رئيس التحرير: عادل صبري 06:11 مساءً | الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م | 05 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية
هذه النفس 7..!

ساحة الحرية

محمد ثابت

هذه النفس "7"..!

محمد ثابت 04 فبراير 2016 16:21

كم سعتْ القدمان إلى آناس وكم جاء سعيها مناسباً؟

وكم طار الوجدان إلى آخرين وحلق قريباً من دورهم ونواديهم ومدنهم وأخضر مآقيّهم.. وبني اللون من إنسان العين .. أو لم يحدث ثم عاد مٌسلماً شراعه إلى العقل ومعترفاً بإنه "كأن" لم يطر ولم يحط الرحال قريباً أو بعيداً ؟.. ثم انتهى الأمر عما قريباً..

كم من حقائب سفر أعددناها على عجل أم على وجل، ولكننا أعددناها مسرعين، وجهزنا "مطايانا" .. ونزعنا أقمشة الحفظ عن سياراتنا وجهزنا الروح منا لبعيد بلاد .. ولحُلم بالغ الصفاء والنقاء بإنا سنلتقي في تلك البلاد الغائبين الذين لم يأتوا الحياة بعد، ولم نلتقهم إلا في كتبنا والأوراق، وبعد مكالمة هاتفية، أو قفز حقيقة إلى التصور عبر موقف تناسيناه أو استدعاه آخرون إلينا قررنا التراجع إلى حين غير معلوم مضحين بالرحلة وما فيها .. ومن كان سيستقبلنا في الطريق إليها..

سفر قريب أو سفر قاصد في الحالين اعتدنا البعاد عن أنفسنا، وعدم مصافحة الحياة على الطرقات، ورؤية الذين يتعجلون في النهل من مكوناتها، والسعي خلف كل لقمة يرونها "سائغة" فقط تسد جوعة ..في الحياة أدمنا مقعدنا من الذاكرة بعيداً عن ذاكرة الآخرين اللذين يتقلبون في "أحوال" الدنيا، لا يريدون لها فناء، ولا يقدمون لها يداً، ويبقون فيها عالة على دماء الآخرين يمتصونها، ولا يعترفون بخطأ أو تقصير، وكيف وحياتهم، هم أنفسهم، الخطأ والتقصير المستديمين.

كان قد اعتاد، أيا صديقاً أقترب، العزوف عن الحياة، والبعد عنها، عن مركبها الذي طالما أضناه، سواء أكان عبر قلوب بشر ما درى كيف تسير، ولا لماذا تقبل فتات الفتات من الدنيا، ولذلك في صمت كم أجاد "بري" سن رمحه ودقق فيه، أراد له ومنه دائماً أن يكون "مصوباً" نحو الزهراء من النجوم، والشامخ من الغيوم، ولم يكن ليرضى إلا بارتشاف أول قطرة مطر من المُزن تهبط، كنت بالنسبة إليه واحداً من أمطار السماء، خلق من خلق الله، ولكنه عاش أغلب عمره يرى قطرة المطر إن اختلطت بالتراب فإنها لم تخطىء ولكنها بمؤدى الحال، بلسان كينونة الحقيقة فإنها اختلطتْ بالتراب، ولكم كره كل مختلط بالأرض، قبله على حاله ولكنه إذ يتمنى.. لم يكن يتمنى أقل من أفق وعنان القادم من أعلى ..

في لحظة ما من صداقتك تخيل إنه استقدمك إلى عنان جواد جامح، وسرى بك وبجرحه إلى حيث لا مدى ولا حين لسريانه .. ولا لجرحه، رآك حينها "شراعة"، كوة، فتحة من فتحات الحياة لا تطل على الآمال ولا الحقائق، لا الحاصل أو المحال، وإنما تطل و"تطبل" على زاهر المحال، ما رحلت، ولا كشف عنها الخيال للخيال، الشجرة العملاقة الخضراء في مدينة شتاؤوها بالغ الصقيع، تبقى الشجرة بلا غطاء، وتصير أنت الغطاء، في قلب الجليد يصبح قلبها مريراً لإنها تراك حين تجىء سوف تلجؤوها إلى الحياة، وما حياة إن لم تكن في بؤبؤ عينيك، أيا قريب النفس، الشجرة لم تتمن لنفسها غطاء الخضرة يُطل عليها، وإنما تمنتك رداءَ من "أبهة" النجوم، ورونقاً من الق، ونسمة من ضياء تلف محيطها كله، تهبها ما هو اكثر من الحياة، تهبها الراحة المحالة وهي هنا ما زالت في حياة قصيرة فانية تُسمى الدنيا ..

كنت بمحبتك تهبّه ألحياة لا القصيرة القليلة هاهنا.. بل الباقية المستمرة المُحلقة من عال هناك، تجىء إليه بقطاف الجنة حتى الذاكرة، تلافيف العقل بك تتمادى في الوصول إلى عالم "ابن عربي"، وا"ابن الفارض" بلا جنوح أو أدمان غرابة معاني أو ألفاظ، بمنتهى الحيادية تعلو راية بيضاء بالنقاء وصحبة الأخيار ..

وبعد أن تهدأ رياح الصحارى، وتخفت نيران الحياة التي تلف الأوطان، من بعيد، من جديد تخرج، أمن حلم كان بك واستطال واستفاض ولم يعد له قرار .. ولكن البعاد عنك إذ يجىء نقطة آخر السطر فإنه لا يخدع نفسه بالفواصل..

أيا عزيزي ليس الأمر أن كلانا مخطىء في حق الصداقة، بل إن الصداقة مثل البشر سواء بسواء، إن لم تكن أنقى وأعلى ما فيهم راية، أيا رائع الوجود، صار سر الوجود الآن: كيف لا يمكن محو ظلمة تلك الصداقة بهدوء .. كيلا تبقى، ويتم انتزاع أطرافها بأقل ضرر ممكن، مثل موتى الأمنيات، والأشجار والأسود بل السباع تبقى الصداقة في لحظاتها الأخيرة، أو تظن إنه يمكنك بث روح الأمان في كيان بعد أن لفظ أنفاسه، خير لك وله أن تدفنه ..

اعتاد عمره ألا يزين كلماته .. وظنك تعينه على أمره لا أن تحاول أخذه إلى الخلف، أيا هذا، مضت عنكما القاطرة، فلماذا تحمّله عتاباً لم تعد أهلاً له، وتريد لقاء لإسباغ رائحة على نفس سافرت من أمامك حتى أماتتك فيها، ما جدوى الكلمات إذن؟

إن القلب الذي أبقاك منه طويلاً .. والروح الذي أردتك أدنى صديق، والنفس التي تاهت بك فخراً، كلهم الآن يعتذرون إليك إذ إن اللحظة لم تعد تليق بك أو لك، ولا عقارب للساعة تعرفك للأمام أو الخلف، ومحاولة فضك الأبواب بالقوة .. مردودة عليك ترهقك ليس أكثر .كنت عزيزاً لما كنت مزدهراً بأمانة الحديث وروح المجالس، لما أعجب منك بوافر الحياة، وما ظنه إغراقاً في واقع النضال، لكنك لما أسفرت عن وجه حقيقي لم تعد كما قال الرافعي "كل الناس" بل "ككل الناس" لا منجا لنا لما يطلب منا لملمة أرواحنا كمن أمام نفوس لا تريدنا إلا أن نفعل .. بقاؤوك بعد ذلك لا ترداه لك هذه النفس التي رسمتك في القرب عزيزاً وأردتك بعد المضي ببعض ذكرى "تلك" العزة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان