رئيس التحرير: عادل صبري 01:03 مساءً | الخميس 13 ديسمبر 2018 م | 04 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

عالجوهم أو اعزلوهم

عالجوهم أو اعزلوهم

ساحة الحرية

طارق المهدوي

عالجوهم أو اعزلوهم

طارق المهدوي 02 مارس 2016 15:38

(1)

عندما يصاب الجسد البشري بالمرض في أحد أعضائه أو إحدى وظائفه يشعر الشخص المصاب بآلام مرضه فور حدوثه ويسعى منذ اللحظة الأولى لمكافحته وصولاً إلى تعافيه واستعادة توازنه الجسماني المفقود، وينطبق ذلك أيضاً على العضو المسمى بالدماغ الذي تتم معاملته تشريحياً باعتباره من مكونات الجسد البشري، أما عندما يصاب الدماغ البشري بالمرض في وظائفه العقلية التي تشمل الإحساس والضمير والإدراك والتفكير والإرادة والطموح والذاكرة وغيرها، فإن الشخص المصاب يتضرر بشدة تتجاوز كثيراً ضرر المرض الجسدي لكنه لا يتألم نظراً لتعطل وظيفة الإحساس لديه تحت وطأة مرضه العقلي، تاركاً المحيطين به والمتعاملين معه يعانون آلام مرضه فيسعون هم لمكافحته وصولاً إلى تعافيه واستعادة توازنه العقلي المفقود، رغم صعوبة ذلك في ظل مقاومة الشخص المصاب ذاته لغياب إحساسه بحقيقة أن مرضاً قد أصاب إحدى أو بعض الوظائف العقلية لدماغه، وتزداد الصعوبة حسب عمق الإصابة والمدى الزمني لاستمراريتها قبل ظهور العلامات الدالة عليها وحسب اتساع نطاق تداعياتها حيث يمكن لمرض عقلي واحد إتلاف عدة وظائف دماغية في الوقت ذاته، وأيضاً حسب نوع الإصابة ذلك أن خريطة الأمراض العقلية المعروفة تتسع لتشمل الفصام والاكتئاب والهيستيريا والارتياب والوسواس القهري إلى جانب الانحراف السلوكي المزمن، المتمثل في بعض أو كل حالات الاستعلاء والدونية والاستحواز وانعدام الإحساس وفقدان الضمير وفي الهوس بما هو حقيقي أو خيالي من أشخاص وأشياء وفي الاستمتاع بالتأذي أو بأذى الغير أو ما شابه، وفي الوقت الذي اختارت فيه المجتمعات البشرية التقليدية مبكراً عزل مصابي الأمراض العقلية بمجرد ظهور العلامات الدالة على خطورتها، فإن الأجهزة الإدارية لمختلف حكومات العالم الحديثة قد اختارت محاولة علاج الأمراض العقلية بواسطة منظومة متكاملة تضم ثلاثة محاور متشابكة، للتحكم في المرض داخل الدماغ عبر الجرعات الكيميائية والكهربائية والإشعاعية المحددة التي يشرف عليها المتخصصون في الطب النفسي، وللتحكم في السلوك الخارجي الناجم عن المرض العقلي عبر جلسات الإقناع والإرشاد والتوجيه المبرمجة التي يشرف عليها المتخصصون في علم النفس الفردي، وللتحكم في إعادة دمج المريض العقلي داخل أوساط المحيطين به عبر الخطوات التدريجية للتأهيل المجتمعي التي يشرف عليها المتخصصون في علم النفس الاجتماعي، ولمنظومة علاج الأمراض العقلية سلم وظيفي يحتل المتخصصون في الطب النفسي رأسه يليهم المتخصصون في علم النفس الفردي ثم المتخصصين في علم النفس الاجتماعي، وفي مصر المعاصرة فإن المنظومة والمعازل العلاجيين المذكورين يتبعان معاً أحد الأجهزة السيادية وهو الجهاز المعروف باسم "مؤسسة الذكاء السياسي"، والذي يستخدمهما معاً ضمن أدواته الإجرامية المسئولة عن تلبية مساعي نظام الحكم غير المشروعة للسيطرة على النخبة والجماهير عبر تحسين الصورة الذهنية المجتمعية بتزييف الوعي الجمعي، علماً بأنني شخصياً ولأسباب تاريخية عديدة كنت ومازلت الأكثر احتكاكاً مع ذلك المثلث بجميع مكوناته دون الوقوع داخل أي من أضلاعه السياسية أو العلاجية أو المرضية مما كشف أمامي الكثير من جوانبه الخافية على الرأي العام!!.

(2)

يوم السادس من أبريل عام 1985 قاد المشير عبدالرحمن سوارالذهب انقلاباً عسكرياً ناجحاً في السودان أطاح بالمشير جعفر النميري بعد أن ظل متربعاً على حكم بلاده ستة عشر عاماً، فهرب النميري إلى مصر حيث استضافته "مؤسسة الذكاء السياسي" داخل أحد القصور الفاخرة المنهوبة من توابع الأسرة الملكية بضاحية "مصرالجديدة" القاهرية المتميزة والتي أصبحت عقب أيلولتها للمؤسسة تسمى "البيوت الآمنة"، ولكن الضابط السابق نميري سرعان ما أدرك بحسه الأمني العسكري أنه كان قد تم تحديد إقامته تحت المراقبة اللصيقة المتواصلة بين جدران القصر كما اكتشف لاحقاً فشل كافة محاولات فك قيوده فاستسلم لقدره منتظراً حدوث معجزة، وفي تلك الأثناء كنت أعمل كخبير معلومات خارجية بالهيئة العامة للاستعلامات التابعة لرئاسة الجمهورية مع عمل إضافي كمراسل لبعض الصحف العربية والأجنبية من القاهرة، في محاولة هادفة إلى تحسين دخلي المالي نظراً لامتناع قادة جهة عملي الأصلية عن منحي الحوافز الإضافية التي تمنحها لزملائي المتجاوبين معها تحت مبرر استمرار مشاغباتي السياسية والنقابية والمهنية، فإذا بكل الصحف التي أراسلها مجتمعةً تطلب مني إجراء أحاديث صحفية مطولة ومصورة مع رئيس الجمهورية السوداني السابق المقيم في القاهرة "جعفر النميري"، وعقب استيفائي لاحتياجاتي المعلوماتية الأساسية عنه كان لابد من تحديد موعد اللقاء المخصص للأحاديث الصحفية عبر اتصال هاتفي حشوتُه بنكات وقفشات ومداعبات وتعليقات ساخرة سبق علمي أنه يحب سماعها وإلقائها، فشجعته تلك المودة الهاتفية على مطالبتي بتهريب بعض ثمار المانجو سراً إليه لأن أطقم الحراسة تمنعها عنه تنفيذاً لتعليمات الأطباء دون علم هؤلاء وأولئك مدى تعلق السودانيين بالمانجو، ولا أنسى إذ نسيت حرارة احتضانه لي شاكراً فرحاً عندما سلمته ثلاث حبات مانجو كبيرة وإصراره على أكلها قبل إجراء الحديث الصحفي حتى لا تراها أطقم الحراسة فتصادرها وحتى يتسنى إخراج بقاياها داخل صندوق الكاميرا لإزالة آثار عملية التهريب، وتكررت الزيارات والأحاديث الصحفية وعمليات تهريب المانجو حتى طالبني ذات مرة بتهريبه هو شخصياً للجلوس على أحد المقاهي أو الكافيتريات المجاورة بعيداً عن أطقم وإجراءات الحراسة التي تفسد عليه متعته، وبحسه الأمني العسكري رتب كل تفاصيل خطة هروبه فأنا سأحضر إليه بعد اتخاذ الإجراءات المعتادة للحصول منه على حديث صحفي مصور ومعي شخص يشبهه سوف ينتحل صفة المصور الصحفي، وهو الشخص الذي سيبقى في القصر ريثما يخرج النميري معي لنجلس سوياً على كافيتريا "أمفتريون" الكائنة بميدان "روكسي" الملاصق للقصر، مع ضرورة ابتداء العملية وانتهائها خلال نفس وردية الحراسة لضمان عدم إبلاغ طاقم الحراسة لقياداتهم خوفاً من اتهامهم بالتقصير الأمني لاسيما وأنهم سيشاهدونه حتماً خلال دخوله من باب القصر أثناء عودته، وتم بنجاح نموذجي تنفيذ تلك الخطة التي منحتني فرصة الجلوس الحر مع الرئيس السوداني السابق "جعفر النميري" لمدة ثلاث ساعات بعيداً عن الحراسات والمراقبات والتدخلات الأمنية، ومع أكواب البيرة انطلق لسان الرجل يحكي لي ما لا يعرفه الكثيرون ليس فقط عن السودان ولكن أيضاً عن مصر، ثم سألني بشقاوة طفولية عما هو أجمل موجودات الحياة فأجبتُه بحكمة مصطنعة أن الأمر نسبي حسب العشق الشخصي فهناك من يراه المال وهناك من يراه الجنس وهناك من يراه الشهرة وغيرهم، وأضفتُ ساخراً وأنا أشير إليه وهناك أيضاً من يرى أن المانجو هي أجمل موجودات الحياة فالناس فيما يعشقون مذاهب، فاعتدل فوق مقعده ليخاطبني مستخدماً اللهجة السودانية الآمرة قائلاً: "يا زول حلبي هاي أنتا ماهو فاهم الفكرة...سنجر في البمبر وشلوفة ما تكورك...هسا نوريك الحاصل شنو"(*)، وبوضوح وبساطة شرح لي النميري فكرته التي مفادها أن السلطة هي أجمل موجودات الحياة لأنها تضمن لصاحبها المال والجنس والشهرة وغيرها معاً كما تضمن له المانجو أيضاً!!.

(3)

كشف لي صديقي "جعفر النميري" عن قصد أو غير قصد حقيقة المرض العقلي الذي يصيب أصحاب السلطة وهو الانحراف السلوكي المزمن المتمثل في السعي للاستحواز على كل الموجودات الجميلة في الحياة، هذا السعي الذي يدفع أصحاب السلطة نحو ممارسة الفساد والتبعية اللذان يحتاجان لتغطيتهما بممارسة الاستبداد كما يدفعهم أيضاً إلى التصادم العنيف مع الشرفاء من أصحاب تلك الموجودات الجميلة، الأمر الكفيل بشرح ما يحدث في مصر الآن حيث تواصل السلطة الأوليجاركية بأجنحتها العسكرية والشرطية والقضائية والدبلوماسية ارتكاب الانتهاكات التعسفية الشاذة ضد بعض رجال الأعمال وسيدات المجتمع المخملي ومشاهير الفنانين والكتاب، بدافع من الانحراف السلوكي المزمن الذي يوسوس للمريض بأنه طالما يعتلي السلطة فيمكنه اعتلاء الآخرين جميعاً الذين يجب عليهم الخضوع لرغباته ونزواته تحاشياً لأذاه وافتراه لاسيما لو كانوا من تلك الفئات المميزة اجتماعياً، ويمكن بسهولة استيضاح تجليات هذا المرض العقلي في العديد من النماذج الصارخة المحيطة بالمصريين المعاصرين، وإذا كان الحل الأمثل هو الإسقاط الجذري لسلطة الأوليجاركية المريضة والإطاحة بقادتها ورموزها وتوابعهم المرضى نهائياً، فإن الحل الأسرع هو الضغط من أجل إخضاع أصحاب تلك السلطة إجبارياً إلى فحوص طبية عقلية دورية حقيقية مع إجراء نفس الفحوص على الراغبين الجدد في الالتحاق بهم، لعلاج الحالات التي يمكن علاجها واستبعاد الحالات الميئوس منها بعزلها من مواقعها السيادية ونقلها إلى مواقع وظيفية عادية بعيدة عن الاحتكاك المباشر مع المواطنين!!.
 

(*) ترجمة العبارة هي: "انتبه لي أيها الأبيض لأني سأشرح لك فكرة هامة مازالت خافية عليك"

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان