رئيس التحرير: عادل صبري 08:01 صباحاً | الأربعاء 19 ديسمبر 2018 م | 10 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً
هذه النفس 14ـ14..!

ساحة الحرية

محمد ثابت

هذه النفس "14ـ14"..!

محمد ثابت 29 فبراير 2016 14:07

.."عرض عليه صداقته لغير غرض من أغراض الحياة الدنيا فتشكك في صدقه، وسريع عرضها عليه، وسخي عنفوانها.. لكن إدمان الأول طرق أبوابه.. عوّده على ملاقاته لفترة من الزمان ليست طويلة، وبعد الفراق التام، لما اكتشف الأخير أن الصديق "المفترض" يعبث، أبقى كلمات في نفس "الطرف" الذي لم يدعه إلى صداقة.. وتحمل تبعات آماله فيه .. في صمت"..

تحتمي بأشيائك القديمة، التذكارات البسيطة التي طالما اسعدتك، زجاجة العطر من سوق دمشق الحرة، بطاقة السحب الإلكترونية ببنك خلف الناصية بباريس، كتاب الجغرافيا المغرق في العمق الذي لا تدري لماذا اشتريته من ميلانو، نسخة عصرية من أحد الكتب المقدسة.. الترجمة شبه الأدق، تذكرة سفرك من الحي القديم بمدينة حلمك وميلادك الأولى حتى العاصمة، صورة بالغت في الابتسام فيها إلى الكاميرا ربما لتثبت لنفسك في نهايات العمر إنك كنت سعيداً طوال الوقت، تستنجد بأرقام هواتف الأصدقاء، أولئك الذين يتذكرونك، فقط، في الملمات والمصائب، تدور في ذهنك الأفكار، ماذا لو أنك اتصلت بهم وأطلت معهم؟ هل سوف يستقبلونك بالترحاب كما كانوا يفعلون معك في سابق عهدك بهم؟ إن مكاناً ما من نفسك، تلك التي هي أقرب للعقل والروح يطبق عليك، يطالبك بمعالجة خلله، ذلك إنه يبدو الآن لك كشجرة نبتت في جوف التكوين غفلة، ليس لها من حيز الوجود إلا الإطلالة العملاقة، فيما مكانها منك بالغ القصر والحيز المضغوط، أفي زمن تراجع الشعور وفيض التخلي تجىء أنت لتقول إنك ألتحمت بشخص ما وكنتَ تريد منه أن يعايشك ويعاودك أكبر مدى ممكن من العمر؟

إنك أنت صاحب العقل الشجي، أو تظن إن قصص الصداقة والتقارب، وأدبيات الإخوانيات تساوي أن يظل صديقاً لآخر مدى العمر؟ ماذا لو انحسر النهر إذن؟ ماذا لو ان الرجل الذي كنتَ تظن وإخواتك صغاراً إنه يفتح صنبور المطر من بيته، ويغلقه كيف يشاء، ذلك لمجرد إنك رأيته يدخل مكاناً فينهمر المطر من بعدها، ويخرج فيصمت تماماً، ماذا بعد أن انفصلت تماماً عن إخوتك.. وصار البعد عنوان الزمان والمكان منك ومنهم؟!

لم يكن للحياة أن تقر قرباً، أيا صديقاً ذاهب في البعاد خلف الغمام، يا هذا الذي أمعن في فتح الباب للأصدقاء دون إثبات لعناوينهم، دون أن تتأكد من أرقام هواتفهم، ومقدار معالق السكر في فنجاين قهوتهم، كي تعرف يوماً ما إن اجتمعوا جميعاً .. هل دفء مشاعرك يكفيهم بخاصة إذا قلت عندك القهوة، وألتحفت بدمشق فلم تجد منها حتى الريف، أو عندما تفر عدن من صنعاء، وطرابلس من سرت وفزان، يوماً لا تصبح سوسة جديدة .. وتعود "تونس" العاصمة إلى حيث كانت، يوم لا تجد دفئاً في اسيوط، ولا ألقاً في حي الهرم.. أو تسأل حينها عن عناوين أصدقاء تدخلهم حياتك؟

أعرف إن سر ذياك الفشل باختصار إن لا مكان لي لديك، باختصار استنفذت الرصيد مبكراً على أرصفة متناثرة..لا شىء في الشعور يعود كما كان، صارت لك حبات مرمر بعدد شعر رأسك .. وتريدني أن أقنع نفسي إن فشل الثورات سيعيد إنبات شعر رأسك من جديد .. لا كان الجديد الذي يلاحقني فيك فيما النسخة البالية من العمر بين يديّ!

سافرت بعيداً لما تأكدت من فشل الخطة، وغرق البديلة، وتيّه الصادقين، رحلت وما قلت، وجئت وما حضرت، وغفلة أردت إثبات الغياب منه؟

لا تدري إنه لا يحب لعبة اختفاء الحاضر، وغياب المخفي أصلاً، يا هذا، للقرب أصول كما للانسحاب طقوس تختلف ببصمة كل إنسان، أما تلك البصمة التي أدمتك فإن لها تكويناً ما كان ليعز عليك ..

نلتقي أنفسنا في مرآة غيرنا، ليست تخصنا، لكن الصورة تلتصق بالذهن قليلاً فقليلاً قبل أن تنمحي، والحل لا المرايا ستبقى، ولا نحن سنعود إليها، ولكنا كنا هناك فما الحل؟

حينها تسأل المنيا عن الحُديدة، المنامة عن مكناس، المدينة المنورة عن وهران، نواكشوط عن الصحراء الغربية، كتلك اللحظة التي ينمو الشعور منا برغمنا نحو هفوة مسافرة، لن تبقى وليس من السهل أن ننساها.. وهل كان لهذه البلاد أن تلتقي بعضها بعضاً؟ لم تكن ولكنك كنت نجم لياليها .. فيما أنت قمر من بعاد لن يأتيها، وشك كبير فيك أن تعود، مجرد ألتصاق صورتك بسطح محدب أو منقعر، أو حتى كما هو، ذلك ماكان الآن ليكون ..

يحفظك بداخلك يلصق البعاد بك رغم إنه المبتعد، يتخيلك كما تتخيله، يمر الوقت به بطيئاً يقوده، فقط، إلى العدم.. فيما يقودك لتحقيقه في الآخرين، كل القصة إنه يعذر لجانب الشمس المشرق إن لسعته نيرانه.. إنها مشرقة وما كان لها أن تكون إلا على هذا الحال، يستبعد جنوح النيران من لبنان، وصعدة، الرياض ومصر القديمة، المنشأة والحي الأموي، كل ما في الأمر إنك اختفيت لديه في وقت كان كأقصى ما يمكن أن يريدك فيه، وقت هجرة المدن وافتقادها.. كانت مدينتك عنه بعيدة، كانت تخطط لتوريطه، لذوبانه في محالليلها، كل هذا ما يفيد، كانت مدينتك هنالك حيث أراد هنا، ولما استوت الأمور على الجودي وانتهى الامر بقيت منه غريباً في الخارج .. لصيقاً في التكوين.. أكان لك أن تكون؟

تلك أسئلة الوجود لا مفر من تناسيها ..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان