رئيس التحرير: عادل صبري 09:16 صباحاً | الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م | 12 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

جمهورية مصر الطبقية

جمهورية مصر الطبقية

ساحة الحرية

عامل نظافة

جمهورية مصر الطبقية

طارق المناخلي 01 ديسمبر 2015 09:29

 

لم تكن الإطاحة بوزير العدل السابق المستشار محفوظ صابر من منصب وزير العدل متعلقة بعدم صحة تصريحاته بأن "ابن الزبال مينفعش يبقي قاضي" فلم تكن تلك التصريحات إلا تعبيرًا صادقا عن حقيقة من حقائق الدولة المصرية وملمحًا مهما من ملامح هويتها التي يكتسب النظام الحالي شرعيته من الحفاظ عليها فقط رد فعل الجماهير بسبب غشم التصريحات هو ما أطاح بالوزير وليس عدم صدق التصريح.


فالطبقية تعدّ من أهم ملامح الدولة المصرية الحديثة المؤسسة علي يد محمد علي، فكانت في عهده وعبر العهد الملكي ممثلة في مُلّاك الأراضي الذين شكلوا الطبقة العليا في المجتمع المصري والتي لم تكن فقط تحظي بوضع مادي مختلف عن باقي الشعب وإنما بوضع قانوني خاص وبألقاب خاصة تحدد مستويات رجال الطبقة من باشاوات وبهوات وتفصل بينهم وبين العامة وتحدد شكل التعامل معهم من السلطة ورجالها.


وتعززت تلك الطبقية بتمايز اللغة بين طبقة ملاك الأراضي من البشاوات والبهوات وبين عامة الشعب حيث حرصت تلك الطبقة علي تعلم أبنائها للغات الاجنبية فرنسية وإنجليزية وشيوع التعامل بها بينهم بينما كانت العربية هي اللغة الرسمية لباقي الشعب .


وتمايزت العادات أيضاً التي كانت لها علاقة وثيقة بتعاليم الدين وإن لم يختلف الدين طبقاً لفروق الطبقات حينها .
ثم بزوال النظام الملكي مع ثورة يوليو ووصول مجموعة من الضباط الاشتراكيين للسلطة والذين كانوا ينتمون في معظمهم للطبقة الوسطي وما دونها ، ورغم القضاء علي طبقة ملاك الاراضي وحدوث حراك اجتماعي قوي وحصول أبناء الطبقات الفقيرة علي كثير من الحقوق وتحسن وضعهم بشكل كبير .


إلا أن حالة وجود طبقة عليا ذات امتيازات مادية وقانونية خاصة ظلت قائمة بل ودعمت بحالة من الغموض و الحساسية الشديدة أحاطت بتلك الطبقة ، حيث اختلفت طبيعة تلك الطبقة عن سابقتها في العهد الملكي فبينما كانت الطبقة العليا في عهد أسرة محمد علي مكونة من مجموعة من ملاك الأراضي والاقطاعيين كانت تلك الطبقة مكونة في العهد الاول للجمهورية من مجموعة من كبار الضباط ورجال السلطة الذين كانوا يشكلون عصب النظام السياسي وقادته الذين كانوا يقومون علي حركة مقاومة مظاهر الطبقية ويحاربون الإقطاع وينادون بالعدالة والمساواة ويشكلون لجان التصفية والتأميم !!


حالة التناقض تلك بين امتيازات الضباط ووضعهم المادي وبين طبيعة النظام الاشتراكي الذي يشكلون عصبه وهيكله،  بالإضافة إلي الوسائل غير الشرعية التي غالبا ما جمعت بها الثروات دفعت هؤلاء الضباط لفرض حالة من السرية التامة علي وضعهم المادي والاجتماعي ساعدهم في ذلك حالة الاستبداد السياسي وتحكم السلطة في وسائل الإعلام والنشر وبطش الاجهزة الأمنية وسطوتها.


استمرت حالة الحراك الاجتماعي واستمرت إمكانية تحسن أحوال الطبقات الفقيرة التي بدأت مع ثورة يوليو مع وجود طبقة عليا من الضباط ورجال السلطة حتي حدث التحول الدرامي في مصر عقب حرب اكتوبر 73 فبعد نهاية الحرب ومع اندفاع نظام السادات لتطبيق سياسة انفتاح عشوائي تكونت طبقة جديدة من رجال الأعمال والأثرياء استغلت قوانين جديدة شرعها النظام وقيود تمت إزالتها فاندفعت تكون ثروات بشكل شرعي وبشكل غير شرعي وأصبح ثراء الضباط ورجال السلطة والقادة الذي كان يحاط بالسرية والغموض شيء مباح .


فظهرت مجدداً وبشكل علني تلك الطبقة التي كانت قد اختفت مع ثورة يوليو ، وكان التحول الاخطر في وضع تلك الطبقة مع استمرار السياسات الرأسمالية وتحول السادات التام للمعسكر الامريكي عقب معاهدة السلام؛ حيث إن الأثر السلبي لتلك الطبقة لم يظل فقط كما كان في الاخلال بالعدالة الاجتماعية والسيطرة علي رؤوس الاموال وتجميد الحراك الاجتماعي بل أخذ منحي خطير يعبر عنه ما كتبه جون بركنز في كتاب الاغتيال الاقتصادي للأمم حينما كان يتحدث عن الداخل الاجتماعي للدول الخاضعة للهيمنة الامريكية حيث ذكر أن الولايات المتحدة عمدت إلي تكوين مجموعة من العائلات الثرية ذات نفوذ سياسي واقتصادي داخل الدول المستهدفة بشباك الهيمنة تشكل تلك العائلات وهذه الطبقة امتداد للنخب الامريكية ليس بصفة التآمر ، ولكن من خلال اعتناق نفس أفكار ومبادئ وأهداف النخبة الامريكية ، وبحيث ترتبط سعادة ورفاهية الاثرياء الجدد بالتبعية طويلة المدي للولايات المتحدة .(1)


بهذا التحول الخطير أصبح خطر تلك الطبقة من الأثرياء والقادة ليس فقط في الاخلال بالعدالة الاجتماعية  وانما أمتد هذا الخطر ليؤثر علي استقلال الوطن ، حيث أغرقت تلك الطبقة المجتمع والدولة في بئر التبعية الكاملة للولايات المتحدة وأخضعت الموارد الاقتصادية للدولة وقرارها السياسي للقيادة الامريكية التي اعتبرتها قيادة العالم واجبة الطاعة والاتباع ، بل وحولت الجيش المنتصر في 73 إلي قوات تحمي معاهدة السلام وحدود الكيان الصهيوني وتحافظ علي المصالح الامريكية والتوجهات الجديدة للدولة وتركيبتها الاجتماعية التي شُكلت في أواخر السبعينات وتعتبرها هوية الدولة المصرية الأصيلة التي لا حياد عنها !!


بل وحتي النقد التي كانت توجهه تلك الطبقة والنخبة للحقبة الناصرية كان منصب علي السياسات الاشتراكية والاجراءات التي حاولت بناء اقتصاد قومي قوي وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحقيق الاستقلال معتبرة أن تلك هي خطايا النظام الناصري الكبري وليس الاستبداد السياسي والقمع .


وشنت تلك الطبقة بمكوناتها من رجال الأعمال وكبار الضباط والقضاة والاعلاميين وكبار موظفي الدولة ورجال النظام حرب ضروس علي حركات التحرر وعلي التنظيمات الثورية والمعارضة ، حيث اعتبرت أي تحرك ضد النظام السياسي هو تحرك يهدد مصالحها في البلاد واعتبرت ان أي دعوة للإستقلال عن القرار الامريكي هي دعوة لهدم كياناتهم وتدمير مصالح طبقتهم التي دعمتها الولايات المتحدة وبنتها عبر سنين طويلة بل وصارت تروج عبر وسائل الاعلام المملوكة لها دعاوي التحريض ضد كافة حركات التحرر والتنظيمات والشخصيات الثورية بكافة التهم من محاولة هدم الدولة وتهديد هويتها المزعومة حتي الاتهام بالعمالة للأمريكان !!


وتعزز نفوذ تلك الطبقة في عهد مبارك وخاصة مع الإندماج الكامل بين رجال الأعمال والبيروقراطية الحاكمة فيما سمي بزواج المال والسلطة ، هذا الاندماج جعل الدولة المصرية بمؤسساتها التشريعية والقضائية والتنفيذية أداة في يد رجال الأعمال يشرعون بها ما يشاءون من القوانين وينفذوها ، فاستفحل الفساد والسيطرة علي موارد الدولة وأراضيها بعقود باطلة وهُضمت حقوق الشعب وتردت أحواله المعيشية تماماً وازدادت الفوارق بين الاجور لتصل إلي مئات الأضعاف بين الحد الادني والأقصي بعد أن كانت في مطلع السبعينات لا تتجاوز 1 : 16 (2) .


وظهر انعزال تلك الطبقة العليا في المدن والاحياء المسورة والمنعزلة الأمر الذي يعزز مظاهر الطبقية ، بل ودُعم التميز باختلاف اللغات الذي أصبح ظاهراً وبقوة بين تلك الطبقة وبقية الشعب بل والفكر الديني لهذه الطبقة الذي يهدم بإسم الوسطية والهوية المصرية كافة القيود والتعاليم الدينية ، واستخدمت آلة القمع لكبح أي تحرك معارض للسلطة وللحفاظ علي مصالحها وكانت تزداد حالة القمع كلما تعلقت بطبقات أفقر اجتماعياً فأصبح دخولك لقسم الشرطة دون ان تكون محمي بواسطة من تلك الطبقة العليا معناه أنك تلقي نفسك في المهالك !


وباشتعال ثورة يناير زادت شراسة تلك الطبقة بشكل كبير وشهدت وسائل الاعلام دعوات الحرق والابادة لكل المتظاهرين الذين يطالبون برحيل مبارك !

وبعد رحيله شكلت تلك الطبقة الداعم الاجتماعي الأقوي لقيادة الجيش التي عاشت لأكثر من 30 عام الداعم المسلح لمصالحهم ودعمت بشكل دموي غاشم كافة المجازر التي قامت بها السلطة العسكرية ضد معارضيها وشكلت المانع الاقوي امام الثورة واهدافها .


وحينما بدأت أحداث 30 يوليو 2013 وعلي الرغم من وجود استياء لدي العديد من الفئات ضد حكم محمد مرسي إلا أن تلك الطبقة كان الدافع الأول لها في عدائها للرجل هو انتماؤه لطبقة الفقراء أو متوسطي الحال التي تشكل الغالبية العظمي من الشعب او كما أطلقوا عليه هم فلاح !!


واستمروا في دعم النظام العسكري التابع لهم وابن طبقتهم في كافة ما يرتكبه من مجازر واهوال وإضرار بالصالح العام عقب انقلاب 3 يوليو فقط من أجل الحفاظ علي مصالحهم ونفوذهم .


لقد شكلت تلك الطبقة من الأثرياء والقادة منذ الانفتاح الاقتصادي ومعاهدة السلام معول هدم لاستقلال تلك الدولة ومواردها الاقتصادية وقرارها السياسي ، بالإضافة لهدمهم لكافة مبادئ العدالة الاجتماعية وإضرارهم بمصالح البسطاء من الشعب وتشكيلهم حاجز منيع ضد أي تغيير ثوري يستهدف صالح هذا الوطن .


وأصبحت مواجهتهم شيئا حتميا لكل من يريد أن يرسم مستقبلا أفضل لتلك البلاد، لقد صارت مراجعة وضع المؤسسات التي تحمي تلك الطبقة وتدعم بقاء نفوذها أمرا واجبا، كذلك مراجعة كافة القوانين التي وضعوها ليبنوا عليها ثراء غير مشروع ورفع أيديهم عن موارد الوطن ومقوماته ، وانتزاع ما ثبت حصولهم عليه بشكل غير شرعي ، وإزالة الفوارق الضخمة في قطاع الأجور والقضاء علي كافة أشكال التمييز ، والسعي بكل سبيل لتحقيق العدالة الاجتماعية التي نادت بها الثورة منذ اليوم الأول وإلا فإن جشع هؤلاء سيلتهم ما تبقي من هذا الوطن .

بقلم: طارق المناخلي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاغتيال الاقتصادي للأمم جون بركنز ، ترجمة مصطفي الطناني ، تقديم شريف دولار


(2) إقتصاديات الاجور والمتربات في مصر د/ عبدالخالق فاروق

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان