنشاء اتحاد النقابات "الرسمي" تمثلت في إعدام اثنين من قيادات الإضراب، وهما مصطفى خميس وعبد الرحمن البقري، من مصانع غزل كفر الدوار.
 

وفي حقبة مبارك، قتلت الشرطة عمال صلب مضربين عام 1989.
 

لكن المصدر الحقيقي للخوف بالنسبة لنظام مبارك، وأحد أبرز الأسباب للإطاحة به كان منبعه عمال الغزل والنسيج بالمحلة .
 

وفي بداية الأمر، أوضح لي صديق فرنسي أهمية مدينة المحلة، التي توفر مصانع الغزل العظيمة بها ملايين الدولارات للدولة على شكل صادرات مصرية.
 

النقابات المهنية المستقلة حاولت الانقلاب على مبارك عام 2006، قبل سنوات من ثورة ميدان التحرير.
 

عمال الغزل، بقيادة النساء، احتلوا مركز المحلة، وصدوا لمدة أسبوع قوات الأمن المركزي وعناصر الشرطة المرتدين زيا مدنيا، وطالبوا "فلاحي" مصر بدعمهم، مستخدمين الهواتف الخلوية والتواصل الاجتماعي.
 

وأُطلق سراح النقابيين في أعقاب ذلك، وارتفعت رواتبهم، لكنهم لم يدمروا مبارك، وحاولوا مجددا عام 2008 وواجهوا  قمعا وحشيا.

 

لكن دروسا تم استيعابها من تلك التجارب. وعندما تجمع المصريون  في ميدان التحرير عام 2011، كان عمال غزل المحلة  أول المنضمين للمظاهرة، بما جعل نظام مبارك يغلق الطريق بين القاهرة ودلتا النيل.
 

عندما زرت المحلة بعد ثورة 2011، كان العمال متوهجين جراء نجاحهم، لقد شعروا بالأمان.
 

لم يستطع أحد أن يتهمهم بكونهم قططا صغيرة لجماعة الإخوان.
 

لقد كان استخدام الجيش والشرطة في مصر في إطلاق النار على الإسلاميين الملتحين شيئا يختلف عن إطلاق النار على العمال.
 

لكن النقابة العمالية الرسمية حاولت تدمير نظيرتها المستقلة.، حيث تعتبر قياداتها الإضراب في عهد النظام العسكري بمثابة "خيانة عظمى".
 

ويمكنك أن ترى كيف يلائم ذلك سرد السيسي بشأن المؤامرات والخيانة ضد الدولة.
 

الاشتراكيون العلمانيون كانوا أكثر خطرا من الإخوان المسلمين، حيث أن بإمكانهم غلق مصر، وتدمير اقتصادها، بل والإطاحة بالقيادة العسكرية، إذا لم يجابهوا بالقمع.
 

التقرير الأخير لريجيني الذي كان يكتب باسم مستعار لصحيفة المانيفستو الإيطالية أعادت نشره مجلة "ريد بيبر" الاشتراكية الإيطالية.
 

وكتب ريجيني عن " دار الخدمات النقابية والعمالية " الذي يمثل منارة للنقابيين المهنيين.
 

كما تحدث عن مهاجمة السيسي لحريات النقابات، وكيف تسبب ذلك في إثارة مشاعر السخط بين العمال.
 

ولاحظ ريجيني خلال مقاله المشاركة الواسعة للنساء، وكتب عن إضرابات عمالية حديثة لم يسلط عليها الضوء.
 

واستطرد: “في سياق استبدادي وقمعي تحت قيادة الجنرال السيسي، فإن مثل هذه الإضرابات من شأنها أن تكسر جدار الخوف".
 

ريجيني بالضرورة كان لديه الكثير من جهات الاتصال، بينهم من يُنظر إاليهم باعتبارهم نقابيين "خونة" يتمنون "تدمير" مصر.
 

تستطيعون رؤية كيف تعمل الشرطة في القاهرة، والتي سألت ريجيني بالتأكيد عن جهات اتصالاته.
 

وفي دولة ينظر فيها للمنظمات الممولة أجنبيا، وحتى الطلاب بأنهم جواسيس، وجه أحدهم سؤالا لريجيني مفاده "مع من تعمل حقا؟"
 

صحف إيطالية وأوروبية حددت اسم اللواء خالد شلبي، الذي أدين بالسجن مع إيقاف التنفيذ في الأسكندرية عام 2003 بتهمة تعذيب وقتل معتقل.
 

شلبي هو  مدير الإدارة العامة لمباحث الجيزة التي عثر فيها على جثة ريجيني.
 

لقد كان هو شلبي الذي ذكر أن الطالب الإيطالي قتل في حادث طريق، وبالتأكيد فإن ريجيني هو الضحية الأولى لحادث مروري يتعرض للتعذيب بالكهرباء,
 

لكن ليس هذا هو بيت القصيد، لكنه  يتمثل في قدرة ريجيني على غرار أي طالب وصحفي جيد على رصد التهديد الأكبر الذي يجابه الديكتاتورية. والأمر شبه المؤكد أنه دفع الثمن جراء ذلك.

 

رابط النص الأصلي 

اقرأ أيضا

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان