رئيس التحرير: عادل صبري 05:10 صباحاً | الجمعة 14 ديسمبر 2018 م | 05 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

شكرًا لكم.. قتلتمونا معنويًا

بقلم: طارق عبد الجابر

شكرًا لكم.. قتلتمونا معنويًا

طارق عبدالجابر 12 مارس 2016 10:16

طلقات قاتلة بالنور والقلم 

تحرق القلب تخرق البدن 

حِيكت بذكاءٍ تقود للبكاء 

العين جاحظتان والدهشة مرتسمة

أفواه مقفلة والدموع تنهمر

قتلت ودفنت وشبحي يعاقبني

ردي في عقلي ولسان في أذني 

انا كتلة أتلقى رصاصات خائنة

 

تجسد الأبيات السابقة وصلة شجنٍ وحزنٍ شديدٍ لضحايا مثلي تعرضوا للاغتيال المعنوي، وأدى هذا الاغتيال إلى أن تتحول فلاشات الكاميرا الى رصاصات قاتلة لا تخترق لحم الإنسان وتنثر دمه فحسب، بل تحطم عظامه، وقد تنثرها في الهواء بعد حرقها في كثير من الأحيان.

وهذا ما حدث لي ولآخرين، في عملية  اغتيال معنوي تَمَّت تحت سمع وبصر الرأي العام. 

فيكفي لمن يقوم بالاغتيال المعنوي أن يحدد ضحيته من بعيد وعندما تتلاقى العينان يَتجمَّد عقلك من الرهبة ويعتصر الألم قلبك، كأنك ميت من هول الصدمة، ونبحث  فى عقولنا عن مَخْرَج ونقول ياليتنا كنّا هنا وننعم بحق الردّ.

ومنذ ايام قال وزير الداخلية فى مؤتمره الصحفي وقال (إنه لا تصالح مع كل من تلوثت يده بدماء رجالنا الأبرار من الجيش والشرطة) ولله الحمد لم أكن ومعي غيري طرفًا في أي صراع يذكر ولم ندعوا إلى العنف والاضطهاد أو إلى  الطائفية أو العنصرية .

  وإن كنت لا أنكر أنني انتقدت سياسات ولكن لم أدعُ إلى هدم الدولة.

من أبشع صور الاعتداء على حرمة إنسان أن يتم تشويه صورته مع بقاء أثر هذا التشويه ليصبح هو الوجه القبيح من لوحة كانت في الأصل ناصعة البياض جميلة البناء بديعة الشكل والمخبر.

أمَّا الاغتيال المعنوي الذى أتحدث عنه هو الذي يلحق الإنسان حيًا وميتًا بتشويه صورته وإشاعة الادعاءات الكاذبة حول سيرته وإنجازاته تاريخياً فهذا أسوأ بكثير من الاغتيال الجسدي.

ولابدَّ أن نوضح أن صور الاغتيال المعنوي متعددة، منها قذف الناس بالباطل والافتراء عليهم والتدليس في أقوالهم، وبثّ أخبار كاذبة عنهم، وتحريف ما يقولون، ومنها تكفير المخالف وشحن الناس ضده عبر التهييج الذي يرتدى ثوبًا دينيًا أو وطنيًا مزيفًا، ليطعن في هذا الشخص، ويقلل من قدره عند الناس.

وبحسابات بسيطة وعملية لتغتال خصمك عليك بثلاث خطوات:

1- استحوذ على أقلام بعض المفكرين والأدباء ووَجّههم في بعض جرائدك للهجوم على الخصم.

2- أطلق دعايتك الخفية في المسلسلات والأفلام والبرامج التلفزيونية التي يتابعها العامة ضد خصمك.

3- شَوّه خصمك أدبيًا وخلقيًا ولك في أمريكا قدوة كما تَمّ إسقاط كلينتون ومن قبله اغتيال ريتشارد نيكسون معنويًا.


إن الاغتيال اليوم ليس بالرصاص أو بالسيوف ولكنه بالأقلام والحروف والحل الوحيد لتتجنب الاغتيال أن تمتلك ذلك القلم الذي تتخذه درعًا، فمن خلال استفحال دور الإعلام الخاص والحكومي وتوظيفه لقتل الخصم السياسي واغتياله معنويًا بل واستباحة دمائه في شاشات القنوات المقربة من النظام الحالي والسماح لكل صوت يدعو إلى قتل المعارضين أو من على شاكلتهم في موقفهم السياسي، دفعت الدولة في عالمنا الثالث بموقفها ذلك إلى خلق المظلة الشعبية الضخمة التي على أساسها ينطلق المواطن  في اغتيال خصمه السياسي بعيدًا عن المساءلة القانونية.

ويلاحظ أن الجميع سيدفع الثمن فإنكم في هذه الحالة لا تقومون باغتيال الشخص معنويًا بل تقومون بإعدام الوطن وقتل كل القيم.

في السابق كان من الممكن أن تموت حرقًا أو صلبًا فتصبح عظيمًا ويحبك الناس وقد تكون شهيد العلم وتطويك نفس الكنيسة التي أمرت بحرقك ولكن في عصرنا الحديث إذا أُحرقت مرة أُحرقت إلى الأبد.

في الواقع في عصرنا الحديث ربما يكون فلاش الكاميرا أقوى من ألسنة اللهب وهي تأكل لحوم البشر المُكَبَّلين في وتد خشبي فوقها وهم يتلوون في صيحاتهم وصرخاتهم!

ربما تكون أقوَى من السمّ وهو يأكل أمعاءك.

وقد يكون دوي الكلمة في الصدور أقوى من رصاصة جون ويلكس بوث في رأس إبرهام لينكولن.

الآن لا تحتاج للحشاشين لتغتال شخصًا ما بل تحتاج فقط قنوات إعلامية.

يمكنك أن تقصف بأقلامك وجرائدك وإعلاناتك ورسالاتك الخفية ألف فكرة.

كما قصفت أمريكا إيران في الفيلم الشهير 300 وكما قصفت هوليود العرب والمسلمين في عشرات الأفلام.

إن الاغتيال اليوم ليس بالرصاص أو بالسيوف ولكنه بالأقلام والحروف والحل الوحيد لتتجنب الاغتيال أن تمتلك ذلك القلم الذي تتخذه درعًا وسيفًا لتنتصر سياسيًا.

إن الاغتيال الآن قائمً بأساسه على تصفية الفكرة واغتيال الزعماء نفسيًا وذهنيًا أهم الآن من الاغتيال الجسدي.

إنّ الاغتيال اليوم ليس بالرصاص أو بالسيوف ولكنه بالأقلام والحروف والحل الوحيد لتتجنب الاغتيال أن تمتلك ذلك القلم الذي تتخذه 

فى النهاية نقول رحبوا بِنَا فى عودتنا الى الوطن بدلاً من أن تغتالونا معنويًا.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان