رئيس التحرير: عادل صبري 02:45 صباحاً | الخميس 18 أكتوبر 2018 م | 07 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

ساعتين في أمن الدولة

ساعتين في أمن الدولة

ساحة الحرية

مطار برج العرب

ساعتين في أمن الدولة

أحمد بدوي 15 ديسمبر 2015 11:26

في محاولة - بدت لي خرقاء للغاية بعد فشلها - توجهت الأسبوع الماضي للمطار للسفر للخارج لأفاجأ - بما لم يكن مفاجأة حقيقية - بمنعي من السفر بل ومصادرة جواز سفري القديم والجديد وتليفوني المحمول وبعض من شهادات الخبرة الخاصة بي والتي حصلت على الكثير منها في رحلات مماثلة إلى مختلف دول العالم وأحملها معي عادة.

كان ضابط أمن الدولة الذي تم استدعائي لمكتبه في المطار شابا محترما للغاية أجريت معه ومع معاونيه من الأمناء حوارا امتد لأكثر من ساعتين متجاوزا الأسئلة الروتينية عن نشاطي السياسي وأسباب اختياري لمطار برج العرب من أجل السفر للخارج, لمناقشة الوضع السياسي العام في مصر, اتفقنا على أن مصر الآن أصبحت في حالة اللادولة واختلفنا في الأسباب التي أدت لذلك حيث رأى أحد الأمناء أن السبب في ذلك هو المؤامرة الخارجية التي يحيكها اليهود انتقامًا مما حدث لهم في "السبى البالبلي" على يد نبوخذ نصر منذ آلاف السنين بينما رأى الضابط السبب في انهيار الوضع الأمني بعد 25 يناير التي لم يستطع انكار انها قامت ضد ديكتاتور لكنه يراه ديكتاتور الناجح مقارنة بمن أتوا بعده

ورغم الزى الرسمي الذي كان يرتديه أمناء الشرطة والمكتب الذي نزعت من على بابه لافتة التعريف – بينما علقت على باب المكتب المجاور لافتة "المخابرات الحربية" ورغم المحضر الذي كتب فيه الضابط اجابات العديد من الأسئلة التي وجهها لي إلا أنني كنت أعلم أنهم ينفذون الأوامر ولا يصنعونها, لم أرى فيهم "أعداء" بل رأيت فيهم مجموعة من الشباب المصري الذين فضلت أن أناقشهم بشفافية على أن أتعامل معهم على أساس كونهم ممثلين لسلطة احتلال وتخريب,

أخبرتهم الكثير عن تاريخي مع السياسة – كإجابة عن أسئلتهم أحيانًا وتطوعًا في معظم الأحيان - وعملي – الممنوع مؤخرا - في مجال التوعية السياسية بداية بسؤالي له "حضرتك بتسافر برة مصر؟ وعاجبك حال مصر دلوقتي؟" ثم سؤاله التالي لي هل أنت ممن يرفعون شعار "يسقط حكم العسكر" ؟ الذي أجبته بشكل قاطع ب"نعم, يسقط حكم العسكر لأنه حكم فاشل وهو ما تسبب فيما وصلت إليه مصر الآن ولو كانت نتيجة اجابتي هو السجن فليكن" وأعتقد أن تلك الإجابة تحديدًا كانت صريحة بحيث أنها كانت مفتاح بقية الحوار فأكد لي أنني لن أسجن بسبب ذلك وتحول النقاش بعدها لصيغة الحوار المتبادل بدلًا من أسلوب التحقيق العقيم , أريتهم مقالتي في كتاب "خواطر نبي مصري معاصر" الصادر قبل الثورة والتي قلت فيها أن أول أهدافي قبل بلوغ الثلاثين من العمر هو اسقاط نظام مبارك ثم اقامة نظام ديمقراطي

لم أفوت تلك الفرصة لأخبرهم برأيي بأن الإخوان جزء من الشعب المصري لا يمكن استئصاله أو تهميشه تماما كما لا يمكن حل الجيش أو الاستغناء عن الشرطة وأن المطلوب من مختلف المؤسسات الحاكمة هو أن تتوقف عن تلك الممارسات التي تعود بنا لما قبل 25 يناير وإلا فلا مسار ممكن سوى الثورة في الشارع من جديد, بدا على وجه الضابط الانزعاج ورد بأنه لا يمكن أن يحدث ما حصل في يناير 2011 مرة أخرى فسألته مباشرة عن رأيه في البرلمان الحالي وهل يليق بمصر فقال "أنتم اللي جبتوه" يقصد ان الناس هى التي اختارته ليكون ردي مباشر أيضًا "محدش راح" وأن ذلك البرلمان المشوه ابن ذلك النظام المشبوه الذي يمنعني وآخرين من السفر دون سند قانوني, فقال لي مطمئنا وربما دون اقتناع بأنني سأسافر قريبا وان هى إلا مقابلة أجريها لاحقًا في مبنى أمن الدولة في مدينة نصر قبل أن يسمح لي بالسفر بشكل طبيعي

أكاد أرى في عينيك عدم التصديق لما أقول وهو ما رأيته في أعين أصدقائي الذين قابلتهم منذ ذلك اليوم, بل ربما يماثل ما أخبرني به أمين الشرطة وهو يصافحني قبل مغادرتي مكتب الضابط قائلا "انت صريح زيادة عن اللازم" لكن ذلك – بشكل مختصر للغاية – هو ملخص ما دار في مكتب أمن الدولة في ذلك اليوم وهو - كحوار - لم يكن مصدر ازعاج لي مثلما كانت النقاشات اللاحقة التي بدا لي أنها محاولة جماعية لإبعادي عن مجال السياسة بوصفه المتسبب في كل تلك الخسائر المستمرة في حياتي والتي كان آخرها ذلك المنع المنطقي غير المبرر من السفر

وربما تحتاج تلك الجملة لتفسير , فمنعي من السفر يبدو منطقيًا عند النظر للوضع العام فلم أكن آخر أو أول من يتم التعدي على حقه في حرية التنقل تحت حكم الانقلاب العسكري المشبوه حتى أن معظم أصدقائي الذين لم يسجنوا حتى الآن قد تم تقييد حريتهم في السفر ولكنه غير مبرر كوني سافرت بعد الانقلاب إلى السويد وعدت رغم صدور حكم غيابي بحقي كان يمكنني بسهولة من طلب اللجوء السياسي هناك, ولكن تلك المفارقة المنطقية تكشف عن سذاجتي أكثر ما تكشف عن أى شئ آخر. وهى سذاجة حتمت – فيما يبدو – الرد المباشر على كل من يسألني "مش ناوي تبطل سياسة بقى؟" ب "لأ, مش ناوي" ولكنها لم تبرر – حقيقة – عجزي عن أداء أى نشاط سياسي سوى مقالة هنا أو حديث تلفزيوني هناك. فرغم اجابتي على نفس السؤال "مش ناوي تبطل سياسة وتهتم بمستقبلك؟" بسؤال آخر "لو قامت في بيتكم حريقة حتسيبها وتحاول تعيش طبيعي ولا حتحاول تطفي الحريقة الأول؟" إلا ان الإجابة الحتمية بضرورة اطفاء الحريق أولًا قبل محاولة الحياة بشكل طبيعي لم تكن كافية فيما يبدو للرد على السؤال الذي أصبح عادة يومية مرهقة أكثر من ارهاق النقاش في مكتب أمن الدولة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان