رئيس التحرير: عادل صبري 10:23 مساءً | الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م | 09 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

لن نقول وداعًا حتى نلمس ترابها

لن نقول وداعًا حتى نلمس ترابها

ساحة الحرية

طارق عبد الجابر‎

بقلم/ طارق عبد الجابر‎

لن نقول وداعًا حتى نلمس ترابها

طارق عبد الجابر‎ 19 مارس 2016 08:47

لن نقول وداعا حتى نلمس ترابها

لن نقول وداعًا حتى نستنشق عبيرها

لن نقول وداعا حتى نستأنس بأهلها

لن نقول وداعا حتى نموت بين أحضانها 

إنها مصر إنها حضن نحبها ونحن أبناؤها

لن تحرمنا آمنا ولو كنت تمسك رقابها 

لن تحرمنا وطننا ونحن إليه نرنو بدموعنا 

لن تذيقنا عذاب الهجر والبعد والحرمان 

نحن مصريون أبناء النيل ومصر أمنا 

خلقنا من طميها وإلى رحمها سنعود

 

أيها السادة ...هل مصر أحوج الآن إلى المهدي المنتظر ليحق الله به الحقَّ ويزهق به الباطل، ويخلّص المصريين من روح الكراهية التي التهمت مشاعر النبل والإنسانية التي تتمخض عنها طِيبة المصري الأصيل التي اشتهر بها. 

فالحقد نبراس والكراهية شِراع وأصبحت الثرثرة والنميمة مرسى المعذبين في الأرض، ولا اقصد طبقة المقهورين؛ فحتى الأغنياء وأصحاب الجاه معلقون بين السماء والأرض، فإذا كنت من الأثرياء وتعيش في مصر فعليك أن تلهث من أجل المال والجاه بلا توقف حتى يطغى هذا الصراع على حياتك وتتحول إلى إنسان تعيس حزين تهجرك البهجة والشعور باللحظة الجميلة، فإذا نجوت من هم صراع المال وشعرت يومًا بالسعادة، فكن على دراية أنك افلست وتعيش اليوم بيومه، وتحلم بالستر كما يحلم البسطاء من الطبقة المتوسطة.

 

إن الحقد والكراهية لن يجبر الآلاف على الهجر والرحيل، إننا صامدون منتظرون العودة إلى أحضان مصر الحبيبة، فمهما بالغت في حرماننا من حق عودتنا إلى وطننا الذي كفله لنا الدستور، لن نيأس وسنظل ننادي حتى تذهب أصواتنا فنحن أشباح بلا قلوب ندور في فلك بلاد العيون الزرقاء وقلوبنا معلقة داخل بيوت أمهاتنا وداخل قلوب زوجاتنا وفى أجساد ذوينا، لا زالت هناك معلقة في لحظة حنين وشوق للصديق والجار، نعم إنها بين جنبات العزيز والغالي في بلاد الأشواق مصر.

ومن المحزن أن هناك من يضغط على الرقاب ويدوس على قلوب مُفْعَمَة بالحب والأمل، فنجد العلماء أمثال زويل والباز وغيرهم العشرات يطوفون في فلك بلاد الغرب يبنون حضاراتهم من نور العقول المصرية، إلى متى سنظل طاردين وحاقدين على كل مخترع ومكتشف وناجح، أهو حبّ الذات أم كره الآخرين بالفطرة، أنحن من شيَّدنا الاهرامات مهد حضارات العالم، أم نحن مصنع كبير للعبودية يصدر منتجاته البشرية إلى دول العالم، فدول أوروبا تحجز حصتها من الكوادر البشرية لبناء حضارتهم، كأنها أحجار كريمة يستخرجها الجبابرة من بُطُون أرض مصر الطيبة ليبيعونها بأبخس الاثمان.. أهكذا أصبحت مصر؟!

لم تعد مصر بيئة مواتية للناجحين والعلماء الذين جابوا الفضاء واكتشفوا قيعان المحيطات، لم تعد مصر تحوي الأكسجين اللازم لكي يحيا الرياضيون، ليهربوا إلى أوروبا بحثًا عن لقمة العيش كما فعل طارق عبد السلام بطل إفريقيا في المصارعة عندما ضاق به الحال في مصر ليسافر إلى بلغاريا ليعمل بائع شاورما. أهكذا نحتضن الرياضيين والمثقفين والعلماء.

والسؤال هنا ماذا تبقى من مصر سوى هيكل صدئ فارغ من اللامبالاة والمحسوبية والوساطة والفساد... أتهوى مصر أم ترتفع... كيف هذا ونحن لا نتصالح مع أنفسنا قبل الآخرين.

نعم إنه حب الذات الذي يأكل الأخضر واليابس والضحية هي مصر الطيبة التي توقعت من أبنائها البر فلم تجد سوى العقوق ثم العقوق ثم الدمار.

نعم هكذا أصبحت مصر.. 

 

فالسموم التي تم نشرها في الفترة الأخيرة خلال حالة التسخين التي شهدتها الساحة السياسية المصرية لا تزال آثارها المؤلمة في الجسد المصري، في العمل والسوق والمجالس والجمعيات والمؤسسات وغيرها كثير، وأبشعها وأكثرها إيلامًا هو تغلغلها عند بعض من الإعلاميين والمثقفين وأنا لا أريد أن أعمم ولكن ظاهرة الكراهية التي طفحت على الساحة المصرية أثرت على  البيوت المصرية، لن نتحدث اليوم عمّا جرى في حقل الإعلام من نشر لسموم الكراهية وكيفية معالجتها، ولكن لنقف عند الأسر والزيجات والتي تحولت بين ليلة وضحاها إلى مصارعة الطرشان التي لا دخل لهم فيها!، فالزوج مثلا يميل إلى الإخوان والزوجة لا تميل لهم، ولنتصور العيشة كيف أصبحت، والقصص في ذلك كثير، ففي السنوات الأخيرة تدهورت الكثير من العلاقات الزوجية والأسرية القائمة على هذا الخلاف؛ تذكر لي إحدى الزوجات أنّ حياتها مع زوجها المختلف سياسيًا أصبحت لا تطاق، فهو يتابع القناة الفضائية التي ينتمي لها سياسيًا، وهي الأخرى تتابع القناة الفضائية المضادة، حتى كادت العلاقة بينهما أن تفضي إلى الانفصال النهائي، وأبغض الحلال عند الله الطلاق!!.

ولكن الأزمة الأخيرة التي أغلق في وجهها كل الأبواب دخلت الأسرة المصرية عليه من نافذة القنوات الفضائية المسمومة، فإذا بصراع سياسي في كل بيت ولكن- كما يقول- إن الله قد سلم، ولكن لنتأمل كم هي الأسر التي أصبحت ضحية هذه السموم التي تم نثرها في الساحات خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبحت الأسرة المختلفة سياسيًا تواجه الأمرين في زياراتها الأسرية لأهل الزوج وأهل الزوجة، فهي لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء!!. الصور في ذلك كثيرة حينما تم رفع المسدسات والسكاكين والفؤوس والآلات الحادة بأيدي شباب الاصطفاف السياسي الذين تم تحشيدهم بتلك السموم، ولولا العقلاء والحكماء لكادت الساحة أن تشهد حربًا دموية شبيهة بحرب الجمل وصفين!!، وهذه هي الكارثة التي لم يستوعبها الشباب والناشئة الذين كانوا تحت تأثير السموم السياسية التي بثّتها القنوات والمنتديات والمواقع لتغير هوية أبناء هذا الوطن..

في النهاية أخشى ما أخشاه اليوم أن يتحول المجتمع من مجتمع مسالم إلى مجتمع متصارع، ومن مجتمع يستمع إلى الآخر إلى مجتمع يلغي الآخر، لقد عاش أبناء هذا الوطن في لحمة اجتماعية ووحدة وطنية جميلة، لا فرق بين هذا وذاك، ولكن في الآونة الأخيرة أي في السنوات الماضية فتخرج علينا مليشيات قطع الطريق إلى المصالحة لتجوب الشوارع إرهابًا وتخويفًا، في محاولة لاستنساخ الحالة العراقية والصومالية واللبنانية، فهل تعي الفعاليات الدينية والسياسية حينما لزمت الصمت بأننا أمام منعطف تاريخي خطير، فإما التعايش السلمي أو الاقتتال والاحتراب على الهوية السياسية؟! لذا يتساءل الكثير من العقلاء عن المخرج من هذا الاحتقان وكيفية تضميد الجراح التي خلفتها المرحلة الماضية، خاصة وإننا في المرحلة التي تتطلب إلى السلامة الوطنية التي يجب أن تستثمر بما يعزز الأمن والاستقرار..

من هنا يجب أن نسعى جميعًا دون استثناء إلى إزالة أسباب التنافر والتباعد، وكسر حالة الجمود والتوجس من الآخر، نحن الآن مدعوون سويًا للجلوس على طاولة الحوار الوطني بهدف مراجعة شاملة للموقف والاستماع إلى بعضنا ونشر ثقافة الحوار مع الآخر المختلف، والإصغاء إليه، وإخفاض الأصوات العالية التي تم تأجيجها خلال السنوات الماضية من أجل الاستماع إلى الآخرين وتصحيح المسار، فإما أن ننجح سويًا وإما أن نخسر سويًا؛ فهناك الكثير من الأصوات المعتدلة يجب أن يستمع لها، ويرى ما لديها من كان يصدق بأن يجري في هذا الوطن المسالم مثل ما جرى..

من كان يتصور أن تتعطل مصالح الناس ويتم الدفع بهم إلى هاوية الدمار العقلي والتخريب كما جرى في الكثير من الدول، من كان يتصور أن يتم تمزيق وفرز المجتمع في غمضة عين؟!، من هنا فإنَّ أخوف ما نخافه أن تمضي الأيام دون أن نتقدم خطوة إلى الأمام، حينها لن نتعاون فيما اتفقنا فيه ولن يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلافنا فيه والسبب أن البعض منا أصبح مرتهنًا لأطروحات بعض القنوات الفضائية المسمومة، فالحاجة اليوم إلى عقلاء لإدارة هذه الأزمة التي كادت أن تأكل الأخضر واليابس، فهل تعي فعالياتنا الدينية والسياسية خطورة الأمر وتمتثل لقوله تعالى: { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود:78]..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان