رئيس التحرير: عادل صبري 04:10 مساءً | الأربعاء 19 ديسمبر 2018 م | 10 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً
صديق رحل 2..!

ساحة الحرية

محمد ثابت

صديق "رحل" "2"..!

محمد ثابت 17 مارس 2016 13:23

لم يعد يحتوي الوقت من بعدك..!

تلك حقيقة باح بها أم يبح فإنها لتعمل بداخله، وقد كان الوقت من قبلك آناءً يفور فيتوسم فيه المزيد، إذ يلحقه، ينزل آناءه من فوق النار، نيران هذه الحياة ويجد فيما تبقى منه ما هو كاف ليواصل المسير بها، يعترف بإنه من قبلك لم يكن ليهتم بأمرين: الاول فوران آناء الوقت بالعمر والصداقة والمقربين منه، أما الأخير فإنه لم يكن يهتم بالشعور منه، صديقك يا هذا الذي كانه، هذا الصديق رتب العمر كما كان يسير في طرقات ودروب وشوارع مدينة "مغاغة"، والأخيرة لمن لا يعرفها إحدى مدن محافظة المنيا الكبرى، أدنى إلى العاصمة منها إلى الصعيد، زار صديقك المُتوهم في الصغر العاصمة نفسها المنيا فارتاح إليها، لكنه لما زار مغاغة اهتز وحزن، التمثال في منتصف الميدان المفترض بلونه "الطوبي" يمثل جندياً مجهولاً، إنساناً وهو بلون الحوائط الأسمنتية والعمارات، لون الجندي لون طوب الجدران..

لماذا يروي لك أنت ذلك .. هذا السؤال مختصر عدم قدرتيكما على التواصل، والجنون الباقي لديه بإنك كنت تصلح صديقاً له .. في مغاغة، وهو لا يقصدها على وجه الدقة والتحديد، لكنه كما في الوايلي، وبيلك دوزو، الشارقة والسوق الشعبي بأبو ظبي، حوالي الحرم المكي وبقلب بيت في الصدر أدخلك إياهم في كل المرات كان يعاني التيّه ألا أحد يعرفه في هذه المدينة، ومن وراء مغاغة "العدوة" مدينة لا تطل على الطريق الرئيسي الواصل بين العاصمة واسوان، مدينة مختفية تتبعها عشرات القرى، مثلما تتبع.. مغاغة.. مثال ..لتوحش المدن..وألف الخطوات للعابرين وضياع القلوب من بعد ورحيل الدروب الصحيحة من امامها!

هل تعرف يا صديقي المفترض إنك كنت لي كما "مغاغة" وكل مغاغة للغرباء، أكلتُ هناك وشربتُ، وشرحتُ دروساً للعابرين، وزرتُ أصدقاء قدامى وجدداً .. ولكني تهتُ أكثر!

كل القصة ومفتتحها أن أوان تسديد فواتير الحياة يجيئنا، على كل حال برغمنا، وإن حياة أراد إكمالها بك لما لا يستطيع يضطر إلى العودة لمراجعة البدايات، لما نصادف الخطا الاوضح في حياتنا ونريده تاجاً لها فلا مفر عندها من مراجعة الخطوات الأولى ..

مقدار الصداقة من قبلك كان يساوي حرص طرفين، وبك عرف أن الصداقة قد تكون عرضاً "فخاً" من أحدهما إذ نبالغ في رفضه .. نبالغ في عدم القدرة على نسيانه أيضاً، إننا إذ نبدو لديك، يا هذا، بالغي القسوة لا تستطيع تفاهماً معنا، وتضطر للمضي عنا دامعاً مرة بعد مرة، فذلك لإن عينيك محدودتي الرؤية لا تستطيعان رؤية الشفاف رغم طوب البناء الأقرب لتمثال الرجل المحارب في مغاغة، أنت يا صديقي كنت له وماتزال مغاغة، مدينة كابن الغريب إن رآها تبتسم .. سعد .. وإن بكت حزن.. لكنه عجز عن الحل معها، إنك استطعت اجتياز الشعور العادي بالآخرين إلى التغلغل بالخصوصية لكنك ظللت في المساحة الفارقة فقيراً وما ارتقيت ..

وقت سداد الفواتير يتعلق بآناس تعلقوا بحياضنا، أرادوا منا القرب ولم نرد منهم ذلك، ونحن نبتعد عنهم على مدار سنوات بعيدة من العمر كنا نبالغ في الإشفاق عليهم.. ولكنا نجد من الأعذار ما يكفينا لإن لا نكون لديهم .. باختصار كانوا بالغي النقاء ولم نردهم .. ولم تكن كذلك وأردناك .. أو ليست هذه مسيرة الحوائط الأسمنتية للمدن؟ أو ليست هذه خير صورة للزحام وأخلاقه، صورة ابتعاد وفراق النفس للنفس .. وإرادة القرب ممن لا تأنس النفس إليهم ولا تعرف فائدة في قربهم!

قديماً كانت الصداقة لديه مثل العطش.. فعل كلما أراد الارتواء ذهب إلى الماء، فعل تلقائي لا يحتاج إلى تنفس في الآناء وهو يفعله، فعل محدود لا يعاب به أو منه أحد، ولا يدعي حاجته مرتوٍ، إنك حينها كلون الماء .. بالغ الصدق، حتى ما به من بشرية لا يستطيع أحد رؤيته .. إنك كمثل تيهه في مغاغة عاماً ونصف العام يبحث عمن يدعوه إلى قلبه يتفهم عذاباته الصغيرة ..ورغبته في إسعاد كل البشر فيما هو لا يجد ما ومن يسعده .. هل كل القضية إنه في نهاية المطاف بعدما أضاع واحداً وأمامه صفر وربما آخر من أمثالك .. هل القضية إنه افتقر إليك؟ فلما جاءك وجد الكون ملوناً .. وهو الذي طالما اعتاد أن يشربه شفافاً، وجد ما في الكوب من ماء له لون، وهو لا يعرف في هذه الأثناء .. الاكواب الألوان .. ولو أدعيت إنها مبهجة .. إنه، أيا من اقترب واختار لك الذهاب، إنه أرادك واضطر إليك لكنه ما كان ليغير مفردات منظومة حياته لأجلك ..

في العمر تحدثتما من القلب مرتان لا أكثر .. لكنه باح لك بكل ما في القلب .. وإذ لم تسمح للسهم الصواب باختراق الصدر منك ل"تدنو" فإنه لا يستطيع إجبارك على الدنو لما لم ترده،وتلك الإرادة تتعلق بألا تتذبذب ولو لحظة.. هنيهة .. يظل فارسك ما دام بك نبض، وإنه لا يستطيع أيضاً الدنو ممن اختار البعد عنه بإرادته مرة لمجزوء من لحظة، تلك مسآلة لو تدري يا هذا بالغة التعقيد!

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان