رئيس التحرير: عادل صبري 09:14 صباحاً | الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م | 02 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً
هذه النفس 4..!

ساحة الحرية

محمد ثابت

هذه النفس "4"..!

محمد ثابت 25 يناير 2016 08:17

مئات الليالي عليك وعليه تمر، وتهدأ أنفاس الليل حين يتمادى الليل في بسط نفوذه على نصف الكون حيث يقيم، ويعرف أنك في هذا الوقت تكون في جزئه المضىء، ويخلو كل حبيب إلى حبيبه فيتعجب: كيف كان يحيا قبل أن يعرفك؟ وكيف كان ينام خلي البال.. مرتاح الضمير؟ يعرف إنه لم يظلمك في شىء، وإنه حرص عليك ربما أكثر بكثير مما حرصت على نفسك، وإنه نصحك فأخلصك النصيحة فتماديت في الدلال عليك حتى قال لك قبل المرة الأخيرة بمرتين أو ثلاث:

ـ هكذا الواحد منا لا يكاد يجد الإنسان المُخلص في حياته .. حتى إذا وجده أضاعه بمنتهى السهولة!

لم يبد ألماً عليك، وفطنت إلى مكانتك لديه، وغادرت المكان مطمئناً إلى علو قدرك، هكذا الحياة، أيا رفيقي، تخدعنا طوال الوقت، وتدس لنا سم التعقل في عسل العاطفة، كان يراقبك عن قرب مرة تلوى الأخرى، حرصك على استمالته أن تكون في فنجان قهوته الذي ما تعود أن "يتشربه" بلا دسم، فحاولت جره إلى مذاقه بملعقة من اللبن وأخرى من السكر، منك، أيا هذا كم تخوف مرة بعد الأخرى، لإنه كان يعرف وما يزال.. إن مركبته ما سارت في لظى أمواج الحياة إلا بفضل العقل منه، وإن الرياح الهوجاء بالداخل منه إذا ما أفاقتها صنابير الأمطار فلسوف تعصف أول ما تعصف بخيمته هو.. لن تترك وتداً على وتد، يعرف كم من درب مشى فيه وتاه من أجل أن يُحجمَ منه الوجدان، وإن يجعله في خلفية الشجرة، كما الجذور ممتدة في الأرض لكن لا تبدو لكل خائن غادر، شعر بإن وريده فوق مسام يده، وإنه في لحظة ما سوف يخونه قاتل محترف فيقطعه، لم يكن يريد الحياة لكن عز عليه ألا يطيع أمر الخالق الذي أمره بالحفاظ على شرايينه حتى يجيء موعد الوفاة .. إنك يا رفيق درب حتى حين كثير لم تعرفه ولم تعش معه، لم تلقه في درب باكياً هامساً بجرحه للسماء وحده، إنك لم تلقه من قبل وهو يبكي ويخيل إليه إن الكون كله تم اختصاره في مدامعه، وإن القطرات المالحة ما تصب منه إلى قانون الجاذبية وإنما تسافر داخل القلب فتنمو شجرة داكنة من قاسي الشعور، رغم إن معاناة العمر تجددت بمحاولاتك النفاذ إليه، وعدم راحته لما تفعل إلا إنه بالغ في التألم إذ يرى وتد خيمته تكاد تصل إليه، فيما ما يزال يثق في كنّه وماهية الحياة التي يعرفها لا فيك!

عنك في اللحظة الأخيرة تراجع، لما مرة بعد أخرى لاحقك بشدة، وعرف طبع الخائن الذي تخفيه، أشفق عليك ممن خانك من قبل وجعلك تدمن الخيانة مع مثله، فتسافر معه في نهر أطول من النيل والميسسبي حتى لتجعله يتقبل صورته في ظلام ليل النهر.. ثم غفلة تفور به مخرجاً وجدانك من داخلك مثبتاً إنه كان مخدوعاً، إذ يخرج عن شعوره، يلقي بالقلب منه في التيّه ويغادرك .. يشعر بسخافة وجهه على صفحة نيل أم درمان .. وبتيه المسيسسبي في شيكاغو، وبحلم النيل في طرابلس .. لكنه وهو يمضي يتسآءل ماذا كان في الكون يساوي ما فعلت أيا رجلاً لم يلق مثلك؟!

وبعد البعاد بآلاف الفراسخ ما يزال يشعر بإنه عنك مسئولاً، وإنه يحيا معك، رغم واضح خطأك فيه، يتعجب منك كيف أوتيت القدرة على خداع الخداع فيه، كان يعرف إنك تفعل، لا لحسن فطنته فيك، بل لعلمه ومعرفته التامة إن الحياة الدنيا لا تعطي السعادة التامة فيها، وكنت بالنسبة إليه راحة حورية من الجنة، وهل حوريات الجنة يأتين الدنيا؟ فيما كنت تتعمد خداعه كان يتمناك الملاك الذي يتخفى خلف زي الشيطان.. لا الشيطان الذي يتخفى في زي الملاك، لم يكن من سبب يدفعك لأن تفعل .. مثلما ترى اليوم ألا سبب يدفعه اليوم ليصر على مجافاتك .. مثلما بدأت الخطوة الأولى في قطع جذر محبته المضنية للوجود .. من حقه أن يمنعك من رؤية جذر الشجرة الذي أمعن من بعدك في دفنه!

لم تعش حياة سويّة أيا شبيه الأحياء من قبل، لو إنك عشت لعلمت إن الباب الذي تحكمه تلعنك الشجرة التي تمزقت احشاؤوها ورضيت أن تكون حاجزاً لتعطي الطمأنينة لمن يختبئون خلفه .. فيما أنت تحطم الباب وتريد من الشجرة أن تحبك ..

صديقي أهدر الخضرة في قلبه ويريدها في قلبي، ولا أكتمه سراً إنني إذ أوصد دونه كل الأبواب يعاتبني قلبي.. وإني ما صرت في درب بدونه إلا رأيته في الأفق يعاتبني مرة بعد أخرى.. ولكنه ما درى إن فاقد الشىء في المشاعر قد يعطيها أفضل من معطيها .. وإنه كان بإمكانه أن يكون فاختار أن يكون الفاقد المفقود، صديقي دل الناس على مكمن الضعف في تكوين الشجرة، وأشار إليهم على الجذور فلما قويتها جاء طالباً حقه منها!

صديقي:

سنلتقي في درب غير هذا الدرب .. نعم بين الرجال هناك غيّرة وإنني علم الله لأغار عليك .. فلا أريد أن ألقى أحداً يعرفني ويعرفك .. وإنني في يوم من الأيام كنت محور الاهتمام الرئيسي من حياتك، وإنك أفلحت في أن تكون لدي كذلك لأيام رأيتك الصديق الأوحد، وإني من كل صديق يشبهك لإنك توسطه أهرب ..

في درب ليس من الدنيا سألقاك ملاكاً تتخفى في ظل ملاك!

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان