رئيس التحرير: عادل صبري 01:11 صباحاً | السبت 22 سبتمبر 2018 م | 11 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية
هذه النفس 6..!

ساحة الحرية

محمد ثابت

هذه النفس "6"..!

محمد ثابت 02 فبراير 2016 16:32

 بقدر ما كان بينكما من صداقة وقرب أضاء سنا حياتك بقدر عتابك عليه بعد مضيّه عنك، لن يذكرك بإنه ما ترك حائطاً شبه مُهدمٌ ولا آيل للسقوط في نفسك إلا وأقامه،

 

رثي لكل جدار غير قابل للحفاظ على كنوز الأيتام، وما ترك مصباح إنارة ليلي بلا وقود إلا أضاءه من الروح منه، وأبقى روحك في أوج درجات الازدهار، قال لك في قليل لحظات التواصل الخاص الخالص إنه ما يقبل لك أن تعتذر إليه، وإنك إذ تعتذر يُبادر هو بالاعتذار بالنيابة عنك .. ولم يدخر جزءً من الكلام فقال لك بوضوح: إنه إذ يسهر على مصابيح ليلك وينسى ليله ساهراً أكثر من مصباح في أنحاء المدينة الخاصة به مطفأ يعاني من الحرمان .. فيما هو قابع خلف كل مصباح يفكر في الخفوت لديك، يلاحقه بضوء الروح قبل الوجدان، ما يعطيك من الألق أقل من حنايا الدماء، يطرح روحه لدى جدار كل فقير.. رغم إنه لا فقير لديك ولا محروم، ولستَ ممن يشفقون على البشر قبل أن يشتكوا أو بعد أن يتمردوا، كل القصة لديك أن هناءاتك مقدمة على الحياة، وإنك عند نفسك وعند أصفيائك فوق الحياة..

   فيما يتوهم إن سنيّ العمر ساقته إلى صديق من ضياء ليس له مثيل كنتَ تخطط في سحب الضياء منه، فيما كان يراجع كل مليمتر من عمليات البناء الضوئي بكل ذرات اللون الأخضر من حدائقك وجنائنك، المتوهمة، كنتَ تمضي في مخطط لجلب الافتقاد إلى مسامه، يعرف شعورك بالفقد، بل يعرف شعور الروح منه إذ تميل إلى تمام النقيض منها، شعور كأنه لغز ما أدركه إلا لديك ومن خلالك، بل قل إنه عاش حياته، مهما كان بسيطاً متواضعاً بين آحاد وعشرات الناس، قلّوا أم زادوا، أناخوا مطاياهم ببابه أم أوغلوا في البعاد عنه، منذ الصغر، أيا قمراً فارق أعتابه، ونجماً خاف على نفسه من إدمانه.. لئلا يُمعنُ في الاغتراب عنه فيعيش مضناً مُعناً متعباً طوال حياته، ينسى حياته ويتذكرك، تتوه منه عناوينه ولا يجد إلا عنوانك، تنمحي الذاكرة منه لتصبح، أنت، ذاكرته وحائط أفقه وأقصى أمنيات لحيظات حياته..

   أو تعرف أم إنك لا تريد أن تعرف؟

أو تدري أم إنك لا تريد ان تدري؟

منذ متى وهو يعرفك؟

أنت تظن إنه فعل في النصف الثاني من عمره وعمرك، ولا تدري ولا تفطن إلى إنه يعرفك منذ صغر الصبا منه، كنت معه، أيا رفيق أحتاج إلى الرفق منك فافتقده، ألتقاك منذ كان يحاول الصعود إلى "شجرة التوت" ليذوق شهده وعسله غير مختلط بالتراب، بعد سقوطه على الأرض .. ولو سقط على أرصفة ترابها غير جلي ولا واضح، إلا أن افتراض الوقوع في حد ذاته كان يُضنيه، حتى لو وقع فوق الأرصفة كل مرة من جديد، كان يعرف لدى السيدة كبيرة العمر .. التي كانت تبالغ في الابتسام لما تراه من الطابق الأول من بيت جدته قائلة:

ـ تزهر الحياة لما تجىء، أيا حبيبي، باب "كُوكبْ" وقد ملّها العمر، ليتك يا ....، جئت بالسكر وزيادة منذ خط اللون الأسمر خطه في الشعر، لم أكن أعرف أن أباك سينجب مثلك قمراً، لو أعرف أني سألتقيك اليوم لما تمنيتُ من العمر أن يأتيني أمس ..!

   منذ كان يخاف من كلمات جدته "كُوكبْ" وكلمات أقرب محبيه لما يحكي لهم قصتها معه..يقولون له "أن" قل: " قل أعوذ برب الفلق" في وجهها، منذ المسجد الذي كان يذهب إليه بالغ القصر في القامة، منذ أن عرف "شيرين" ابنة مدير المدرسة الخاصة في بندر "دولته"، منذ محبة ابنة العم، وملل ابنة الخالة، منذ تلفتْ القلب بحثاً عن الحياة كنتَ معه، أيا مَنْ كنتَ عزيزاً هناك، في أعمق أعماق التجويف والتكوين منه .. هل تدري إنه في سنوات الجامعة خاصم جميع المحيطين به والمحيطات لأجل أن يأتي محيطك وهو غير مبتلٍ ولا مبتلى من قبلك، هل تعرف إنه انتظرك منذ آلاف النهارات في بني مزار والمنيا ومطاي، السنبلاوين والقاهرة وماسبيرو، وبين السرايات وكوبري الجامعة والوايلي والعباسية ومصر الحديدة، مدينة نصر والهرم والجيزة، كنتَ الأفق في منغلق الحياة لديه وإليه، بل إنه ما اختار قرار مصيرياً في حياته إلا لإنه نظر إليك يمنة ويساراً قبل اختياره، بحث عنك فوجدك لم تأت على الصورة التي يعرفها البشر.. وإن كنتَ أتيتَ منذ كثير على الصورة التي يعرفها.. فما وجدك هنالك .. فقرر المضي في اختياراته ..

   باح إليك أكثر مما يجب بأن الوجدان منه اختارك في غيبة من العقل بناء على شواهد الانتظار الأكثر من طويل، ولطالما أخطأ الوجدان ولم يخطىء العقل، وإن عقلاً لو أرادك لما أهدرك!

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان