رئيس التحرير: عادل صبري 10:41 مساءً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

البطاوي ليس ترابين

البطاوي ليس ترابين

ساحة الحرية

البطاوي وزوجته وابنته

البطاوي ليس ترابين

رفيدة الصفتي 15 ديسمبر 2015 08:55


آلمني حالي بعد أن طالعت أخبار الإفراج عن عودة ترابين الجاسوس الإسرائيلي، منذ أيام من أحد السجون المصرية، بعد أن قال الكيان إنه أنهى فترة عقوبته، في حين أكدت مصر أن السبب يعود لصفقة تبادل.

 

أيًا كان السبب فلا يعنيني في شيء، لكن في النهاية خرج ترابين ليشمّ هواء نقيًا، ويأكل طعامًا نظيفا، وينعم بالدفء في فراشه، ويطالع أخبار العالم من حوله، ويمارس عمله، ويتنفس عبق بلاده، ويرى سعادة أسرته، بعد أن اختفى في السجن بعيدا عنهم لمدة 15 عاما.

 

ترابين الذي لم تقف أسرته بالساعات في طوابير الزيارات الطويلة، ولم يتعرض أهله للإهانة، أو العبث بمحتواياتهم ومتعلقاتهم بحجة تفتيشها، ولم تبكِ والدته في لحظة ترجي أمام المأمور حتى يسمح لها بإدخال غطاء ثقيل لنجلها، أو أدوية وعقاقير وقائية.

 

لم يتعرض ترابين لما تعرض له زوجي البطاوي" target="_blank">محمد البطاوي الصحفي في مؤسسة أخبار اليوم من اختفاء قسري لعدة أيام.

 

ولم يحرم ترابين من معرفة أخبار العالم من حوله فترة اعتقاله في السجن، فاليوم الأول لسجنه كانت تستقبله الصحف العبرية في الزنزانة، وتطور الوضع بعد أن بات لديه تليفزيون وثلاجة وميكروويف في قلب زنزانته.

 

ولم تتجاهل إسرائيل أمر ترابين، أو تتنصل منه وتمنع عنه حقوقه، أو يتم إحالته للشؤون القانونية، أو تمنع عنه مستحقاته المالية تحت بند وجود اسمه في قضايا إرهاب، ولكن كان السفير الإسرائيلي يشرف على حالته ويزوره بشكل دوري.

 

لم ينهش زملاء ترابين في لحمه وهو بعيد عنهم ليس له حول ولا قوة، ولم يطالب أحدهم بفصله من عمله، أو وقف مستحقاته، أو منع الزيارة عنه، أو يطلب آخر من نقابته بعدم التدخل وتجاهل الأمر.

 

وبمقارنة بسيطة بين أحوال الصحفيين المصريين في السجون أو المعتقلين في صفة عامة وبين ترابين، فأتذكر أيام الصيف شديدة الحرارة وأنا أحمل قوارير المياه الكبيرة وهي متجمدة ونتسابق من أجل إدخالها قبل أن يذوب ثلجها، لأن محمد يريد أن يستخدمها كثلاجة تبرد ما يريد، فهو يضعها في حقيبة تحتفظ بدرجة الحرارة وتكفيه لليوم التالي، ويكون حظه سيئا إن وقفنا في طوابير التفتيش والزيارات وقتا أطول وهو ما يعني أنها لن تكمل معه ليلة واحدة بسبب حرارة الجو المرتفعة.

 

تقفز إلى ذهني حكايا أهالي المعتقلين من حولي ونحن في ساحة الانتظار، وهم يتحدثون عن طرق الحفاظ على الطعام مدة أطول حتى لا يفسد من عناء السفر وحرارة الشمس، أو جلساتهم وهم يفكرون في قائمة بأصناف الطعام التي لا تفسد بسهولة، حتى يتسنى لذويهم تناول لقمة هنية بعيدا عن طعام السجن الذي يُمرض ولا يسمن من جوع.

 

يمر على ذاكرتي طيف زوجي وهو يسألنا عن الأخبار، ويتطلع لمعرفة معلومة جديدة حتى يحلل ما يسمعه وتتضح الرؤية في ذهنه، سؤال بسؤال حتى تنتهي دقائق الزيارة ونحن نتناقش في فقرة الأخبار، مسكين هو، فمصلحة السجون لا تسمح بإدخال تليفزيون، بل وصادرت مذياعا صغيرا يعرض بعد المحطات الإذاعية التي تصفق للنظام، ولا تعرض الحقيقة كاملة.

 

زوجي الذي استدعاه طبيب السجن -بعد أن أصيب بحساسية في جلده- لا من أجل فحصه وكتابة علاج يسارع بعملية الشفاء، ولكن كان الاستدعاء من أجل رفع تقرير عن حالته للنائب العام، فحسبما أخبره الطبيب: "أنا هنا مش علشان أكتب علاج.. أنا هنا علشان أرفع تقرير للنائب العام".

 

هذا الطبيب يتشابه مع قرينه الذي وصف لزوجي دواء للصرع  وهو لا يعاني من أعراضه، من أجل علاج الاكتئاب، رغم أن الطبيب لم يشخص الأمر، ولم يقم بعمل فحوصات على أكمل وجه، ولم يستمع لزوجي ولكنه اكتفى ببعض الشخابيط العبثية حتى تنتهي الورقة أمامه.

 

لم يتوقف الأمر عند انعدام الرعاية الطبية، بل تم مصادرة قلم البطاوي وأوراقه التي يدون فيها خواطره، أو يحدث نفسه من خلالها، أو يراجع بعض ما درسه ويشغل وقته حتى لا يقتله الفراغ والعجز وقلة الحيلة.

 

سياسة التكدير من أجل التكدير.. شعار قائم تمارسه إدارة السجون ضد المعتقلين، أو ما يسمونهم بالسياسيين المعارضين للنظام، وهو نفس الشعار الذي يجعل قاضيا يردد على مسامع الواقفين أمامه: "أنا هنا قاضي تجديد مش قاضي إخلاء سبيل"!

 

متى سيخرج زوجي؟ وهل سيكون قريبا؟ وما المتوقع في قضيته؟ أسئلة تتردد في ذهني ولا أجد لها إجابة.

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان