رئيس التحرير: عادل صبري 10:02 مساءً | الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م | 09 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

الأوسكار ودولة المماليك

الأوسكار ودولة المماليك

ساحة الحرية

كاريكاتير مصر العربية

الأوسكار ودولة المماليك

محمد حسين 01 مارس 2016 07:58

تابع الكثيرون من بقاع شتى على سطح الكوكب الحفل الأخير لجوائز الأوسكار. تلك الحفلات التي في أحيان كثيرة تتعرض لقضايا سياسية أو اجتماعية تمس قضايا المجتمع الأمريكي في الماضي، وتطورت لتتناول قضايا عالمية تخص الإنسانية مواكبة لعصر العولمة والتطور الهائل للتكنولوجيا التي بدورها جعلت من يجلس على مقعده في أقصى المشرق يعلم عما يجري من أمور في أقصى المغرب في حينها ووقتها. وليس هذا بأمر يثير الاستغراب، فإن الفن طالما كان هو أحد الأدوات الرئيسية الهامة في التأثير على الوعي العام والثقافة في المجتمع، إن لم تكن أهمها على الإطلاق.
في الماضي، وتحديدا في عام ١٩٧٣، وفي عامها الخامس والأربعين، ذهبت جائزة الأوسكار أحسن ممثل في دور رئيسي لمارلون براندو عن دوره الرائع لشخصية “ڤيتو كورليوني” في ثاني أفضل أفلام هوليوود “العراب” أو The God Father، وربما في السينما العالمية عموما، لكنه فاجأ الحفل بعدم الحضور، ليكتشف الجميع السبب الحقيقي عندما تقدمت السيدة ساشين ليتلفيذر المنحدرة من قبيلة الأباتشي (أحد قبائل الأمريكيين الأصليين الذين يطلق عليهم عن جهل من البعض “الهنود الحمر”) على المسرح أمام الحضور جميعا، رافضة تسلم الجائزة نيابة عن مارلون براندو، لتقرأ عليهم على لسانه أنه “لا يمكن له  أن يقبل تلك الجائزة اعتراضا على المعاملة التي يلقاها الأمريكيون الأصليون في دائرة صناعة السينما”. 
تلك القضية التي تسببت في تسليط الضوء على قضايا الأمريكيين الأصليين والمعاملة التي يلقونها عموما في المجتمع الأمريكي، وبرغم أنها تسببت في موقف سلبي حاد تجاه تلك السيدة، والتي في الأصل هي ناشطة حقوقية في الدفاع عن الأمريكيين الأصليين، وأيضا عضوة في اتحادين قويين، إلا أن ذلك لم يوقف كرة الثلج التي لاحقا غيرت بشكل نوعي نظرة النخبة والمثقفين، وبعض العامة، تجاه الأمريكيين الأصليين.
في حفل الأمس، وبعد مرات عديدة من ترشح الممثل ليوناردو ديكابريو لجائزة الأوسكار، حصل عليها أخيرا كأحسن ممثل عن دوره الغير عادي في فيلم The Revenant “الشبح” أو “العائد من الموت”. البعض رأى في السابق أن حرمانه من تلك الجائزة كان ظلما. وقد ظن البعض أنه بدت له فرصة سانحة عندما تقدم إلى المسرح ليتسلم الجائزة في الدفع بكلمات تؤتي له بحقه المهضوم في الماضي، إلا أن ليوناردو فاجأ الحضور جميعا بالحديث عن قضية عالمية ومشكلة يواجهها العالم أجمع وهي مشكلة التغير المناخي التي تهدد الكوكب وتهدد كثير من الأحياء على وجهه. 
في نفس الحفل، خرج على العالم كله السيد. جو بايدن، نائب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من أن هذا الحفل على مرأى ومسمع كل دول العالم، فلم يجد حرجاً من التحدث في قضايا العنف الجنسي والتحرش التي يقع ضحايا لها من السيدات والرجال، في الحياة العامة والجامعات، طالبا من الجميع التصدي لتلك الجريمة، ومؤكداً أن تلك الجريمة تقع على عائق من ارتكبها وليس للضحية ذنب فيها. 
تأخذنا تنهيدة حارقة للصدور عندما نقارن بين هؤلاء الذين لا يؤثرون فقط في وعي الشعب الأمريكي، وإنما في وعي الكثيرين من هذا العالم، وبين ما بلينا به من مصائب أتت في شكل أفراد في مصر على أصعدة كثيرة يأتي على رأسها السياسي والفني.
يتذكر الكثيرون منا سوزان مبارك عندما خرجت على الجميع في بداية تحول التحرش إلى وباء وظاهرة في المجتمع المصري لتقول أن مصر لا يوجد بها تحرش وأنها - كالعادة - مجرد “حوادث فردية”. ومن كانوا منخرطين في العمل السياسي إلى عام ٢٠٠٥ تحديدا يعلم أنها لم تكن فقط ظاهرة في شوارع مصر، وإنما بدأت كمنهج “دولة” في مواسم الانتخابات بقيادة وزارة الداخلية “المعروفة بوزارة الحوادث الفردية” حتى يضمنوا بقاء نصف المجتمع في منزل - مقاطعة بالإجبار - حتى أصبح التحرش ليس فقط ظاهرة، وإنما منهج تتبناه أحد جناحي “القانون”، يقف وراءه السفهاء والسفلة ممن يسمون “النخبة” ورجال القانون لائمين الضحية بسبب “لبسها”! 
وليس ببعيد تلك اللحظة التي خرج على العالم فيها الجنرال عبد الفتاح السيسي يهذي أمام المحاورة التي سألته عن “كشوف العذرية” مجيبا لها معللاً تلك الجريمة بقوله: “هؤلاء البنات لسن كبناتي وبناتك”، وكأنه لا يدرك الفرق بين جلوسه على “مصطبة اللت والعجن” وبين الحوار مع محاورة السي إن إن ليدلو في جهل بقول تخطى حدود الفضيحة. وقد لا نلوم عليه لأن قدراته العقلية المحدودة لا تقف عند ذلك، وإنما يبهرنا كل مرة بنقض حاد في المنطق وغلو شديد في الجهل عندما يتحدث في أي قضية مصيرية تهم الأمة المصرية، اقتصادية كانت او اجتماعية او سياسية، في أي خطاب من خطبه.
ثم لا يحرمنا على الصعيد الفني المطرب العاطفي هاني شاكر، “نقيب الموسيقيين!” الذي حول الموسيقيين لمخبرين بـ “الضبطية القضائية”، من مفاجآت دولة الكفتة لفرعها الفني عندما خرج علينا بمعلوماته الفذة عن موسيقى الميتاليك باعتبار عازفيها “عبدة شيطان”.
وعلى صعيد “القضاء” قولاً وفعلاً، المنحل بطبعه، لازلنا ونحن نتعامل مع القرن الواحد والعشرين نرى قوانينا همجية سافلة يحكمون بها على كل كاتب أو صاحب رأي بالسجن، حتى وصلنا لمحاكمة أطفال بقانون لا يقل سفالة عن هؤلاء المطلق عليهم “قضاة” إسمه إزدراء الأديان، تلك الأديان التي في الأصل تزدري بعضها بعضا.
فرق شاسع وبات مخيفاً، ومحزناً. بين دول شعوبها تعيش ديموقراطية تصنع ساسة وسياسات ومجالات وأفراد تعود عليهم بالإيجاب في كل سلبية تطرق حياتهم، يواجهونها بكل شجاعة ولا يضعوها خلف ظهورهم متعللين “كالبهائم” بكونها “عيب” أو “فضيحة”، حتى وإن كانت المواجهة أمام العالم كله، وبين مجتمعات تم أخذها رهينة لصالح مجموعة من الأفراد المسلحين يحركون بدورهم مجموعة من الأفاقين، بعضهم الفنانون، لا يتوانوا في تزييف الوعي وتجهيل الناس وتدمير الثقافة ووضع السلبيات فوق السلبيات لمجرد خدمة مصالحهم السافلة التي تتعارض مع مصلحة المجتمع.
أو باختصار، فرق بين دولة ديموقراطية ودولة تقع تحت حكم المماليك!
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان