رئيس التحرير: عادل صبري 02:45 مساءً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

أثرية صالحة للتفريط

أثرية صالحة للتفريط

ساحة الحرية

محمد مدني

أثرية صالحة للتفريط

محمد مدني 10 يناير 2016 11:35

- “لا أريد أن أسمع أي كلام ,لا أريد أية ردود منك ,عرضك فاشل ,ألا تستحين من نفسك ,لقد اكتشفتك متناقضة بلا وعي".

 

- صرخات أطلقتها سيدة نخبوية باتجاه فتاة كانت تقدم عرضا تثقيفيا لجمعا من الناس وأرادت أن تقدم طرحا لمسألة شائكة ولكن بأسلوب مختلف ,وما أن بدأت بطرحها حتى صاحت تلك السيدة وانقلب الحضور مذهولا مما حدث .

 

- نجد في هذا المشهد مشكلة يعاني منها أهل المشرق العربي وهى "أثرية الوعي" ,نجد من يصنفون أنفسهم بالنخبة من الشباب كانوا أو من الشيوخ متحجري الوعي ,متمسكين بأثريته العتيقة ,يتشبثون بفكرة أو اعتقاد أو قالب محدد ولا يريدون سماع الاّخر حتى ولو كان متفق معهم في وجهة نظرهم .

 

- يحضرني موقف شاب سكندري منتمي لتيار داعي لتغيير جذري لمجتمعاتنا المعاصرة ,قال لي هذا الشاب :”أتعلم ؟! كنت هنا في هذا المكان والذي تصنفونه بأنه أحد أفضل الكيانات السياسية المصرية ,ثم صعقتني مفاجأة في ظل الانتفاضة المصرية والتغيير الذي يسعى للوجود في ميدان الواقع ,كانت المفاجأة هى حفنة من الشيوخ في إحدى قاعات هذا المكان العريق ,يحتدون في مناقشتهم ,كنت بالمكان أستريح من تعب الصراخ والثورة ,جالسا أراقبهم فوجدت مزايدة متبادلة بين هؤلاء الشيوخ ,فهذا يقول أنه مناضلا ثائرا منذ الستينات والسبعينات ,واّخر يرد لا بل أنا سيد المناضلين وثالث يخرسهم بنضاله القديم وعضويته في حركة تحرير فلسطين واتهامه لهم بالعمالة ".

 

- استكمل الشاب حديثه قائلا :” صدقني وأنا أشاهد هذا العبث قلت في طيات نفسي كم أنتم أغبياء ,ألا تفهمون لما يدور حولكم وأنتم غارقون في مزايدتكم العقيمة تلك " ,ثم أنهى حديثه معي :”أعتقد بأننا لو في طيات أنفسنا رغبة لبناء وطن مستنير ,علينا بإبادة ما فوق الأربعين والخمسين عاما ,وعن نفسي سأضحي بمشايخ عائلتي".

 

- وبسبب عبثية المناقشة والمزايدة العقيمة ,اكتسبنا نحن معسكرين من التطرف العنيف ,تطرف باتجاه شيخوخة العمر يصل به الأمر إلى الرفض الشديد المصبوغ بالإبادة الدموية ,وتطرف اّخر يعتزل في برج عالي ,مغترب عن واقع التغيير ,مازال حيا بذكريات ماضي السوفيت وأمريكان ترومان وأيزنهاور .

 

 

- ولكن المشكلة هنا ليست في السن أو في تقدمه ,والحجة تحضرنا في مناقشتي مع شاب حول المشهد السوري ,الاختلاف تمحور بيننا حول من المسؤول عن المأساة هناك ,كنت أتقبل النقاش معه بصدر رحب ولكنه كان دائما يستعمل مصطلحات عنصرية وعنترية مما جعلني أكتشف أيضا أنه رغم صغر سنه إلا أنه "أثري الوعي" ,المفاجأة تكمن في نفس موضوع المناقشة السالف ذكره ولكن مع شيخ كبير وأجده ناقدا نبيلا مرحبا بتقبل الاّخر دون أية نية للانغلاق والتطرف .

 

- الدولة والمجتمع على عاتقهما مسؤولية تغيير الوعي الجمعي العربي وجعله من مرحلة المتلقي إلى الصانع والباحث ,يبدأ هذا أيضا من القوى السياسية وتشكيلها لمعسكرات التثقيف البعيدة كل البعد عن النعرات الحزبية والطائفية ,المؤسسات الأكاديمية قي شكلها المدرسي والجامعي عليها أيضا تعديل طريقة النهج العلمي والسماح بالنقاشات خلال المحاضرات وتلقين اّداب الحوار والخلاف في وجهات النظر ,المؤسسات الدينية عليها أيضا أن تحرص في خطابها  على عدم الانجرار نحو الأمور الطائفية الشائكة والخطاب المتطرف الكاره للاّخر ,الفن وصانعيه عليهم أيضا البعد عن السفه والسطحية والسعي نحو تقديم نموذجا عميقا للمواطن العربي ,نموذجا يذكره بتراث أسلافه المنسيين الذين صنعوا مجدا لوطنهم دون أن يأخذوا مقابلا لائقا لما اقترفوه ,لو استطعنا تحقيق ذلك سنجد مجتمعا عربيا مستنيرا ,سنجد الطبقات العاملة لا تقل تثقيفا واستنارة عن الطبقة النخبوية...مشهد أتمنى أن أراه في وطني العربي يكمن المشهد في امرأة  فرنسية تعمل كفرد شرطة وتوقف قائدا للسيارة لكي تفحص أوراقه الشخصية ,وما أن رأت وجهه حتى قالت : “سيدي أنا أعرفك لقد قرأت روايتك الأخيرة !!!!!”

 

- أعلم أننا نحن أهل المشرق العربي تغلب علينا العاطفة والتشبث بالأفكار نظرا للحزبية والطائفية ,أو لوجود كارثة أو اقتتال أهلي ما نتج عنه الكثير من الضحايا ,ولكن أنا أتكلم عن أوطاننا الساعية نحو التقدم والاستقرار ,من ضمن سبل الاستقرار هى تنقية وعينا الجمعي من تلك الأثرية وتقبل الاّخر من أبناء جلدتنا ,ومن هنا يبدأ التحضر والتكامل ونقد الذات ,ثم يتولد الإبداع الذي سيحقق الرفاهية للجميع ,وأخيرا أؤكد لكم نحن لدينا أثرية صالحة للتفريط لا التقديس

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان