رئيس التحرير: عادل صبري 07:55 صباحاً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

مصر أمانة بين إيديك يا رأفت

مصر أمانة بين إيديك يا رأفت

ساحة الحرية

محمد محمود مقبل

مصر أمانة بين إيديك يا رأفت

محمد مقبل 26 نوفمبر 2015 13:19


على أحد المحطات الإذاعية إعلان عن مسلسل رأفت الهجان يتم إذاعته عبرها، صوت السيد محسن ممتاز يوصى رأفت الهجان (مصر أمانة بين إيديك)، أذكر جيدا المسلسل بكافة تفاصيله التى صاغها بإبداع لا يوصف الكاتب صالح مرسى والمخرج يحيى العلمى عن قصة حقيقية من ملفات المخابرات المصرية لتجنيد رجل فى المجتمع الإسرائيلى فى فترة ما بعد ثورة يوليو وحتى ما بعد حرب أكتوبر، كلنا تقريبا نذكر المسلسل والأحداث التى غرست نفسها فى ذاكرتنا، رأفت الهجان أو رفعت الجمال ذلك البطل المصرى الذى قام بتجنيده أحد ضباط المخابرات المؤسسين للجهاز وقام بزرعه فى إسرائيل لنقل المعلومات للجانب المصرى فى فترة حرجة من تاريخ مصر بعد ثورة يوليو وكان الصراع المصرى الإسرائيلى فى أوجه.


"مصر أمانة بين إيديك" كانت هى النصيحة التى أراد لها السيد محسن ممتاز أن تصل إلى عقل وقلب رأفت قبل سفره مباشرة من مصر وإبحاره نحو عالمه المجهول ليكون أحد أهم رجال مصر داخل المجتمع الإسرائيلى، استوعب رأفت الدرس جيدا وكل ما علمه إياه السيد محسن ممتاز ونجح فى عمل شبكة جاسوسية قوية داخل إسرائيل أدارها بمهارة حتى إنه كان مقربا للعديد من صفوة رجال المجتمع الإسرائيلى كما رأينا جميعا بالمسلسل ونجح فى توصيل معلومات هامة للجانب المصرى عن هجمات الإسرائيليين على مصر فى نكسة ٦٧.


لمن يذكر المسلسل أو يتابعه مجددا سيرى مدى المأساة التى عاشها رأفت بعد النكسة وهو يرى هزيمة وطنه بعينه بينما هو مطالب بأن يكون سعيدا، المؤلم أكثر هو لماذا يحدث ذلك؟، لماذا الهزيمة؟، المعلومات كانت بين يدى قياداته التى تعلم أن يثق فيها، لماذا لم يقوموا بما يلزم لتفادى الهزيمة أو النكسة كما أسمتها القيادة السياسية حينها؟، السؤال قاتل ومحير وإجابته تستلزم التأمل، مصر أمانة بين يدى رأفت المواطن المصرى وقد فعل ما فى وسعه للحفاظ على تلك الامانة، لماذا الهزيمة إذن ؟


للإجابة على السؤال التى لمح لها المسلسل دون الخوض فى تفاصيل سياسية لم تكن موضوع ولا مغزى المسلسل علينا أن نعود إلى الأجواء السياسية فى فترة ما قبل يوليو والتى قادت بإصرار إلى الهزيمة، الحكم هو حكم عسكرى على رأسه القائد الزعيم الذى يؤمن كل الناس به حتى ظنوا أنه سيلقى بتل أبيب فى البحر، لا توجد ديمقراطية ولا أحزاب ولا تمثيل سياسى حقيقى بحجة احتياجات المرحلة فى مصر ما بعد ثورة يوليو والخوف من المؤامرات الداخلية والخارجية مما جعل الصوت السياسى هو صوت واحد لا يوجد من يعارضه أو ينتقده أو يحاسبه، نفوذ وسلطة لا حدود لها للجيش والجهات الامنية والمخابرات مع عدم وجود رقابة مما أدى إلى تفشى الفساد فى رؤوس تلك الجهات.


يمكنك أن تقرأ على فساد المخابرات وصلاح نصر وظلم الجهات الامنية والقمع والاعتقال والتعذيب وغيرها وان لم تقرأ عن ذلك التاريخ يمكنك أن ترى ذلك فى الأفلام التى سمح بها السادات لفضح مراكز قوى الفترة الناصرية كأفلام الكرنك واحنا بتوع الاتوبيس ووراء الشمس وغيرها، فساد قيادة الجيش وقتها وسيطرة المشير عبد الحكيم عامر على الجيش حتى انه عند حدوث انسحاب القوات المصرية من سيناء لم تكن هناك خطة انسحاب.


أما عن الإعلام وقتها حدث ولا حرج عن الاعلام الموجه للدولة الذى جعل من حاكمها الزعيم الأوحد الذى يؤمن الجميع به وبالاصطفاف وراءه حيث الاتحاد والنظام والعمل، هل نجح ذلك الحكم العسكرى وحكم الفرد فى غياب ديمقراطية حقيقية أن يحمى مصر من الهزيمة أو النكسة؟


"مصر أمانة بين إيديك" وقد فعل رأفت ما بوسعه وقام بتوصيل المعلومات إلى قياداته، ولكن تلك القيادات لم يكن هناك من يراقبها أو يحاسبها، لم يكن هناك من يعارضها أو يراقب خططها، لم يكن هناك من يطالبها ببرامج وخطط زمنية ويحاسب رؤوسها ويختار الأصلح والأقدر، وكان كل ذلك بحجة احتياجات المرحلة والأمن وحماية الثورة، تخيل معى انك تقوم بعملية كاملة لزرع عميل مصرى داخل إسرائيل بما يستلزمه ذلك من مجهود ونفقات ووقت وكل تلك الجهود تذهب سدى لأن قياداتك الحقيقية تحيا فى عالم آخر.


لك أن تدرك معى إذن أن أى مجهود فردى لاى شخص مهما بلغ من إخلاصه لا يمكن أن يؤتى أى ثمار فى وسط مناخ عام مشابه، حيث تسيطر الجهات الامنية على كل شئ فتختار كل الرؤوس التنفيذية واصحاب القرارات وحيث لا توجد احزاب وديمقراطية وحريات، وحيث يصطف الاعلام فى طابور احمق يردد نفس الكلام الموجه والمراقب دون اى مهنية أو ضمير، حيث يتم اتهام اى معارضة حقيقة بتهم العمالة والخيانة، لا يمكن أن تفرز تلك الاجواء اى شئ إجابى.


"مصر أمانة بين إيديك" قالها السيد محسن ممتاز لرأفت الهجان دون أن يدرك أن الأمانة الحقيقية سقطت من أيدى قياداته هو التى قضت على الحريات والديمقراطية ومدنية الحياة السياسية لتقود الوطن إلى هزيمة حقيقية لم ينجح فى تفاديها اخلاص كل المصريين وعملهم فى سبيل وطنهم.


د. محمد محمود مقبل

استشارى جهاز هضمى وكبد

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان