رئيس التحرير: عادل صبري 02:35 صباحاً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية
إدمان الظهور

ساحة الحرية

محمد مدني

إدمان الظهور

16 يناير 2016 09:35

 

نعم أنا مخلوق مزيف ,مدمن للوجود ,مدمن للأضواء ,عاشق لرؤية نفسي أمام الكاميرات ,أنجبوني مثلما شئتم ,كونوني شريفا وداعرا ,كونوني ملاكا وفاجرا ,كونوني فدائيا وخائنا لكن لا تنسوني أمام الكاميرات والشاشات".

 

- خواطر داخل مشتاق للأضواء ,ذلك  المشتاق الذي سئمنا منه في أوطاننا العربية ,ذلك المرء الخاوي من أي ضمير ووعي وإنسانية ,ذلك المرء الذي تجدونه أمامكم في الشاشات والمحطات تارة بالشرف وتارة بالخرف.

 

- أول إدمان للظهور نجده في نواب لمجلس تم عقده من  وقت قريب في وطننا العربي ,فنجد فيه نوابا على دوام رفع أيديهم كي يطلبوا الكلمة ويرفعوا أصواتهم ويصرخون ويعارضون للاهدف ,المهم عندهم أين الكاميرا ؟!

 

- ثاني إدمان للظهور وجدته في امرأة تدعي أن العهر فنا و قد قدمت عرضا ما نتج عنه دخولها السجن ,وبعد خروجها تصعد مرة أخرى في إحدى أشهر البرامج الحوارية لكي تتلقى الإهانات على الهواء مباشرة ,ليس المهم عندها الإهانة المهم هو الظهور وبالطبع بالنسبة للإعلامي الذي استضافها الإعلانات والرعاة شيئا مقدس .

 

- ثالث إدمان للظهور وجدته في معارضة الفنادق ,جماعة من الناس يدعون أنهم سياسيين وشغلهم الشاغل الصعود على منابر الإعلام كي يوضحوا معاناة شعبهم ,ذلك الشعب الذي استمرأ القصف والحرق والتشريد واللجوء والقتل والنتيجة مجرد بيانات تنديد وشجب واستنكار ولا فارق بينهم .

 

- رابع إدمان للظهور وجدته في صحفي يغطي عزاءا لأحد الفنانين ثم يتشاجر مع شقيق الفنان الراحل لأنه صرخ وثار من عبثية تصرفات بعض الناس ,ذلك الفنان الذي نهش من رفاته الكثير والكثير ,اختلفوا معه وهاجموه كيفما شئتم وهو حي ولكنه الاّن هو في حضرة القدير الجبار الحكم العدل القادر على محاسبته لا شريك له في تلك المحاسبة .

 

- خامس إدمان للظهور في حفنة من الأشخاص على دوام الوجود أمام الكاميرات في المباريات والمآتم والانتخابات والأفراح ,يقفون دائما خلف الرجل المتحدث أمام الكاميرا فقط لينالوا شرف الظهور وبركته .

 

- نعم نحن أمام مشكلة الظهور أمام الأضواء ,مشكلة تكمن في أن هؤلاء الأشخاص يسعون نحو الظهور دون إفادة المجتمع بشئ جديد أو شئ أفضل وأنفع ,يعتقدون دائما أن الإنسان لكي يكون متميزا عليه أن يكون ملاصقا للشاشات دون أن يكون له موهبة أو أثر نافع أو عمل صالح ,لكن رغم كل هذا هناك نماذج قررت أن تعمل في كتمان مجبرين الاّخرين على التفوه بأسمائهم نظرا لجلالة أعمالهم .

 

- أول النماذج هى "هبة هلال السويدي" ,تلك السيدة الملقبة "بأم المصابين وسيدة الثورة" ,رغم ذلك هى ترفض الألقاب وترفض الأضواء ,كان لها دورا كبيرا في علاج مصابي الثورة العربية ,كانت حريصة على ان تتكفل بتكاليف علاجهم داخل المستشفيات دون مقابل ,ودائما كانت توصي أفراد فريقها المساعد في العمل الخيري بألا يتفوهوا باسمها أمام أية وسيلة إعلامية ,رغم ذلك أعمالها أجبرتهم على التفوه والقول بأنها "أم المصابين".

 

- ثاني نموذج هو الدكتور أحمد حسين وهو أستاذ بكلية الهندسة بجامعة عين شمس ,ذلك العبقري هو صاحب فكرة نقل تمثال "رمسيس" من الميدان في شهر يوليو عام 2006 ,ورغم ضخامة الحدث وجلالته لم تسلط عليه الأضواء والكاميرات ,أعتقد أن هذا لو فعل ما فعل في وطن مستنير بحق لكان من نجومه المتلألئة .

 

- ثالث نموذج هو الرقيب أول محمد عبد العاطي ,ذلك الفلاح المصري الأصيل الذي حاز على لقب صائد الدبابات بتدميره 23 دبابة خلال حرب أكتوبر المجيدة ,استشهد البطل بسبب مرضه بفيروس الكبد الوبائي "سي" في 9 ديسمبر عام 2001 ,كان البطل يعاني من عدم مقدرته على دفع تكاليف علاجه من هذا المرض اللعين !!!!!!!!!!

 

- نعلم أن هؤلاء مجرد خيوط بيضاء في ثوب مليء بالسواد الحالك ,نعلم أنهم شموع مستنيرة في أرض استمرأت على الجهل والغيبة والحرمان ,هؤلاء هم القدوة الحقيقية والنخبة الجليلة وواجب علينا أن نحيي ذكراهم وأعمالهم ,مثلهم أناس كثيرين يحبون أوطانهم ويعشون ترابه المقدس ولا يبخلوا عليه بالغالي والنفيس ,لكننا للأسف نحن العرب نعشق السطحية ,نعشق بريق الكاميرات وأضواء المشاهير ,ندمن على مسابقات الأغاني والتمثيل وكأن الفائز هو بطل الأبطال ومحبوب الجماهير .

 

- ختاما أقول لكم إن الخلود هو بالعمل الصالح لا بإدمان الظهور .

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان